طلقة في الاسم": قراءة في المعمل الجنائي للأرواح!
يوسف الشايب
تأتي مجموعة "طلقة في الاسم" للشاعر مهيب البرغوثي الصادرة عن منشورات المتوسط في إيطاليا (2026)، لتقدم جردة حساب قاسية مع الحياة والموت في آن، بحيث يصوغ في هذا العمل لغة تقترب من المعمل الجنائي للأرواح، حيث كل نص هو تشريح لقطعة من الوجع الفلسطيني المعاصر.
إن توصيف المجموعة بأنها تشريح للوجع الفلسطيني ليس مجرد استعارة بلاغية، بل هو المبدأ الهيكلي الذي تقوم عليه قصائد مهيب البرغوثي؛ حيث يتعامل الشاعر مع الألم كجثة ممدة على طاولة الفحص، يفككها عضواً عضواً ليرى كيف تعمل الحرب داخل الكائن الحي.
في هذه المجموعة، يعمل البرغوثي على تشريح اليومي تحت وطأة الموت، فهو لا يبحث عن الوجع في الشعارات الكبرى، بل يشرح كيف يفسد الموت تفاصيل الحياة البسيطة والروتينية، ففي نص "نهاية الأشياء البسيطة"، يشرح كيف تتحول الذاكرة العائلية الدافئة إلى حطام بارد، فالوجع هنا ليس في الانفجار، بل في التلاشي التدريجي للأمان المنزلي.
"غرفتي الصغيرة، تحت سماء وردية غائبة/ ذاكرة جدتي وحكايات الشتاء الطويلة/ تلك الأشياء البسيطة/ تنتهي شيئاً فشيئاً".
كما يقوم بتشريح الحرب كمسخ هويّاتي، عبر الزج بنا في الكيفية التي تعيد من خلالها الحرب صياغة الإنسان الفلسطيني وتحوله إلى كائن تقني أو محلل بارد، مجرداً إياه من عفويته وحزنه الشخصي، ففي نص "الحرب" يصف الحالة الذهنية للفلسطيني أمام الشاشة، وهذا التشريح يكشف عن الاغتراب؛ حيث يصبح الفلسطيني مراقباً لموته الخاص وكأنه طرف ثالث.. "الحرب/ لا نفعل فيها شيئاً سوى/ أنها تحولنا فجأة/ إلى قادة في التحليل العسكري/ وشعراء وكتاب سياسيين/ ومقاولي موت للأطفال".
ولعل أعمق عمليات التشريح في المجموعة هي تلك التي تناولت جسد الشاعر نفسه، حيث تتحول الإصابة من حدث عابر إلى جزء من التكوين البيولوجي، كما في نص "سيرة شوارع ميتة" الذي يروي قصة الرصاصات الاثنتي عشرة، فالوجع الفلسطيني هنا ليس جرحاً يندمل، بل رصاصة صديقة تسكن الرأس، تجعل صاحبها يسمع صوت الريح تعبر من ثقوب جسده، وهو ما يمكن توصيفه بتشريح الجسد المثقوب، خاصة عندما يتم التعاطي مع الرصاصة كعضو حي.. "بقيت رصاصة في الجزء الخلفي من الرأس لم يجازف الأطباء بإخراجها.. فبقيت الرصاصة صديقتك".
ويذهب البرغوثي أيضاً إلى تشريح "المكان"، فالمدينة قبر أو تابوت، وهنا تبرز عملية تقطيع جغرافيا المكان الفلسطيني (غزة، رام الله، والمخيم) ليجد أنها لم تعد حيزاً للحياة، بل فضاءات جنائزية، كما نص "صباح المدينة"، ونص "غزة، وتشريح المكان هذا يكشف عن الحصار الوجودي؛ حيث لا فرق بين البيت والقبر، وبين الشارع والممر الجنائزي.. "تبدو المدينة/ كقبر سجين بريء، المباني تحجب رؤية النجوم".. وفي غزة: "كان الدخان يخرج من المقبرة/ ويمنح ماء الخلود/ كل زائر جديد".
ويقدم الشاعر، أيضاً، تشريحاً سيكولوجياً لما يمكن تسميته "عقدة الناجي"، معتبراً أن البقاء على قيد الحياة في ظل إبادة الآخرين هو نوع من التلوث، كما في نص "النجاة جريمة"، فالوجع الفلسطيني المعاصر في نظره لا يقتصر على من ماتوا، بل يمتد لمن بقوا "يشاهدون الغبار ويعدون الجثث" من خلف الشاشات، محملين بذنب النجاة، وهو ما عبر عنه بوضوح في مقولته الشعرية "نجوت؟/ لا/ تلوثت".
وهنا لا يكتب مهيب البرغوثي شعراً عن الوجع، بل يكتب بالوجع نفسه كأداة تشريح، فهو لا يبحث عن مواساة، بل عن كشف الحقيقة العارية للإنسان الذي أصبح "طلقة في الاسم"، يعيش في عالم "أدمغتنا فيه غرفة نوم للقتلة".
ويمثل "طلقة في الاسم"، كعنوان، ذروة التكثيف؛ فالاغتيال لا يستهدف الجسد الفيزيائي فقط، بل يمتد ليمحو "الاسم" بما يحمله من تاريخ وهويّة، وهذا يتكثف أكثر مع سطوة جغرافيا الألم كثيمة، فالحرب عند البرغوثي ليست طارئة، بل هي التي تعيد تعريف البشر؛ فهي تحول المواطنين فجأة إلى قادة في التحليل العسكري ومقاولي موت للأطفال، فيما تظهر غزة كفضاء يمنح ماء الخلود لكل زائر جديد للمقبرة، حيث تتداخل فيها أصوات الموسيقى (باخ) مع صراخ الأطفال ورجاء الأمهات تحت المطر والقنابل، بينما يبرز الحزن ككائن نهم يمتص سواد العين ويفتح جوارير الذاكرة، ففي "خطاب إلى العزلة"، تنقسم الذات إلى شخصين يتبادلان تحية الصباح وفناجين القهوة في غياب الآخرين.
في تجربة مهيب البرغوثي الشعرية هذه، لا تنتهي وظيفة الرصاصة بمجرد إطلاقها؛ إنها تبدأ حياة جديدة داخل "الاسم" و"الجسد" و"الذاكرة"، ففي نص "طلقة واحدة في الاسم"، تتحول الرصاصة إلى حدث تأسيسي في طفولة الشاعر، حيث ترتبط بزيارة السجن والشعور المبكر بالخوف، فالرصاصة هنا لا تقتل الجسد، بل تستقر في الماهيّة؛ إنها العلامة الفارقة التي تجعل الفلسطيني يعرف نفسه من خلال جرحه لا من خلال تاريخه الطبيعي، وهنا يقول: "كانت طلقة واحدة... في الاسم".
وفي نص "سيرة شوارع ميتة"، ننتقل من الرمزية إلى الواقعية التشريحية الصادمة، حيث تصبح الرصاصة شريكاً في العيش.."فبقيت الرصاصة صديقتك في الجزء الخلفي من الرأس.. كنتُ أمشي في الشوارع، وأسمع صوت الريح وهي تعبر عبر رأسي المثقوب برصاصة".
وهنا يصل التشريح لذروته؛ فالرصاصة لم تعد جسماً غريباً، بل هي عين ثالثة أو أذن تسمع الريح، وكأنّ الشاعر يحكي لنا عن حالة الألم المستدام الذي لا يمكن التخلص منه لأن ثمن الخلاص (إخراج الرصاصة) قد يكون، أو ربما هو فعلياً "العمى" أو "الشلل".
وفي لحظة مكثفة من نص "نجمة أمي"، يربط الشاعر بين غياب الأم وحضور الرصاصة، وكأن الرصاصة هي الميراث الوحيد المتبقي، وهذا الربط بين "النجمة" و"الرصاصة" هو تعبير مبتكر عن تحول "الجمال" إلى "ألم"؛ فالرصاصة هي الضوء الوحيد الذي يلمع في عتمة الفقد الفلسطيني.. "وحين رحلتْ أُمِّي/ ظهرت فجأة رصاصة في اسمي/ تشبه نجمة أُمِّي".
والرصاصة عند البرغوثي، "تصادق" أيضاً، و"تشبه النجوم"، ولها قدرة على السكن في الأسماء، ففي حالة من الحياد السردي، يصف الشاعر استقرار الرصاصة في رأسه ببرود شديد، وكأنه يصف قطعة أثاث أو موعداً عادياً،
وهذا الحياد هو ما يرفع منسوب الرعب الشعري لدى القارئ، فحيث إن التكرار الدلالي، بألفاظ لا تغادرنا كثيراً كـ"الرصاصة"، و"الثقوب"، و"الطلقة"، عبر نصوص المجموعة ("طلقة في الاسم"، و"سيرة شوارع ميتة"، و"نجمة أمي")، يخلق وحدة عضوية تجعل الديوان يبدو كأنه تقرير طبي مطوّل عن جسد أصيب بطلقة ولم يمت تماماً، بل تعلم كيف يعزف من خلال ثقوبه.
لذا، فالرصاصة في هذه المجموعة هي خيط السداة الذي يربط القصائد ببعضها؛ فهي تارةً قدر وتارةً هوية وتارةً عضو حي، وهذا يعكس الوجع الفلسطيني في أقصى تجلياته المعاصرة: ليس الوجع من الطلقة التي تقتل، بل من الطلقة التي تتركك حيّاً لتمشي في الشوارع برأس مثقوب، تحاول أن تفهم لماذا لم يمت التابوت بعد.
وتنتقل المجموعة من تشريح الجسد المثقوب بالرصاص إلى تشريح الفضاء الصوتي المحيط بهذا الجسد، حيث تبرز ثنائية الصمت والضجيج كأدوات قمعية ومجازر خفية تُرتكب بحق الإنسان الفلسطيني يومياً.
ففي عالم "طلقة في الاسم"، ليس الصمت راحة، بل مجزرة تقع حين يتوقف العالم عن الاكتراث، أو حين يعجز الكلام عن وصف هول المأساة، ففي نص "المسرح الجهنمي للحياة"، يتحول الصمت إلى رد فعل كوني تجاه الموت الصارخ.. "الكل ينظر بغيرة وصمت وحسرة.. لكن الآن الكل يصمت/ وصوت صراخ الأطفال يرتفع"، فيما يكرر الشاعر كلمة "صمت" ليعبر عن الفراغ الوجودي الذي يسبق أو يتبع الكارثة، كأن يقول: "صمت .. صمت .. صمت .../ لا أسوأ من ذلك.. مثل مجزرة الغربان"، فالصمت هنا هو الخراب القريب من الوريد، وهو الحالة التي تصبح فيها الكلمات نعشاً لا يستطيع حمل المعنى.
من جهة أخرى، يظهر الضجيج في المجموعة كقوة مادية تنهش الرأس وتأكل الملامح، وهو تعبير عن حالة الفوضى والتوتر الدائم تحت الاحتلال والحرب، ففي نص "ضجيج"، يصوّر الشاعر الضجيج كوحش خرج من رأسه ليتجول في الشوارع، بحيث يرتبط الضجيج بالصداع والإصابة، ما يجعله مكوّناً من مكونات المعاناة اليومية، حين يتساءل: "كيف خرج من رأسي؟/ ها هو يأكل الرَّجُلَ الجالس على زاوية/ التقاطع.. الضجيج سيأكلنا كلنا"، أو يتحوّل الضجيج إلى غرفة نوم القتلة داخل أدمغتنا؛ أو الضوضاء التي تمنعنا من النوم أو التفكير، وتجعل المدينة تابوتاً فارغاً ومطفأ، خاصة عندما يخبرنا: "كان رأسي يوجعني/ ربما من الضجيج وبقايا دخان الأرجيلة".
ويُبرز البرغوثي كيف يتبادل الصمت والضجيج الأدوار في مأساة "البلاد"، حيث نراه يصف بارانويا الحديد، بتتبعه لطائرة "تطير مثل ذبابة إلكترونية" وتحدث ضجيجاً ينتهك سماءنا، بينما "الكل يخاف أن يتنفس"، فيما يضع، وفي مفارقة مذهلة، موسيقى "باخ" و"موزارت" و"شوبان" في مواجهة ضجيج القنابل وصمت القبور، وكأن الفن هو المحاولة الأخيرة لترميم "الجمجمة المفقوءة" للعالم.
لذا فإن "طلقة في الاسم" هي مجموعة صوتية بامتياز أيضاً؛ فالشاعر "الأعمى" (كما يصف نفسه رمزياً) يعتمد على حاسة السمع لتلمس طريقه، لذا فالصمت عنده هو المساحة التي تنمو فيها الكلمات الميتة، والضجيج هو السكين، التي تقطع حبال الذاكرة، وبهذا، يشرح البرغوثي الوجع الفلسطيني كحالة من التذبذب بين خراب الصمت (التجاهل/ الموت) ووحشية الضجيج (الحرب/ القمع).
وتتكثف تجربة مهيب البرغوثي في "طلقة في الاسم" بوصفها مختبراً شعرياً لتشريح الفناء، حيث يلتقي اليومي العادي بالكارثي في لغة سينمائية باردة، تعتمد الاقتصاد اللغوي والتدوير، وتغوص في تقنيات البيانات الباردة والحقائق العارية، فرغم الإغراق في المناخ الجنائزي شديد القتامة، ورغم بعض الإلحاح التكراري، إلا أنه لا يقدم شعراً للمواساة، فبالتعبير المُبتكر عن الحرب، وبالصدق الشعوري، يحوّل الشاعر الوجع الفلسطيني المعاصر من صرخة خطابية إلى نبرة هادئة قادرة على النظر في عين الوحش وكتابة اسمه كاملاً دون خوف، مؤكداً أن الشعر هو الثغرة الأخيرة في نفق الهاوية، والوسيلة الوحيدة لترميم أرواحنا، وهنا تكمن القوة الحقيقية لهذا العمل.
Tags
مناطق شائكة