"قصيدة منصف الوهايبي مدارُ أزمنة، واشتباك ألوان، وأنفاس وذكريات حياة؛ لا أعرف كيف يستطيع فيها هكذا كتابة سردية مكثّفة تجمع بين السيرة الفنية والشعرية. لا أظن أن أحدا ممن أقرأ لهم هذه الأيام يستطيعها على وفق هذه الحساسية الشعرية النبيلة في اتساعها وتجربتها الثقافية والإنسانية النادرة".
هذه الكلمة التي كتبتُها حول قصيدة منصف الوهايبي في وقت سابق ووضعها هو على غلاف كتابه الجديد بين كلمتين أخريين للشاعرين أدونيس وآحمد دحبور، تعبّر، كما هو واضح، عن إعجاب ذي طبيعة عامة بهذه القصيدة دون يكون بمستطاعها أن تبرّر ذلك أو تحلّله. مجرد تعبير عن الاندهاش الذي يسببه الاصطدام الأول بالنص الشعري العالي، على نحو ينعقد معه لسانُ القارئ، فلا يكاد يبين أو يجد الوسيلة الكافية للإعراب والتحليل النقدي، أو البلاغي واللغوي الخاص بالبناء وأسلوب الكتابة ودلالتها.
والبورتريه الذي يحمل الكلمة الفرنسية القديمة المعرّبة (بورتريه) portraire كعنوان لهذا الديوان ، يتصل، كما نعرف، بفن الرسم واللوحة المصنوعة من خطوط وألوان لوجوه وشخصيات يحاول الفنان صياغة ملامحها الجوهرية، وإبراز روحها الداخلي قدْرَ الإمكان والاستطاعة. والأمر لا يتعلق هنا بفن الرسم، وإنما بالشعر الذي هو رسم بالكلمات، وقد أقرّ سيموندس الإغريقي قبل أكثر من 3000 عام بأن "الشعر رسم ناطق، والرسم شعر صامت" دلالةً على ما بين الفنين من صلة نستطيعُ معها أن نحسّ ونرى اللوحة الصامتة المرسومة حينما نقرأ كلمات القصيدة الناطقة أو المنطوقة. والوهايبي نفسه يصرّح في قصيدة كتبها لزميله وأستاذه سعدي يوسف بعد وفاته بأنّ:
"الشعر مثلُ الرسم ِيوميًّا.. وليس صناعةَ اللوحاتِ.. ليسَ صناعةَ الأبياتِ..
بلْ أن تتركَ الأشياءَ تَحْيَا.. وهْيَ تنزلُ غضّةً.. لحماً وعظماً..
في طَريِّ عَجينةِ الكلماتِ..
أعني طينَها علِكًا.. خِلاسِيّا.. هَجينًا.. أن تدورَ بِهَا.. لَهَا..
في جَوْهرِ الأشياءِ.. نكشفُ نقصَها.. أي موتَها.."
وهو ما يعني أن قصيدة المنصف قادرة دوما على أن ترسم لوحتها الخاصة ومشاهدها الأرضية ذات الطبيعة البنارومية، التي تصبح الأشياء فيها ملكَ الشاعر وطوع يده الصناع حينما تدخل قفص كلماته بصورتها الاحتفالية التي ترصدها عينه الباصرة وبصيرته النافذة، حتى وهو يتلبس قناع شخصية تاريخيّة أخرى :
"وأنا طيوريٌّ ولا أقفاص، لا مقلاع
بي في الريح، بي في الشمس ما بي من دليل الطير
سمّاكٌ وملاح ولا أبراج لي ، لا فلك
لي قمرٌ على عنب المنازل، كان ينزل بي
وتحت كواكب الأنواء يتركني
وحيدا
عند منحسر الشواطئ، عند منحدر الجبال، كما أنا
في الماء أخطو خطوتي الأولى، على إيقاعه
إما تعاطت غير موضعها، انكفأت
على سماء تستدير على الضفاف.. ثمار أشجارٍ
من القثّاء والرمان والأعناب.. "
وصورة هذه الطبيعة الثرية بكلّ أشكالها لا تغني الشاعر المصوِّر عن أخذ لقطات لجوانب أخرى ذات طبيعة اجتماعية ليس لها هذه الألوان من الثراء والجمال، إلى جانب ذلك. وهو ما يؤلف اصطداما دلاليا بين سخاء الطبيعة وكرمها وبؤس البشر وعطبهم وضيق ذات يدهم:
"عبيدٌ يدفعون إلى الحبالة.. كالطرائد..
عند أوجرة الضباع..وكان صيادون ينتظرون
بينهم وبين الموت، ما بين الإهان إلى جريد النخل
يُكشط خوصه كجلودهم.."
والشاعر لا يكتفي بذلك، بل يذهب ليجالس الموتى أنفسهم:
"إجلسْ إلى الموتى.. وحدّثْهم
هُمُ سكنوا وراء الريح.. لا موت.. ولا عدم
ربيعٌ دائمٌ.. هو وعدهمْ..".
وهو ما أعنيه بان اللوحة التي ترسها قصيدة المنصف لا تكتفي بلون واحد في هذه البورتريهات المرسومة لأن فيها تدرجا واختلافا في الألوان الساطعة والرمادية والداكنة، وحتى السوداء. والبرتريهات الموجهة إلى فنان مثل رافع الناصري العراقي، تشير بحد ذاتها
إلى مدى علاقة الشاعر العملية بفن الرسم وقدرته الفذة على قراءة التقنيات التشكلية واللونية داخل اللوحة، واكتشاف العلاقة الخاصة بين الفنان وعمله، وكيف وجد المنصف صديقه الناصري "يصارع الألوان" من أجل إنجاز لوحته، على نحو لا يختلف به عن عمل الشاعر وهو يرسم قصيدته بالكلمات:
"كنت وحدي في ندى الكلمات وحدي
أقتفي في الظل ضوء الناصري، آطوف في لوحاته.."
وهو ما يدفعنا إلى القول إن الشاعر يتفاعل مع اللوحة، ويفيد من الأعمال الفنية ذات القدرة الدلالية، والتي مهّدت الطريق للفن المفاهيمي لدى بعض الفنانين، وتوجيه مفهوم الخبرة الجمالية والفنية نحو الخبرة التي تنتج فكرة، بما فيها خبرة استضافة مدلول أو معنى يساهم في وصف فكرة العمل في اللوحة، كما في القصيدة المكتوبة على مثالها أو في موازاتها.
وكفكرة عامة مكمّلة للانطباع الأول الموجود على غلاف الكتاب، والمتخلف هذه المرة عن قراءة قصائد هذا الديوان الكبير حجما وقيمة، لا بدّ من القول إن الوهايبي الرسام للكلمات في هذه البورتريهات الطويلة، لا يحمل، كما رأينا، مرآة أمام الطبيعة من أجل النقل أو المحاكاة، كما في المثال الأفلاطوني؛ وكلمات قصيدته لا تتعامل مع الأشياء كما هي، بل مع هذه الأشياء والشخصيات كما وقرت في ذهنه، وكما ينبغي لها أن تكون. وهي تجمع الملموس إلى المتخيل، والواقعي إلى المجازي، والتاريخي إلى الراهن، والأسطوريّ إلى الحقيقي، في عجينة لغوية واحدة تلامس لحمَ الواقع الحي وتعيد صياغته، ولا نملك معها غير الإعجاب بحصيلتها النهائية، المثقّفة، والرمزية، والاستعارية والشعرية الضخمة. وهي قصيدة حذرة على سعتها، توجد من أجل صياغتها البلاغية، وبنائها الخاص ومضمونها السردي النامي، الذي يتردد قلِقا كالبندول بين قطبي الواقع البصري المنظور، ونظيره المجازي والخيالي والتاريخي المستور. وعجينة هذا الواقع تستمد حضورها الأساسي عند الشاعر من جذر القصيدة العربية الكلاسيكية المستحكمة لدى المنصف إيقاعا وروحا ومفردات، ولكنها تتمازج لديه مع حداثة شعرية غزيرة في اطلاعها ومعرفتها المؤكدة بمنجزات الشعرية العربية الحديثة، والعالمية في أبرز نماذجها الأوربية والأمريكية وأصحابها من الشعراء الكبار، بكل لغاتهم وملامحهم البارزة، الممتدة طولا وعرضا، سطحا ظاهرا، وعمقا غائرا، بما من يحمله ذلك من ثقافة مركبة وصياغة بلاغية معقدة ومأنوسة. وكأن قصيدة الوهايبي تستجيب في تركيبتها الفريدة هذه للتقسيم الثلاثي الذي وضعه فرنسيس بيكون في القرن السابع عشر لملكات (الروح العاقلة) وهي: الذاكرة، والمخيلة، والعقل؛ وما تنتجه هذه من معارف ثلاث هي التاريخ، والشعر، والفلسفة. وعلى الرغم من أن موقع الشعر لا يعدو أن يكون لدى هذا الفيلسوف الإنكليزي "حلمَ معرفة"، فإنه يبقى عند شاعرنا التونسي العربي المغربي الأفريقي حاجةً وجودية لا شك فيها ولا برء منها، مع أن لعبة الشعراء لا تعدو أن تكون "لعبة شطرنج"، كما يقول في البورترية الخاص بأحمد بن الحسين المعري، وتشبه تلك التي لعبها الملك الضلّيل في حياته التي كانت رهانا خاسرا على بيادق غير موجودة إلا في خياله.
فيض من كلماتٍ وصور تجمع الجمالي القافز بين المعاني والصور المنثالة إلى الإشارات والالتفاتات الدالة المندسة بين الكلمات والأشياء. قصيدة تحاول في بورتريه اللوحة المرسومة بالكلمات جمعَ ما لا تستطع لوحة الألوان والخطوط الصامتة جمعَه مما تبقّى من ملامح التجربة وحصيلتها النهائية، وصورة الذاكرة المعطوبة، المرتدة والمنقِّبة في تاريخ صاحبها الشخصي الخاص وتجاربه الثرّة، وهي تحسُّ بسريان الزمن، وانقضاء الوقت، وضرورة البوح بالكلمة الشعرية الأخيرة المحزونة عن الأم الغائبة الحاضرة، والزوجة الحبيبة الراحلة، وستائر غرفة نومها المسدلة، وسرير الزوجية الذي أصبح سريرا للموت، والمنزل المنتظر، وأزهار الحديقة التي ما زالت حيّةً زرقاء كالفيروز، وكل الأشياء والتفاصيل الصغيرة والأحداث التي ألّفت مادة الشعر الغنية في قصيدته، إضافة إلى التاريخ التونسي الموغل في عراقته على الرغم من حداثته وراهنيته الخشنة، وحضوره الجميل والموجع، ومناظر الرحيل الأخرى الواقعية والمتخيلة ومشاهدهما الشاخصة في المخيلة عن البلدان والأمصار العالقة في البال من أيام السفر والاكتشاف الأولى، والأصدقاء القدامى، والشعراء الكبار والروائيين العرب والأجانب الممحونين وألممتحنين بزمانهم الأرضي القديم والجديد. وقد تحظى بعض أشياء البيت مثل كرسي مارغيت، والستائر، بقصائد كاملة في هذه المجموعة بحيث تبدو فيها اللغة التصورية مختلفة بعض الاختلاف، فهي أقلّ طولا، وأخف تركيبا وإيقاعا وتفرعا، مفسحة للغة الحنين والأنين والذكرى والحوار الذي يجري مع رشيدة الزوجة الحاضرة الغائبة صاحبة الكرسي الشاغر في ركنه، لا يفكر الزوج بالجلوس عليه قط، والستائر المسدلة حين يغشى الليل، وما يتصل بذلك من تفاصيل حياة مشتركة تستعاد مفرداتها صورا وكلمات وأفعالا تلقي الظل على الشاعر الرسام المستوحد أكثر من المرسومين الذين يكتب عنهم نوعا آخر من قصائد الرثاء المختلفة العربية المترعة موضوعا وطبيعة لغة وشجنا.
قصيدة جديدة تتخذ مسارا زمنيا دائريا تدخل عليها المعاني والدلالات كما الشلال من الجهات الست"زماني دائريٌّ حيث كنتُ أجوبُني"، من الذاكرة والتاريخ والفكر الفلسفي المرافق مثل جناح طائر. "هل الحياة لنا سوى هذا الخلود مؤقتاً نحياه؟". وهي ترسم للوحة طريقا سرديا لا تكتمل فيه الصورة بما فيها من حمولة فكرية ورمزية واستعارية، ملتفّة على نفسها، إلا وهي تنوء بما حملت، فتبدو لقارئها، قبل أن يتبين مولودَها النهائي، كما لو كانت كتابةً نثرية مكثفة، أو شعرا موقّعا على نظام التفعيلة، وحتى النظام الخليلي الصريح، في مزيج متحرك وخفيف في نقلاته الإيقاعيّة والدلالية الحافة. امتزاجه ببعضه، ينافس فيه الشعرُ قوةَ التعبيري السرد، والإعراب عن الفكر والمشاعر في النثر، بحيث يبدو الشاعر كما لو كان يتبع فيه نموذج قصيدة النثر الحرة بكلّ إيجازها وخصائصها البلاغية الداخلية والأسلوبية المكثّفة، مع أنه ليس منها، ولا من أيّ شكل مما إلفنا أن نراه في بناء القصيدة العربية القديمة والحديثة.
شكل شعري جديد رغم عراقته، وعريق رغم جدته؛ يشبه، في تنوعه وامتداده الحكائي، قرطاج التونسية الأفريقية الفينيقيّة الأمازيغية الرومانية القديمة - الحديثة، حيث الاحتضار فيها مقترن بالولادة لدى (دونا) أسقف قرطاج في القرن الرابع الميلادي، كما يكتب المنصف عنه، وعن (سيدة قرطاج) في مطلع القصيدة الأولى من قصائد هذا الديوان:
"هل كنتُ أولدُ أم قد كنت أحتضَرُ؟
في حجرها؟ أم سماءُ البيتِ تنفطرُ
أم صوت سيدتي الخضراء من وجع
يبيَضُّ ؟ أم دمها؟ أم وجهُها النضرُ"
قبل أن القصيدة جولتها السياحية الحرة في جوانب من تاريخ تونس البعيد والقريب لأخذ صور ومشاهد متخثرة في الذاكرة، ومظلّلة بإحساس وجودي منفتح على حاضر التاريخ، وتاريخ الحاضر الراهن المتهيّء بدوره للانتهاء والمغادرة. فيما تحتل القيروان مدينة الشاعر التاريخية مكانا يشبه ما كان لجيكور والبصرة في شعر السياب:
"القيروان، أنا التي غنيّتها
وأدرتُ أغنيتي لها بيتا، فبيتا في بحور خليلها ، حيناً
وحيناً في ندى ما زال يهبط من ندى سيّابها"
وبالإضافة إلى السياب من العراقيين يرسم الوهايبي لوحة ملحمية لحياة صديقه الشيوعي الأخير سعدي يوسف وشعره بعد وفاته وهي كما قلنا في مناسبة سابقة أنموذج بارز على هذا النوع من التركيب الثقافي المليء بالرموز والاستعارات، التي تجعل القصيدة (مزدحمة) بالتناصات، [التي تعني على المستوى المعجمي الازدحام والمشاركة. فالتناص intersexuality في أصوله العربية مصدر من
الفعل تناص أو تناصص بفك التضعيف، ويعني (ازدحم)، نقول تناصَّ الناس أي ازدحموا].
وازدحام قصيدة المنصف بكل هذه التناصات متأتٍ من أنها أرادت أن تغطي بسطور قليلة حياةالأخضر بن يوسف الطويلة، وشعره، وما تسرّب إليه وإلى صاحبه من تجارب ثقافة
الحاضر الراهن والماضي البعيد الذي شغف الشاعر العراقي مثل قرينه التونسي باستحضار روحه واستخدام مفرداته وهو يتلقى بوجهه العاري هجير رياح العصر وسفالات حكامه في الوطن
وخارجه. فقد أمضى سعدي يوسف عمره وهو يواجه هذه الرياح السموم في الصحراء
العربية بلا دليل ولا لثام، على طريقة جده أبي الطيب المتنبي. وهي قصيدة نريد التوسع في عرضها هنا من أجل جعلها أنموذجا للطريقة التي تسير عليها البورتريهات الأخرى في هذا الديوان.
وطريقة الأخضر المتميزة في التعامل
مع القصيدة العربية الجديدة مفردات وأصواتا ورؤية تتسع لكل الوقائع والمواقف الشخصية
وأحلام الواقع العربي والمعيش وكوابيسه.
وكلمة نيتشه التي وضعها المنصف عتبةً لعنوان قصيدته لتقول: « لقد أودعتُ دائما، في كتاباتي حياتي كلّها، وكياني كلّه»، هي الدليل على هذا الاستغراق ذي الطبيعة السردية الشاملة لإعادةكتابة سيرة حياة الشاعر سعدي يوسف بشتى مسالكها ومنافيها ومنازلها، أو لا منازلها في
بغداد ونقرة السلمان وبيروت وبلعباس الجزائرية التي بدت في حينها (فردوسا) حاميا للشاعر من رياح الصحراء العربية، وكل المنافي الأخرى التي أمضى الشيوعيُّ الأخيرُ «النيتشويُّ»، حياته
فيها كمن يُجاري الريحَ.. في دوّامةٍ..!
وهي بطبيعة الحال سيرة شعرية تعتمد لطف الإشارة والإيماءة والتلميح إلى فصول
ومحطات من ملحمة الهجرة الطويلة والصعبة في حياة الشيوعي الأخير.
وطريقة الوهايبي المتبعة في كتابة جانب من هذه القصيدة بأجزائها ومقاطعها
المتشظية على مساحة الورقة، لا تشبه ما كتبه مرة في القدس العربي عن بعض تلك
" القصائد التي تتعارض وإكراهات الكتابة، وتتصرّف تصرّف الكلام الشّفهيّ؛ بما يمكن أن يمثّل
قطيعة، فسح عقد وتصدّعا في النّص.." اذ هي تبتكر مفرداتها وصورها وانزاحاتها المكانية والزمنية التي تبقيها على قيد القول الشعري، وهي تواصل البحث عن محطات دالة في حياة صاحبه
الراحل وشعره، على نحو لا يترك شكّا عند القارئ عن عمق معرفته بهما، وبالكيفية التي كان
الشاعر العراقي يلتقط الإشارات ويبث من حوله المشاعر والأفكار الموقعة بالكلمات عما يحسه ويراه في كلمكان حطت فيه ركائبه.
الإشارة، مثلا، إلى خان أيوب دمشق الشام الذي كان بالنسبة لسعدي "كالتابوت، فيه سكينةٌوبقيةٌ.. والفجرُ حمرةُ كمأةٍ"، والطريقة التي اهتدى بها سعدي إليه في وحشته وغربته الغريبةدون دليل غير الشمس (أم النجوم الشوابك) على طريقة سلفه الجاهلي تأبط شرا الذي كان "يرىالوحشة الأنس الأنيس ويهتدي - بحيث اهتدتْ أمُّ النجوم الشوابكِ"، إلى ما انطوى عليه هذاالمقطع من إشارات سياسية انتهت إليها الشام "من وحش إلى صنم، ومن صنم إلى وحش".
وما ورد في القصيدة أيضا بهذا الخصوص من ذكر للنعمان بن المنذر في العراق، ولجبلّة بن الأيهمآخر ملوك غساسنة الشام في الزمان الأول، التي تذكر بقصيدة حسان بن ثابت في آل جفنة:
لله درُّ عصابة نادمتهم يوما بجلّقَ في الزمانِ الاولِ
وما تلا ذلك من ركوب سعدي لمتن سفينة المقاومة التي تلت احتلال شارون لبيروت
"وصَعدتُ في ميناءِ بيروتٍ إلى متْنِ السفينةِ..
كان شيءٌ من دُوارِ البحرِ بي..
(سكّانُ نوتيّ بدجلةَ، مصعدٍ)،
صانعًا التناص هذه المرة مع مع بيت طرفة بن العبد المعروف في معلقته:
وأتلع نهّاض إذا صعدت به كسكان نوتيّ بدجلة مصعدِ
ثم الإشارة إلى إقامة الشيوعي الأخير في عدن وما كانت تمثل له من تداعيات ذكر
"رَمْبُو وهرار وامتدادُ جبالِها.. وسُهولِها؟
وِدْيانُها.. ورياحُها؟
أنتَ لو خُيِّرْتَ.. تفعلُ مثلهُ
وتبيعُ أيّةَ خُردةٍ.. مثلَ الفرنسيِّ المقامرِ.. يا ابنَ يوسفَ.. كنت تفعلُ مثلَهُ
وتبيعُهمْ صَدِئَ البنادقِ في هَرار".
حتى النهاية التي يتحول فيها جسد الشيوعي الأخير إلى حروف من رماد يهبط معها من الجنةوتذرّى كما رماد جسد الحلاج في الآفاق، أو في مياه دجلة، مع اختلاف الرجلين والظروف التي تمفيها حرق الجسدين:
"أنَا لستُ بالحلاّجِ.. مِيقاتِي اخْتِيارِي..
وَلْيَكُنْ.. هذا رمَادي.. بَيْتِيَ الأبديُّ.. وحْدي.. والرمَادٌ أَصَمُّ.. أَبْكَمُ.. كالإلهِ..
فذَرّهِ.. لا شيءَ يَشْهَدُ لِي أنا..
لا شيءَ منهُ عَلَيَّ.. لا سمْعِي ولا بصَرِي.. ولا جِلْدي."
نعم، لا شيء يتبقى في النهاية غير هذا الرماد، الذي يُحافظ على صاحبه حيّا على الرغم من كونهأصمَّ وأبكم،
" أحقّا نحن نَرْحلُ؟ يَا وَهَيْبي؟
إنّنَا نَحْيَا.."!
وكأن الوهايبي الذي كتب مرة عن شعراء فلسطين ومحاولتهم هذه الأيام الاحتفاظ بالحياة على قيدالحياة، يريد أن يحتفظ هذه المرة بالموت على قيد هذه الحياة أيضا.
وأنا أشعر لدى قراءتي للقصيدة أن منصف الوهايبي لم يكتبها عن سعدي يوسف فقط، بل كتبهاعن نفسه أيضا؛ وقد يصل بي الحال أحيانًا إلى القول إن الأخضر بن يوسف في موته يرثيالوهيبي داخل هذه القصيدة مثلما رثاه الوهايبي بها، في حركة تبادل سحرية بين مرايا ذواتشاعرة لا يفصل بينها زمان ومكان، ولا يختلف في عرف قصيدتها موتٌ عن حياة.
ونحن نعرف أن العلاقة الشخصية والشعرية التي ربطت بين الرجلين والشاعرين منذ ستيناتالقرن الماضي عميقة وثيقة، كان المنصف فيها واحدًا من الشعراء القليلين الذي كتب سعدي فيحياته عنهم باعتباره علامة فارقة في الشعر التونسي المعاصر:
"منذ أواخر الستينيات من القرن الماضي، يقف منصف الوهايبي (1949) كعلامة فارقة فيالمشهد الشعري التونسي؛ ارتبط اسمه بمدينة القيروان وشكّل في السبعينيات لغاية مطلعالثمانينيات «ثنائياً» شعرياً مع محمد الغزي. توالت أعماله الشعرية والأكاديمية والروائية التييعتبرها «ما زاد عن الشعر» على حد تعبيره ولا تستوعبه القصيدة. ما يحاول شاعرنا أن يفعلهمنذ عقدين أو أكثر أن يبني النص كصورة مركّبة تحفل بالأصوات والألوان واللغة، وفق ما يقوللنا، بينما يعود إلى ذاكرة الأسئلة الأولى لأبناء جيله، وعلاقة تجاربهم الشعرية بـ «الالتزام»، وبماهو يومي ومعاش من جهة، وصوفي ورمزي من جهة أخرى".
لقد شبع منصف الوهايبي الشاعر والناقد والأستاذ الأكاديمي التونسي الكبير من الحياة واللغات والنغمات والأصوات المنطوقة والصامتة؛ وهو لا يريد أن يغادر دون أن يلقي تحية الوداع على أصدقائه ومحبية، ويكسر جرة هذه الذاكرة الذهبية المثقلة بحب الناس والمدينة والأمكنة الأليفة والموحشة عبر بورتريه قصيدة تعيد قراءتُها وتمثلها طرحَ السؤال الأساس عن المعنى الشعري، ومدى قدرته على الانفتاح على التجربة الإنسانية في عالم يغادر هذا المعنى وينأى بنفسه بعيدا عن أيّ إحساس حقيقي بالمسؤلية الأخلاقية والجمالية التي تؤلف لحمة الشعر الحقيقي وسداه. والمنصف الوهايبي لا يسعى بهذه اللوحات التي يحاول أن يرسمها بالكلمات في هذه البورتريهات إلى إعادة مثالية الذات المطلقة، ولا يتوق لتأكيد جانب من الكتابات الشعرية السائدة التي تهدف إلى تحويل القصيدة إلى حدث لغوي منغلق على ذاته ضمن التوجه البنيوي الحديث، لمعرفته بأنه لا ينجح في النهاية إلا بالتعبير عن الفراغ واللامعنى. قصيدة المنصف تنكتب هكذا على وفق إحساس إبداعي متعاظم بحدود الذات، ترافقها معرفة واسعة بالواقع الموضوعي، الذي يجعل من الوعي الإنساني جزءا من لعبة الكتابة الشعرية ذاتها. ولذلك فهي قصيدة ناظرة ومنظورة عبر تأملها للفعل الإبداعي ذاته. فهي تنظر إلى نفسها وتعيد تعديل مسارها، فيما هي تنظر إلى كلِّ الجهات من حولها.
مجلة الأقلام
