خالد الغول:
تحت عنوان "يا صاحب الطير .. ويستمر العرض"، احتضن مقر مؤسسة عبد المحسن القطان بمدينة رام الله، في منتصف كانون الأول (ديسمبر) 2025، بالشراكة مع فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية، معرضاً تشكيلياً مُغايراً للفنانيْن وديع خالد وأمجد غنّام، تجسيداً للبعد الثالث في مشروعٌ فنيٌّ فلسطينيٌّ متعدد الوسائط يجمع بين الحركة والصوت والصورة في تجربةٍ واحدةٍ، جاءت إثر نقاشات وحوارات ثرية بينهما وفرقة الفنون الشعبية، خاصة أن الفنانيْن استلهما أعمال المعرض الذي اشتمل على عشرين لوحة من تدريبات الفرقة وكواليس التحضيرات للعرض الراقص "يا صاحب الطير"، بحيث عبرت عن تناغم وانسيابية انخرطت في روح العمل الفني بكل مكوناته شكلاً ومضموناً.
والمعرض البصري هنا ليس معرضاً تشكيلياً في مساحة ضيقة، بل تجربة بصرية وروحية تخترق الحيز المتاح وتفتح مع الموسيقى والرقص افاقا رحبة وفضاءات لا حدود لها. يخلّد اللحظات والأحاسيس والشخصيات ويوثق اللحظة ، ويحوّلها إلى أثرٍ ملموس يمنح المتلقي مساحةً للتأمل بعد انتهاء العرض.
في العمل المتكامل تُترجم التجربة الصوتية والجسدية إلى رموزٍ بصريةٍ تمزج بين التعبير التجريدي والرمزية الشعبية الفلسطينية. وتتقاطع الحركة مع الإيقاع والمشهد البصري لتخلق فضاءً يعيد تعريف العلاقة بين الخيال والواقع.
وفي لقاء مع الفنان وديع خالد المقيم في رام الله، والمولود في مخيم العروب، والمنحدر من قرية عراق المنشية المهجرّة، أوضح أن "هذه المشاركة تعني لي الدخول في مشهد جماعي لا يستعيد الذاكرة فقط، بل يُعلنها حيّة وفاعلة. ما قُدِّم على الخشبة كان فعل حضور ونصر رمزي، حيث الجسد الفلسطيني لا يروي ما كان، بل يؤكد ما يزال قائمًا. مشاركتي البصرية جاءت بوصفها جزءاً من هذا الإعلان؛ محاولة لالتقاط الطاقة السيادية للحركة، وتحويلها إلى أثر بصري يوازيها في القوة لا في الزخرفة، وفي الشهادة لا في التوثيق".
ووصف خالد التجربة بـ"عالية الحساسية"، لأن الاشتغال على عمل يُقدَّم كمشهد نصر يتطلّب دقة أخلاقية وجمالية في آن واحد. "فالنصر هنا ليس استعراضاً، بل توازناً بين الفرح والوعي، وبين القوة والانضباط. التجربة كانت اختباراً حقيقياً لقدرة الصورة على أن تكون في خدمة الفعل الجمعي دون أن تطغى عليه، وعلى أن تبقى منسجمة مع الإيقاع العام للعمل".
وعن المشاعر التي انتابته خلال التحضير لهذا المعرض، أكد" كان لدي شعور بالمسؤولية ، ولم أتعامل مع العمل كاحتفال فني فقط، بل كمساحة تمثيل جماعي لشعب يثبت حضوره عبر الجسد والإيقاع. شعرت بالفخر لكوني جزءاً من هذا المشهد، وبالانتباه الدائم لخطورة الانزلاق نحو التجميل على حساب المعنى. هذه المشاركة تركت لدي أثرًا داخلياً عميقاً، لأنها ذكّرتني بأن الفن، في لحظات معينة، لا يُقدَّم للعرض، بل يُقدَّم كشهادة حيّة على الوجود".
خلال متابعته للورش المفتوحة والتحضيرات للعمل الفني الراقص لم يكن خالد يرى أن الجسد الراقص يؤدّي دورًا تمثيليًا، بل كان يرى أن "الجسد يقوم بوظيفة سيادية. القدم التي تضرب الأرض ليست إيقاعاً فقط، بل إعلان امتلاك رمزي للمكان.. الحركة هنا عمودية في معناها: من الأرض إلى الجسد، لا من الجسد إلى الفراغ. وهذا ما يفسّر صرامة الخطوات وتكرارها؛ فالتكرار ليس فقراً حركياً، بل تثبيتاً للوجود، أما الإيقاع بوصفه نظاماً لا زخرفة ففي الدبكة بدا أقرب إلى نظام داخلي جامع، أشبه بنبض جماعي يُفرض على الأفراد. هنا، لا يسمح الإيقاع بالارتجال الفردي الكامل، لأنه يمثل القانون غير المكتوب للجماعة.
ويرى خالد أن الفرح كان يسكن العمل الرقص، الذي "لم يكن انفجارياً، بل مشدوداً ومراقباً. هو فرح واعٍ بحدوده، يعرف أن وجوده ذاته فعل مقاومة. لذلك لا نرى خفة زائدة، بل ثقلاً جميلاً، يشبه فرح من يعرف كلفة البقاء".
وعمّا يحويه العمل الراقص والمعرض من نبش حثيث في الذاكرة يشير خالد الى أن "الذاكرة هنا تتحوّل إلى طاقة حاضرة بدل أن تُستدعى الذاكرة كصورة ماضية، تم ضغطها داخل الجسد. الذاكرة هنا ليست سردًا، بل شحنة نفسية تتحول إلى حركة، وهذا ما يجعل المشاهد لا "يتذكر" فقط، بل "يشارك" شعورياً، حتى لو كان جالساً".
Tags
محترف الفنون



