-->

الناقد رائد محمد الحواري يكتب: التجديد في "شجار في السابعة صباحا" لوليد الشيخ

المواطن العربي عامة والفلسطيني خاصة يمر بأصعب الظروف، فهناك انهيارات في كافة نواحي الحياة، الوطنية والقومية، الدينية والأخلاقية، المعرفية والفكرية، الأدبية والفنية، السلوك والممارسات، فنحن نمر ببحر الظلمات فلا نرى سوى ظلام دامس، ظلام دامس.
والخروج من هذا الواقع مستحيل، لكن التعبير عنه ممكن، خاصة من الأدباء/ الشعراء، فهم أكثر حساسية منا نحن الناس العاديين، ويستطيعون التحدث عنا وعما نشعر به من ألم وقهر وحزن وبؤس وذل و... .
المرأة
الديوان يكاد خلو من الطبيعة، فمكان الأحداث/ المشاهد هو المدينة، البناية، البيت، الشارع، فنكاد لا نجد شجرة حقيقية فيه، وهذا ما يجعل الشاعر يفقد أحد عناصر التخفيف التي تساعده على الخروج من حالة القسوة، ويستعيض عنها بالمرأة/ بالحبيبة.
إذن، في "شجار في السابعة صباحا" الشاعر "وليد الشيخ" يتحدث نيابة عنا، من خلال تناوله مجموعة صور/ مواقف/ مشاهد جاءت مقطعة/ ممزقة كواقعنا تماما، يقول في "أسئلة الصباح":
"من أين سيأتي الصبر يا أم كلثوم كي أقرأ قصائد لشعراء مهذبين؟
من أية نافذة سأترك يدي تذهب لترمي الحجارة كلما أغلق أبي الباب؟
وأي باب عليّ أن أخلعه
كي أصل فمك وأتناوله كحبة فلافل ساخنة (فيما الدنيا تمطر)؟
وهل سأضمن الهبوط الآمن بين يديك يا الله،
دون إصابات من رجال يلبسون أثوابا باكستانية، لأسباب (غامقة) جدا؟
وكم مرة سأتوب، حتى أكف عن تذوق نساء جديدات
يتركن على جسدي أثلاما تنبت فيها أغصان الناستالجيا
وعروق من نبات السفالة؟
وكم من الأيدي سيلزم حتى يفك اشتباك السيارات على التقاطع
كي أصل مكان العمل سالما دون لفت نظر؟" ص9و10.
قبل الدخول إلى المقطع، أنوه إلى أن عناصر الفرح/ التخفيف التي يلجأ إلى الشعراء/ الأدباء وقت القسوة/ الشدة تتمثل في: المرأة، الكتابة، الطبيعة، التمرد.
إذا ما توقفنا عند هذا النص سنجده يتناول العديد من سلوكيات الحياة اليومية، رتابة الأدب والفنون، مما جعل الشاعر متمسكا بسماع أغاني أم كلثوم، هيمنة الفكر الديني ورجال الدين على المجتمع والأفراد مما جعله يستعين بالله، صعوبة الحياة/ صعوبة الطريق والناس للوصول إلى مكان العمل وما فيه من سطوة الرأسمالي على العامل/ الموظف، كل هذا استدعى من الشاعر اللجوء إلى من يخفف عنه هذا الواقع المرير، فكان المرأة هي ملاذه في واقعه القاس.
إذن الشاعر يجعل لكل بؤس مخرجا، فتفاهة/ عادية الأدب والفنون تواجه بالتمسك بالفن الأصيل/ أم كلثوم، وسطوة رجال الدين الفكرية (خطب الجمعة وما يبثون من فيديوهات وتسجيلات)، وسطوتهم التنفيذية من خلال العنف والقمع لكل ما لا يتوافق مع أفكارهم ونهجهم جعل الشاعر تواجه باللجوء إلى الله، أما فساد المجتمع/ الناس وتخلفهم، وقسوة صاحب العمل جعله يلجأ إلى المرأة، هذا ما يظهر على سطح النص.
لكن إذا ما توقفنا عند تركيبة المقطع سنجد حضور المرأة أكثر من غيرها، ففي البداية اجتمع عنصرين للفرح، المرأة/ أم كلثوم، والكتابة/ الفنون: الغناء، بعدها يخرج الشاعر عن (ترتيب النص) ويتحدث عن مغامراته العاطفية: "كي أصل فمك" وبعد أن تحدث عن قسوة رجال الدين وسطوتهم أيضا استعان بالمرأة من جديد من خلال حديثه عن مجموعة نساء: "تذوق نساء جديدات...يتركن على جسدي أثلاما" ليختم المقطع بالحديث عن جهل وتفاهة الناس/ المجتمع، وهذا ما يجعلنا (نبرر انحرافه) فبؤس حالة الجمع/ الناس/ المجتمع: "رجال يلبسون أثوبا باكستانية، سيارات" استدعى منه اللجوء إلى حالة جمع تماثلها "نساء، يتركن" بينما في حالة البؤس المخففة "قصائد متقنة" لجأ فقط إلى امرأة واحدة، لأن هناك من ساعده على خروج من بؤسه "أغاني أم كلثوم" التي جمعت بين المرأة والكتابة/ الغناء.
وهنا يأتي دور التمرد، عنصر التخفيف الرابع الذي نجده في أكثر من حالة، الأولى حديثه عن باب أبيه المغلق وكيف يرمي الحجارة عليه، والثانية: "فمك، أتذوق، يتركن" والثالثة تناوله لرجال الدين، والرابعة توقفه عند المجتمع وسطوة الرأسمالي، وبهذا يكون الشاعر قد تمرد على المحرمات الثلاث، الدين، الجنس/ المرأة، سلطة الرأسمالي/ صاحب العمل.
هذا فيما يتعلق بمضمون/ فكرة "أسئلة الصباح" لكن هناك تمرد آخر يتمثل في الشكل الذي قدم به النص، فالتقطيع والحديث عن مسائل مبعثرة/ مقطعة، له علاقة بتمرد الشاعر وثورته على والواقع وعلى الأدب/ القصائد العادية، فالطريقة التي قدم بها النص تشير إلى نفوره حتى من الكتابة نفسها، فجاء هذا الشكل ليعطي نموذجا للشعراء عن الأدب الجديد المتمرد المتألق البعيد عن التقليد والرتابة.
الكتابة
تمرد الشاعر لا يتوقف عن مقطع واحد، بل نجده يكاد يعم الديوان، يقول في "قراءة":
" أظن
أنني حداثي أكثر مما توقعت
لذا، عندما أمطرت بالأمس، قرأت إيمان مرسال
وانتبهت
أنني غالبا، في ديسمبر، أقرأ قصائد مقاتلة
لأولاد وبنات يتبادلون قبلات ساخنة في الأسانسير
قصائد الأسانسيرات
لها طعم الخوف
لذا
استعجل في قراءتها
ولا اصل الطابق الأول" ص11.
في هذا النص نجد تركيز الشاعر على الكتابة التي نجدها في: "قراءة/ أقرأ/ قراءتها/ قرأت، حداثي، إيمان مرسل، قصائد (مكررة) فهي وسيلته في التعبير عما فيه من ألم/ ووجع، وما به من طاقة إبداعية، وهذا ما يجعل القصيدة/ القراءة مركز النص، فالشاعر يستعين بفكرة التجديد التي طرحتها "إيمان مرسال" ـ وهنا أيضا نجد ثنائية المزج/ الجمع بين المرأة والكتابة ـ مما أعطاه دافعا إضافيا ليتقدم نحو التمرد، فتحدث عن الأولاد والبنات في الأسانسير ـ نلاحظ ثنائية التمرد: بنات وأولاد ـ والتمرد في مضمون وشكل القصائد: "قصائد الأسانسيرات" وهل للأسانسيرات قصائد، وكيف ستكون هذه القصائد التي يتبها أولا وبنات!؟
والدهشة كانت في خاتمة النص حيث لم يصل إلى (شقته) في الطابق الأول، فحركة الأسانسير صعود وهبوط وتكرارها أكثر من مرة، له علاقة بتكرار "قصائد" وقرأ/ قراءة أربع مرات، فكثرة القراءة واستعجاله جعلته (يتوه ولا يركز) إلى أين وصل.
يعطينا الشاعر نوضج عن التابة الإبداعية من خلال "حب":
"أريد نقطة أرخميدس
كي أحرك الأرض
فيتغير عنوان بيتك
وتصبحين جارتي" ص88.
الاختزال والتكثيف حاضر، والجنون/ الفانتازيا كذلك، كل هذا جاء بسبب الحبيبة، وهذا ما يجعل المرأة المحرك للكتابة الإبداعية وتجاوز العادي/ المألوف إلى ما هو حداثي متمرد.
الديوان من منشورات الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى 2017.

إرسال تعليق

أحدث أقدم