في ذكرى استشهادِ ناجي العليِّ، يعودُ السؤالُ نفسُه: لماذا نستدعي ناجي العليَّ؟ هل هو الحنينُ، أم لأنَّه أصبحَ طقسًا احتفاليًّا اعتدناهُ؟
حينَ يعودُ خطابُنا إلى "حنظلةَ" كلَّما اشتدتْ وطأةُ القضيةِ، وكلَّما خفتَ صوتُ النقدِ الساخرِ أمامَها، فهذا اعترافٌ مبطنٌ بالهزيمةِ. نحنُ نبحثُ في الماضي عمَّا عجزنا أن ننتجَهُ في الحاضرِ: جرأةٌ رمزيةٌ بذلكَ الوضوحِ، وبتلكَ البساطةِ الجارحةِ. الاستلهامُ هنا مرآةٌ تعكسُ أزمةً مزدوجةً: سياسيًّا، ما زالتْ شروطُ القمعِ، والتشريدِ، والفقرِ، والتبعيةِ، والمتاجرةِ التي رسمَها (العلي) قائمةً كما هيَ بعدَ أربعةِ عقودٍ كاملةٍ. وتمثيليًّا، لم يظهرْ بعدَهُ من يجرؤُ على قولِ ما قالَهُ، بالنفسِ القاسيةِ ذاتِها، وبالوضوحِ عينِهِ.
غيرَ أنَّ هذا الاستدعاءَ المتكررَ لا يخلو من مفارقةٍ قاسيةٍ؛ فناجي العليِّ لم يُغتلْ مرةً واحدةً، بل اغتيلَ مراتٍ متعاقبةً، بعضُها معروفٌ موثقٌ، وبعضُها ما زالَ جاريًا حتى اللحظةِ، ونحنُ أطرافُهُ سواءٌ أردنا أم لم نردْ.
الاغتيالُ الأولُ: المكانُ والرقمُ
الاغتيالُ الأولُ والمعروفُ والموثقُ، كانَ صباحَ الثاني والعشرينَ من يوليو عامَ 1987م، حينَ أصابتْهُ طلقةٌ تحتَ عينِهِ اليمنى، وهوَ في طريقِهِ إلى عملِهِ قربَ مكتبِ صحيفةِ "القبسِ الدوليةِ" في غربيِّ لندنَ. رصاصةٌ واحدةٌ كانتْ كافيةً لأن تدخلَهُ في غيبوبةٍ استمرتْ ثمانيةً وثلاثينَ يومًا، قبلَ أن يعلنَ موتُهُ في التاسعِ والعشرينَ من أغسطس عن واحدٍ وخمسينَ عامًا. ظلَّ منفذُ الجريمةِ مجهولَ الهويةِ رسميًّا حتى اليومِ، رغمَ أنَّ الشرطةَ البريطانيةَ أعادتْ فتحَ التحقيقِ بعدَ ثلاثينَ عامًا من الحادثةِ. وتوزعتْ أصابعُ الاتهامِ بينَ "الموسادِ" الإسرائيليِّ وأطرافٍ فلسطينيةٍ وعربيةٍ أخرى ساءَها نقدُهُ اللاذعُ، دونَ أن يحسمَ الأمرُ قضائيًّا.
لم يكنِ الاغتيالُ مفاجئًا لصاحبِهِ؛ فناجي العليِّ كانَ يرسمُ وهوَ يعلمُ أنَّ كلَّ خطٍّ يخطُّهُ قد يكونُ الأخيرَ، وكانَ قد أعلنَ في أكثرَ من مناسبةٍ أنَّهُ لا يقبلُ المساومةَ على مبادئِهِ أيًّا كانَ الثمنُ. الرصاصةُ التي أصابتْهُ كانتْ تتويجًا لمسارٍ طويلٍ من التهديدِ بسببِ رسومٍ أزعجتِ العدوَّ وحلفاءَهُ، ولم تبقِ طرفًا سياسيًّا، عربيًّا أو فلسطينيًّا، خارجَ دائرةِ السخريةِ والمساءلةِ.
بعدَ الاغتيالِ، تعذّرَ تنفيذُ وصيتِهِ —أن يدفنَ في مخيمِ عينِ الحلوةِ قربَ صيدا— فووريَ جثمانُهُ مؤقتًا في مقبرةِ "بروك وود" قربَ لندنَ. منحَ قبرُهُ الرقمَ (230191) ريثما تتهيأُ الظروفُ —ظروفٌ لم تتهيأْ بعدُ— لنقلِ رفاتِهِ إلى وطنِهِ المؤجلِ.
رقمُ قبرٍ مؤقتٍ في سجلاتِ المقبرةِ، لا رقمُ قضيةِ جريمةٍ بوليسيةٍ! والمفارقةُ الأقسى من ذلكَ والأعمقُ، أنَّ المؤسسةَ البريطانيةَ حينَ واجهتْ جثمانَهُ، لم تعرفْ كيفَ تتعاملُ معَهُ إلا بوصفِهِ عابرًا مؤقتًا؛ رقمٌ في انتظارِ أرضٍ ممنوعةٍ عليهِ حتى بعدَ موتِهِ. رجلٌ أفنى حياتَهُ يرسمُ احتجاجًا على تذويبِ الفلسطينيِّ في الأرقامِ —أرقامِ المخيماتِ، أرقامِ بطاقاتِ اللجوءِ، أرقامِ خطوطِ الهدنةِ— لينتهيَ هوَ، ولو مؤقتًا، إلى رقمٍ فوقَ ترابٍ لم يخترْهُ.
دفنَ ناجي العليِّ في لندنَ بحضورِ عددٍ محدودٍ من عائلتِهِ وأصدقائِهِ، وبغيابِ أيِّ تمثيلٍ رسميٍّ فلسطينيٍّ أو عربيٍّ.
اغتيالُ النصبُ التذكاريُّ
في الذكرى السنويةِ الأولى لرحيلِهِ، حاولَ النحاتُ اللبنانيُّ شربل فارس أن يمنحَ صديقَهُ ناجي العليَّ حضورًا بديلًا في المكانِ الذي أرادَ أصلًا أن يدفنَ فيهِ. أنجزَ فارس نصبًا تذكاريًّا بطولِ 275 سم، استغرقَ العملُ عليهِ نحوِ خمسةِ أشهرٍ؛ ناجي يحملُ بيدٍ رسومَهُ وباليدِ الأخرى حجرًا، رمزَ الانتفاضةِ الأولى التي كانَ يبشرُ بها، والتي كانتْ قد انطلقتْ بالفعلِ. كانَ النصبُ يوحي بالشبهِ بوجهِ ناجي وجسدِهِ، لكنَّهُ يوحي بفعلِ ناجي أكثرَ.
وضعَ النصبُ على قاعدةٍ في المدخلِ الشماليِّ لمخيمِ عينِ الحلوةِ. وبعدَ أيامٍ قليلةٍ، هاجمتْهُ مجموعةٌ مسلحةٌ مجهولةٌ، فأطلقتِ النيرانُ على النصبِ، وتحديدًا على عينيهِ ويديهِ، ثمَّ قلعَ من قاعدتِهِ، واختفى النصبُ نهائيًّا.
اغتالوا ناجي العليَّ مرةً أخرى على مدخلِ عينِ الحلوةِ!
اغتيالُ الفيلمُ
أنتجَ الفنانُ نور الشريفِ فيلمًا سينمائيًّا عن حياةِ ناجي العليِّ، بسيناريو بشير الديك وإخراجِ عاطف الطيبِ. عرضَ في افتتاحِ مهرجانِ القاهرةِ السينمائيِّ الدوليِّ يومَ 2/12/1991م، فأشيدَ بالفيلمِ وقوبلَ بتقديرٍ وحماسٍ كبيرينِ. وبعدَ شهرٍ بالضبطِ منعَ الفيلمُ بتحريضٍ من جهةٍ فلسطينيةٍ رسميةٍ، وقادَ الصحفيُّ إبراهيم سعدة، رئيسُ تحريرِ "أخبارِ اليومِ"، حملةً صحفيةً ضاريةً اتهمتِ الفيلمَ بتجاهلِ دورِ مصرَ في حربِ أكتوبرَ، وبالإساءةِ الضمنيةِ للرئيسِ أنورِ الساداتِ، ووصلتِ الحملةُ إلى حدِّ اتهامِ نور الشريفِ بالخيانةِ. تحتَ وطأةِ هذهِ الحملةِ، سحبَ الفيلمُ من دورِ العرضِ، وظلَّ غائبًا عمليًّا عن الجمهورِ العريضِ في معظمِ الدولِ العربيةِ الأخرى.
ناجي العليِّ أقامَ الدنيا حيًّا وميتًا وفيلمًا... واغتالوهُ في قلبِ الوطنِ العربيِّ.
الاغتيالُ المعرفيُّ
الاغتيالُ الأكثرُ صمتًا هوَ تجاهلُ الدراساتِ النقديةِ والأكاديميةِ الجادةِ لتجربةِ ناجي العليِّ الإبداعيةِ. أربعونَ ألفَ رسمٍ، أنتجتْ عبرَ عقدينِ ونصفٍ وفي عدةِ صحفٍ ودولٍ، لم تجمعْ ولم تؤرشفْ بشكلٍ منهجيٍّ متاحٍ للباحثينَ. صحيحٌ أنَّ هناكَ جهدًا نقديًّا متناثرًا —أطروحاتٍ جامعيةً تناولتْ خصائصَ فنِّهِ ودلالاتِ رموزِهِ، ومقالاتٍ تحليليةً— إلا أنَّ هذا الجهدَ ظلَّ غيرَ متراكمٍ، ومحصورًا غالبًا في هوامشَ أكاديميةٍ، لا في مؤسساتِ نقدٍ أدبيٍّ وفنيٍّ كبرى تجعلُهُ موضوعَ علمٍ قائمٍ بذاتِهِ.
فناجي العليِّ انتقدَ كلَّ الأطرافِ بلا استثناءٍ: العدوَّ الصهيونيَّ وحلفاءَهُ، الأنظمةَ العربيةَ، ومنظمةَ التحريرِ ومؤسساتِها. وأيُّ دراسةٍ جادةٍ لتجربتِهِ تفترضُ مواجهةَ هؤلاءِ الخصومِ، لذا قد يخشى الباحثُ على موقعِهِ الوظيفيِّ أو علاقاتِهِ، مما يرفعُ كلفةَ أيِّ بحثٍ جادٍّ فيها.
هذا الاغتيالُ هوَ الأخطرُ؛ لأنَّهُ يمنعُ التجربةَ كلَّها من أن تتحولَ إلى معرفةٍ متراكمةٍ، وإلى تقليدٍ نقديٍّ يبنى عليهِ، وإلى ذاكرةٍ مؤسسيةٍ. صمتُ المؤسسةِ النقديةِ، مهما تعددتْ أسبابُهُ، نتيجتُهُ واحدةٌ: أن يبقى ناجي العليِّ حاضرًا كصورةٍ تتداولُ، غائبًا كموضوعٍ يدرسُ.
ناجي خافَهُ الكتابُ... فاغتالوهُ.
قُتلَ ناجي، وأُطيحَ بالنصبِ على مدخلِ عينِ الحلوةِ؛ لأنَّ المخيمَ عندَهُ هوَ بدايةُ الوعيِّ، وبدايةُ التدرّبِ على الحياةِ بفعلِها الحقيقيِّ. كانَ المخيمُ الذي عاشَهُ ناجي يعجُّ بالحركةِ وتتأسسُ فيهِ حالةٌ ثوريةٌ. كانَ ينقصُ المخيمَ آنذاكَ قيادةٌ مستنيرةٌ وواعيةٌ، قادرةٌ على قراءةِ الواقعِ لتغييرِهِ. لكنَّ المخيمَ تحوّلَ إلى غابةِ سلاحٍ، وغزاهُ مالُ النفطِ، وبقيَ دونَ قيادةٍ، وهذا ما بقيَ ناقصًا حتى الآنَ.
ركَّزَ ناجي على الوعيِّ، إذ إنَّهُ الضرورةُ الأولى عندَهُ لبناءِ مناضلينَ حقيقيينَ. قتلَ ناجي لأنَّهُ رسمَ ما حدثَ وما يحدثُ. كانَ الشهيدُ غسان كنفاني أولَ من قدمَ ناجي للقراءِ فقالَ: «لكلٍّ طريقتُهُ في قولِ الأمورِ. ناجي لا يجدُ خيرًا من الكاريكاتيرِ ليعبرَ عما يرتجفُ في نفسِهِ، إنَّهُ يحملُ إلينا قصةَ فلسطينَ، لا ما حدثَ منها ولكنْ ما يجبُ أن يحدثَ».
وما يجبُ أن يحدثَ بقيَ حلمًا...
كانَ ناجي يخافُ على الثورةِ، لذا كانَ حادًّا وجارحًا في نقدِها. كانتْ رؤيتُهُ الثاقبةُ تأتي من هدوئِهِ الشخصيِّ وتوازنِهِ لأنَّهُ ظلَّ نظيفًا؛ فنظافةُ الإنسانِ تعطيهِ تماسكًا وتوازنًا هوَ سرُّ الأسرارِ. هذا التوازنُ والتماسكُ سمحا لهُ بقراءةٍ هادئةٍ ورصينةٍ لسلوكِ القياداتِ السياسيةِ والثقافيةِ بمستواها الفكريِّ —وأقولُ مستواها بالمفردِ لأنَّها متشابهةُ المستوى— مما سمحَ لهُ أن يقارنَ بدقةٍ بينَ الواقعِ والقيادةِ التي لعبتْ دورَ أمراءِ الحربِ، ومن ثمَّ أمراءِ المساوماتِ والتنازلاتِ والتحولِ والرشوةِ.
كانتْ فلسطينُ عندَهُ تقاسُ بالثورةِ، إذ يقولُ: «فلسطينُ ليستْ بعيدةً أو قريبةً، إنَّها بمسافةِ الثورةِ». ومسافةُ الثورةِ عندَهُ مرتبطةٌ بنضجِ القيادةِ ونظافتِها:
"اللي ما بدو يحرر فلسطين يورجيني عرض كتافو".
قُتلَ ناجي/الفيلمُ لأنَّهُ آمنَ بعروبةِ قضيتِهِ وارتباطِها بالنضالِ العربيِّ ككلٍّ، وعرفَ إلى أينَ ستفضي "كامب ديفيد" —وأفضتْ فعلاً. هاجمَ "عربَ الكامب"، وكامب ديفيد تعني مصرَ... "هم بشوفوها هيك".
كانَ قادرًا على الفصلِ بينَ القضايا؛ كانَ معَ فقراءِ مصرَ ومناضليها من عبدِ الناصرِ إلى سليمان خاطر. كانَ معَ جياعِ الخرطومِ الذينَ قطعتْ أيديهمْ لأنَّهمْ سرقوا الخبزَ. كانَ معَ أولئكَ الذينَ ينامونَ في العراءِ في كلِّ العواصمِ، ورسمَ لهمْ:
«طوبى للجياعِ الذينَ سيرثونَ الأرضَ».
رفضَ "كامب ديفيد" كسلوكٍ وفكرةٍ قائمةٍ على:
"لازم تعترفوا بإسرائيل بعدين ترموا سلاحكم ثم إلى ربكم ترجعون".
رفضَ الإقليميةَ والطائفيةَ وكلَّ التقسيماتِ المفروضةِ، وكانَ يؤكدُ:
"أنا عربي يا جحش".
قتلَ ناجي/الفنانُ لأنَّهُ فضحَ زيفَ الحالِ الثقافيِّ السائدِ؛ تلكَ الحالِ التي تبررُ للسلطةِ قراراتِها وتمنحُها شرعيةً عشوائيةً مقابلَ رشواتٍ ومناصبَ ومكاتبَ. قتلَ لأنَّهُ «لا يحقُّ للشاعرِ ما لا يحقُّ لغيرِهِ»، خصوصًا إذا كانَ شاعرَ قبيلةٍ، ولأنَّهُ «مش من حق أكبر راس أن يوقعَ وثيقةَ استسلامٍ لإسرائيلَ».
هكذا يفهمُ ناجي الصراعَ: أن نُصلِّبَ قاماتِنا ولا نتعبَ.
قُتلَ ناجي ودُفنَ بعيدًا عن بيتِهِ، غريبًا. جمدتْ أصابعُهُ على ريشتِهِ التي لم تعرفْ إلا الحريةَ والوفاءَ للوطنِ والفقراءِ.
لكنَّ "حنظلةَ" نفضَ الكفنَ... شقَّ القبرَ والمقبرةَ وصرخَ باسمِ الحقِّ والحريةِ:
«إنَّ ناجي سليم حسين العلي، وُلدَ فعلاً في فلسطينَ حيثُ وُلدَ المسيحُ عامَ 1936م، ولكنَّهُ لم ولنْ يموتَ لمجردِ أنَّ رصاصاتٍ أوقفتِ الحركةَ في أصابعِهِ. حنظلةُ وُلدَ ليبقى شاهدًا أبدًا ولنْ يموتَ، دخلَ الحياةَ عنوةً ولنْ يغادرَها».

