googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5799732929758736'/> -->

عماد أبو شتية: الذاكرة الفلسطينية بوصفها مشروعاً بصرياً للمقاومة والجمال

يُعد الفنان التشكيلي عماد أبو شتية واحداً من الأصوات البصرية العربية التي استطاعت أن تُشيّد خطاباً فنياً خاصاً بها، يرتكز على الذاكرة الفلسطينية والهوية الثقافية بوصفهما منبعاً جمالياً وفكرياً لا ينضب. فمنذ بداياته الفنية، لم يتعامل أبو شتية مع الرسم بوصفه ممارسة تشكيلية فحسب، بل باعتباره فعلاً وجودياً وموقفاً إنسانياً يسعى من خلاله إلى إعادة بناء الوطن في المخيلة الجمعية وحماية الذاكرة من التلاشي.
وُلد الفنان عام 1965 في مخيم جرش للاجئين الفلسطينيين في الأردن، ونشأ في بيئة حملت آثار اللجوء والاقتلاع والحنين إلى الوطن. وقد انعكست هذه التجربة المبكرة بوضوح على مجمل مشروعه الفني، حيث أصبحت فلسطين الحاضر الدائم في أعماله، ليس كجغرافيا فحسب، بل كفكرة ورمز وحالة شعورية متجددة.
تُظهر القراءات النقدية المنشورة حول تجربته أن أبو شتية ينتمي إلى فئة الفنانين العصاميين الذين صاغوا أدواتهم البصرية خارج الأطر الأكاديمية التقليدية، معتمداً على الموهبة الفطرية والمثابرة والبحث المستمر. وقد عمل في بداياته بالألوان الزيتية والمائية والباستيل قبل أن يوسع تجربته لتشمل التقنيات الرقمية، محافظاً في جميع مراحله على هوية أسلوبية واضحة تقوم على المزج بين الواقعية الدقيقة والرؤية السريالية الرمزية.
وعند التأمل في منجزه التشكيلي، يمكن ملاحظة تأثره الواضح بالتجارب السريالية العالمية، ولا سيما أعمال سلفادور دالي وفرانسيسكو غويا، إلا أن هذا التأثر لم يتحول إلى استنساخ بصري، بل إلى أداة لإعادة صياغة الرواية الفلسطينية ضمن فضاء حلمي تتداخل فيه الرموز والوقائع والذاكرة. فالمرأة الفلسطينية تتحول في لوحاته إلى استعارة للوطن، والمدينة إلى جسد حي، والخراب إلى ولادة جديدة، فيما تتداخل الأرض مع الإنسان في وحدة عضوية تجعل المشهد بأكمله كياناً رمزياً نابضاً بالمعنى.
وتكاد شخصية المرأة الفلسطينية تكون العنصر الأكثر حضوراً في مشروعه الفني. فهي ليست مجرد موضوع تشكيلي، بل حاملة للهوية وذاكرة للتراث وامتداد للأرض. وغالباً ما تظهر مرتدية الثوب الفلسطيني المطرز، محاطة بعناصر من البيئة والتراث والعمارة المقدسية، في تأكيد متواصل على مركزية الثقافة الشعبية الفلسطينية بوصفها شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية.
ومن أبرز المحطات التي أسهمت في انتشار تجربته عالمياً لوحته الشهيرة "سنعود" (We Shall Return) التي انتشرت على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال العدوان على غزة عام 2014. وقد تحولت هذه اللوحة إلى أيقونة بصرية للمقاومة والأمل، حيث جسد الفنان مدينة غزة المدمرة وهي تنهض في هيئة امرأة فلسطينية شامخة تتطلع نحو القدس. وتُعد هذه اللوحة نموذجاً مكثفاً لفلسفة أبو شتية الفنية القائمة على تحويل الألم إلى طاقة بصرية قادرة على إنتاج الأمل.
كما تشير الكتابات المتخصصة إلى أن أعماله تشكل امتداداً معاصراً للمدرسة الرمزية الفلسطينية التي رسخها رواد كبار أمثال إسماعيل شموط وسليمان منصور، مع إضافة خصوصيته القائمة على الدمج بين الواقعية والسريالية وتكثيف الحضور الرمزي للعناصر التراثية والدينية والوطنية.
وعلى المستوى التقني، يتميز أبو شتية بقدرة لافتة على بناء المشهد البصري المركب؛ إذ تتجاور التفاصيل الواقعية الدقيقة مع التحولات السريالية والانزياحات الرمزية دون أن يفقد العمل تماسكه البنائي. كما تعتمد لوحاته على ألوان مشبعة وحضور ضوئي قوي يمنح المشهد طاقة درامية عالية ويعزز من أثره العاطفي والبصري.
لقد نجح الفنان عماد أبو شتية في تحويل تجربته الشخصية بوصفه ابن مخيم ولاجئاً فلسطينياً إلى خطاب إنساني عالمي يتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية. ولذلك تبدو أعماله أقرب إلى أرشيف بصري للذاكرة الفلسطينية، وإلى مشروع جمالي يزاوج بين الحلم والواقع، وبين الحنين والمستقبل، وبين الفن بوصفه جمالاً والفن بوصفه مقاومة.
وفي المحصلة، يمكن اعتبار عماد أبو شتية واحداً من أبرز الفنانين الذين استطاعوا أن يمنحوا القضية الفلسطينية بعداً بصرياً معاصراً، وأن يحولوا اللوحة إلى مساحة للحفاظ على الهوية وإعادة إنتاج الأمل، حيث تتجسد فلسطين في أعماله ككائن حي لا يغيب، وكوطن يسكن اللون والرمز والذاكرة .
___







إرسال تعليق

أحدث أقدم