بصرف النظر إن كانت "ظلال عاشقة" تكملة الجزء الأول "وادي الغيم" يمكن للقارئ أخذ "ظلال عاشقة" على أنه عمل روائي مستقل عن سابقه، بمعنى أنه يجد فيه عناصر الرواية كاملة، ويمكنه الوصول إلى الأفكار التي أراد السارد طرحها، مثل خراب الدول يبدأ بيد أبنائها قبل أن يأتي/ يصل الأعداء، وأن الدول مصالح وليس مبادئ، من هنا نجد الدور التركي القذر في خراب سورية، وكيف عملت على وضع عملاء لها يأتمرون بإمرتها، وأيضا نجد الصراع بين الغرب والشرق، فلكل منهما مصالحه التي تتناقض مع الآخر، كما يتوقف السارد عند الصراع العربي الصهيوني، موضحا أن الفلسطينيين واليهود هم ضحايا لمشروع الهيمنة الغربية على المنطقة العربية,
هذا على صعيد أفكار الرواية، أما عن
صعيد الشكل، فقد تعمق السارد أكثر في تقديم حدثين متباعدين، الماضي، سقوط الأندلس،
وما يجري لركن الدين ولوسين، والحاضر، ما يجري لعبد القادر ونورا، حتى أن طريقة
عرضه للأحداث كانت قريبة مما جاء في ألف ليلة وليلة، فعنصر التشويق كان حاضرا
وفاعلا في الرواية، كما أستطاع الربط بين فكر وطريقة تجنيد الحشاشين لعناصرهم
الإرهابية، مع طريقة عمل الدواعش وما تفرع منها.
المكان
سنحاول التوقف قليلا عند بعض ما جاء
في الرواية ونبدأ من مكان الحدث الذي قدم بطريقة حميمة: "كل قصور الأندلس
ومساجدها وقلاعها، المعضلة هنا أن النفس لا تشبع منها أبدا، وزيارتها تزيد الحنين
إليها" ص 13، في هذا المقطع يعبر "عبد القادر" عن حنين/ جوع العربي
لماضيه وما فيه من عزة وإنجازات حضارية وثقافية، خاصة أنه الآن يمر بمرحلة انحطاط
وتقهقر وذل ما مرت عليه من قبل.
الماضي والحاضر
أحد أسباب ضياع الأندلس صراع الأخوة،
كما هو حالنا اليوم، فسبب ضياع/ خراب ليبيا واليمن والعراق والسودان والصومال
وسورية، صراع الأخوة الذين يعملون لصالح الأعداء، وليس لصالحهم أو لصالح المواطن
أو الوطن، فالثمن الذي يدفعه المواطن أضعاف مضاعفة عما يدفعه الحاكم/ المتنفذ،
فالأول/ المواطن يفقد كل شيء، المال والبيت والاجتماع والأمان، والثاني يفقد
مكانته كحاكم متنفذ، لكنه يحمل أمواله معه، ليعيش في رغد اقتصادي.
وأثر ضياع الوطن لا يقتصر على زمن
الأحداث، بل يمتد ويتوصل حتى مئات السنين: "قضية العرب الموريسكيين لم تنته
بعد وستبقى حية كما ظلت عبر قرون، ولعل شهادة أحد جنود نابليون حول محاكم التفتيش
تدل على مدى استمرارية القضية الأندلسية، هذه الشهادة كانت في عام 1808 خلال حملة
الفرنسية على إسبانيا، حيث وثق الفظائع التي رآها أثناء تفتيش أحد الأديرة التي
تتم فيها عمليات تفتيش ضد الموريسكيين، بل وجد فيها بعض السجناء الذين شارفوا على
الموت من شدة التعذيب بعد ثلاث مائة عام من سقوط غرناطة" صص14، وهذا الأمر
تكرر في كل الدول التي ضاعت وخربت، فالبعثيين ما زالوا مطاردين في العراق رغم ما
مرور أكثر من عشرين سنة على احتلال العراق، وهذا حال أنصار معمر القذافي وعائلته.
وهنا نذكر بحقيقة العربي الذي يفكر
بعقلية القبلية والعرية، وليس بعقلية المجتمع المدني، فحر معاوية وعلي ما زالت
مشتعلة وندفع ثمنها، ونمدها بالمال والإعلام والرجال، رغم مرور ألف وأربعمائة سنه
عليها، فما يعجز عنه الأعداء، نكمله نحن وننجزه، فلا نترك صغير أو كبيرة إلا
وبحثنا عنها، لننال مما نالوا ممن أحببناهم!
الغرب والشرق
نلاحظ أن أحداث الأندلس استمرت بعد
مرور ثلاثمائة سنة عليها، فالصراع بين الغرب والشرق مستمر وباق، فالعرب هم من
أزالوا أعظم إمبراطورية في العالم، روما، والغرب يعي هذه الحقيقة، لهذا حاول
استعادة أماجده الغابرة في الحروب الصليبية، وها هو يعمل الآن لإضعاف المنطقة
أكثر، وإبقائها مقسمة ومفتتة وتابعة له، يتحدث عن عبد القادر عن هذا الصراع بقوله:
"أن أي وحدة بين الدول العربية تعني قيام قوة نقيضة تؤدي إلى أفول حضارتهم
وقوتهم، فالعالم يقوم على قوة مسيطرة واحدة، فإن ظهرت القوة في الشرق ماتت في
الغرب" ص77، نلاحظ منطقية التحليل وموضوعيته، فعبد القادر يختزل فكرة الصراع
بهذه الفقرة، وهنا نذكر بالصراع القديم بين الفينيقيين وروما، وصراع الفرس وروما،
بمعنى أن العداء كان ومازال على حاله، فظهور قوة أحدهما تلغي وتنهي الطرف الآخر،
هذا ما كان من أيام قرطاج وحتى اليوم.
الأتراك
يتوقف السارد عند الدور التركي في
الخراب العربي، مؤكدا أن الدول مصالح وليست مبادئ، تقول شيء وتفعل نقيضه: "إن
تركيا ستدافع عن مصالحها في سوريا مهما تطلب الأمر...قواتنا الآن دخلت لواء كاملا
إلى المنطقة وتركيا لن تتردد بالدخول في حرب مباشرة مع الجيش السوري إذا أقدم على
اقتحام المدينة" ص119، المقصود بالمدنية مدينة إدلب" هذا الاعتراف من
الضابط التركي ليس اعترافا روائي/ خياليا، بل حقيقة، وما يجري الآن في سورية بعد
أن وصلت النصرة إلى دمشق وفعلت إسرائيل فعلتها في سورية، حيث لم تبق أي عتاد أو
أسلحة في سورية إلا ودمرتها، كما احتلالها جزء كبير من الجنوب الغربي لسوريا، يؤكد
أن الدول مصالح، وليس مبادئ، فالأتراك أصحاب اليد الأطول في سوريا، وقفوا متفرجين
على تدمير كل معادات الجيش السوري، وصامتين أمام توغل إسرائيل، دون أن يبدوا حتى
استنكارا لما فعلته دولة الاحتلال.
أما في ليبيا فالأتراك أيضا له يد في
خرابها: "إن خسرنا ليبيا فلتك صفعة قوية توجه لنا من المصريين، يجب أن نحاصر
مصر ونبقي على وجودنا في ليبيا، سنرسل الدعم لحكومة السراج والكتائب الموالية لها
في غرب ليبيا" ص120، هذه حقيقة الأتراك، فهم يسعون لإحياء أمجاد العثمانيين،
والعرب يسعون لإحياء حرب علي ومعاوية، فيا لهم من منتصرين لماضيهم العريق!
دولة الاحتلال
كما يتوقف "عبد القادر"
عند دولة الاحتلال بقوله: "‘إن إسرائيل مشروع استعماري غربي، لا يعرف
الديمقراطية ولا الإنسانية" ص135، فالدولة وجدت بقرار استعماري غربي، وبقائها
واستمرارها أيضا كان بدعم وحماية الغرب لها، فكل المعطيات تقول باستحالة وجود دولة
صغيرة جدا كل هذا المدوة دون حماية دول كبرى لها، وما حدث في الحرب الأخيرة مع
إيران يؤكد أن الغرب برمته يقف إلى جانب أداته، دولة الاحتلال، وسيدافع عنها كما
يدافع عن أوروبا وأمريكيا.
تواصل الرواية الثلاثية
أثناء سرد الأحداث يتوقف السارد ع
الأحداث رواية "وادي الغيم" ففي الصفحة 19 يسرد "خالد: شيء مما جرى
معه: "من هنا انطلقنا وتتبعنا ما غزلت الملكة على المصحف والبيرق ليرشدنا إلى
خطى جدي الأول في الشام" فالسارد يذكر القارئ بالأحداث الماضية، مشيرا إلى
الترابط والتوصل بين الروايتين.
ونجد تمهيدا للرواية اللاحقة
"نبوءة الصحراء" عندما تحدث العرافة عن نبوءتها حول "عبد القادر
السراب" مختار هذا العصر: "نحن ننتظرك منذ مئات السنين... إنهم رهن
إشارتي وبانتظارك للسير نحو تغيير وجه الزمن...سينقلب الزمان ويرى العرب من السنين
أسودها، وسيختفي الأذان من عموم البلاد، وسيقتل من امسك على دينه أو يطرد، وستنبش
قبور السلف وينقطع خبر الخلف" ص163، وهذا الربط بين الروايتين له علاقة
بالربط بين طريقة عرض أحدث الأجزاء لثلاث، فهناك أحداث تجري الآن وأحداث تجري في
الماضي، ويتم الربط بينا، مما يجعل القارئ يعيش حدثين منفصلين، يجمعهما المكان.
الحاضر والماضي، الحكاية وألف ليلة
وليلة
أستطاع السارد إقناعنا وإمتاعنا
بطريقة عرض الحديثين، فهناك توازن وأحيانا تشابك بين شخصيات الحدثين، عبد القادر/
ركن الدين، نورا/ لوسين، اللافت في طريقة عرض الحدثين عملية التشويق التي جاءت بين
فواصل الأحداث، فعندما يمر ركن الدين بخطر نجد "نورا" تطالب "عبد
القادر بالاستمرار في السرد الحكاية: "ألا تخبرني ببقية الحكاية؟" ص151،
وأحيانا كانت تدخل "نورا" في الأحداث وتندمج معها فتنفعل منفعلة:
"دخل ركن الدين وحيدا إلى مكان الحرق، كان جسدها قد ذاب ولم يبق إلا عظام
سوداء ودخان يتصاعد حولها ويتراقص.
قالت نورا بغضب: يكفي هذا، لا أريد
أن تكمل، ولا أريد أن ألتقيك ثانية" ص171، فبدت طريقة عرض حكاية "ركن
الدين ولوسين" وكأنها من قصص ألف ليلة وليلة، فعندما تندمج المستمعة تطالب
بالمزيد، وعندما تحبط تطالب بوقف سرد الحكاية.
كما أن عملية السرد لم تكن تسير
بمستوى واحد، فأحيانا كان الظرف يدفع "عبد القادر" للتوقف عن سرد
الحكاية: "تبدو القصة أكثر فتورا وكآبة عند نورا، قالت: إلا تشعر بالنعاس يا
سيدي؟ قال: بلى، سنكمل غدا في طريقنا إلى جيان" ص154، بهذا الشكل كان يتم قطع
أو مواصلة أحداث الماضي وما جرى بين "ركن الدين ولوسين"
كما نجد تداخل بين شخصيات الحاضر
وشخصيات الماضي، "نورا"
تبدو
أقرب إلى "لوسين" و"عبد القادر السراب" أقرب
إلى "ركن الدين": "تتقمص شخص لوسين أو تتمنى، تجسد شكل ذلك الفارس
فيظهر أمامها طيف عبد القادر، تهز رأسها وكأنها تريد تغيير المشهد وتصويب الرؤى
فيعود ويتشكل ذلك الفارس بهيئة السراب عبد القادر، ماذا يحصل؟ ما هذا الجنون، لا
شك إنه الولع بالحكاية لا أكثر" ص49، هذه الحالة كانت في بداية سرد قصة ركن
الدين ولوسين، لكن بعد أن اندمجت نورا في الحكاية، أصبحت تشعر أنها لوسين:
"أراني أتحول شيئا فشيئا إلى قمر الزمان" ص87، وإذ1ا ما توقفنا عند طريق
طلبها بتوقف عبد القادر عن تكملة الحكاية بعد أن تم (حرق لوسين) نتأكد أن هناك
تداخل بين الشخصيتين.
يؤكد السارد هذا الترابط في نهاية
الرواية عندما تحدث عن زواج "لوسين" وزواج "نورا" في الصفحة
177، فهو ينهي الحكاية القديمة والحكاية الجديدة بخاتمة سعيدة.
الرواية من منشورات دار طباق للنشر
والتوزيع، رام الله، فلسطين، الطبعة الأولى 2021.—

إرسال تعليق