تستهل المجموعة بمشهد يسبق الطقس الجنائزي، وتستنطق الذاكرة في التقاط التفاصيل لبناء فصول الكل السّردي، توازيا مع أبعاد استدعاء المأساة الإنسانية المشتركة، تماما، مثلما يحاول رسم ملامحها السرد المكسيكي، صارخا بالخطاب الإنساني في عالميته العميقة والمعبّرة، من خلال رواية" بيدرو بارامو" للكاتب خوان رولفو، أو رواية تخليد الرموز، في أعتم زوايا الاحتفاء بالمكان، قرية " كومالا" عند حدود التجاور المطبوع بأصداء الموتى وأهازيج الأشباح، على تنوع وتعدد الأصوات والشخصيات والأحداث.
كل هذا يحصل تقاطعا، كما أراده ودبّره بإحكام صوت سردي متفرّد وقادم بقوة، يتقن صاحبه لعبة الإمتاع وتغذية جوارح التلقّي، في دورة تواصلية تدمغ بأبجديات التجديد، وتخطّي كل قشيب.
الكاتب سعيد رضواني والذي يقف في هذه المجموعة موقف المتجاوز، وإن اصطبغت سرديته بانثيالات التناص الأدبي، أحيانا، وجرت إيقاعاتها على مبدأ الانفتاح اليقظ.
نقتبس للسارد قوله: أجثم على ركبتي وأضع رأسي على صدرها، ثم أغمض عيني وأغوص في ظلمة النهاية، ولا أفتحهما إلا بعد أن يغمض، في صباح اليوم الموالي، القبر جفنيه على جسد زوجتي.
أنتصب أمام قبرها مستهجنا هذا الدفن الذي لا يليق بشاعرة، وأتجه إلى البيت مصمما على إعادة دفنها بين سطور ما سأكتبه أثناء إعادة الرواية التي قرأت.
أجتاز الباحة حيث يجتمع المعزون، وأدخل غرفتي. أحمل القلم وأشرع متعجلا في الكتابة خوفا من فتور الحوافز المشجعة على العمل، لعلي أظفر ببضع فقرات قبل أن أجالس المعزين. أنتبه إلى أن القلم الذي كان مفترضا أن يزحف من اليسار إلى اليمين مشكلا كلمات إسبانية، قد أخذ يزحف من اليمين إلى اليسار مشكلا حروفا عربية، وأرى على الورق تَشكُّل عنوان مخالف لعنوان رولفو.( )
من ثم هذا البياض المهيمن الذي يكتب الذات الساردة، في محطة برزخية، أو مرحلة ما بعد تجربة الموت، والتي برع رضواني في بلورتها والتبئير على مركزيتها، في مزاوجة مدهشة وتشاكل كلي ما بين الفني والمعرفي.
إذ على خلفية الفقد هذه، تتجلى ثيمة الموت، كحد فاصل ما بين الشهواني والصوفي.
إن مجرّد عتبة هذه المجموعة، لتحيل على حقيقة الموت، كلغز وجودي محيّر وكبير، ومستفزّ بأسئلته، وقهرية جبروته.
"عام الوحش" في إحالة مباشرة على المقدّس، أي ما يترجمه الموروث الديني، قياسا إلى تأويل أوراق" عام الحزن"، أو ما مرّ به المعلّم الأول للبشرية، محمد صلى الله عليه وسلم، وكابده من اختبارات، دور البطولة فيها، لهذا الوحش على حد تعبير القاص، والذي يسمّى" موتا".
ففي غمرة هذا التوازي، تكتسي المجموعة، قيمتها وأهميتها، كما أحقّيتها وأهليتها في مقارعة ومنافسة السرديات الأدبية العالمية، من دون شك.
حتّى أنه جرّاء البناء الدرامي، وفق دواعي خلط الأوراق إزاء القارئ، في مثيل هذه السرديات التي استطاعت القفز فوق الحبكة بمفهومها الكلاسيكي، إلى رهان الفوضى الخلاّقة والبانية، قلت، في أفق هذا وسائر ما يمتدّ عنه، بما يشدّ إلى جذر الهوية الكونية التي قد تمارس إدانة السلبية والنقصان، تماهيا مع المشترك الإنساني، بدرجة أولى.
جرّاء هذه الموسوعية، ليعجز المتلقّي عن إصابة كبد الحقيقة، مأخوذا بنوبات الإرباك: متسائلا: أيهما يكتب الآخر؟ الحي أم الميت؟ قبل ان يصطدم بالخيوط الناظمة والمتحكمة بروح التجديد في كهذه سردية راسية على قواعد فهم الأدب العالمي فهما بليغا، هو بمثابة الولادات الثانية إبداعيا.
السارد يكتب بقناع برزخي، أو بذاكرة ميت عائد، أي انها كتابة غياب، على اعلى مستويات الحِلمية والرمزية وجنوح المخيال، وكل عناصر الدغدغة بديباجات الخطاب الاسترجاعي والذاكراتي.
فقط، عندما يكون الاختبار وجوديا وهوياتيا، المُمتحِنُ فيه، هو هذا الوحش القاهر المستوي على عامِه، كسلطان خارج النص والزمن.
مواقف القاص هنا، مواقف تجاوز لا تعارض، فقط، في سياق تجربة الموت التي ما تنفك تطالعنا بها، وعبر زمكانية القص، من أول قصة" الاتجاه المعاكس ل "كومالا"، مرورا بقصص: "عام الوحش"، "لقاء مع بورخيس"،" الحمامة البيضاء"، " النخيل الذي يثمر القصص" و" الـزمــن" ثم" المانوليا والزرنيخ" و" لعـبة النظائـر" و" الريح" انتهاء ب" شجرة البلوط".
فقصة" لقاء مع بروخيس" استفزتني بالقدر الذي جعلني استحضر مثلا شعبيا يفيد كيف أن اللقلاق أراد تقليد مشية الحمامة فأتلف مشيته، أو تبادل الأدوار كما يُقال، فمن منظور القاص، أو أي مبدع متمكن، الموسوعية لا تتأتى إلا بنهم القراءة، مع اليقظة والحذر الشديد من أن يُبدع القارئ ما يعرّفه على أنه مجرد نسخة عن غيره الذي قرأه واستلهم منه، أو وجها مقنّعا في مرآة الآخر.
فالممارسة الإبداعية يفترض ألا تولد اجترارا واستنساخا.
إن قاصا من طينة رضواني، ليقرّ بضرورة الهجرة الروحية إبداعيا، ويدعمها، فهو قد سماها هروبا من غيبوبة الواقع، إلى غيبوبة الجمال.
مثلما أنه يعلن وبكل جرأة وشجاعة، الافتقار والحاجة الماسة إلى من باستطاعته إضاءة الحياة والنصوص، كناية عن جدلية التلميذ والمدرسة، والرغبة في التطور الدائم والمستمر، على أصعدة شتّى.
يقول أيضا:
تغفو في الغسق أو تتثاءب في الشفق هذه الممرات الضيقة التي تنسل من تحت قدمين قويتين تركضان فوق أعشاب تعانق التراب إذ تُداس وتحاول النهوض إذ تتحرر، وكالعرق يتساقط فوقها ندى الشجيرات، وكالندى يتساقط فوق الشجيرات عرقُه، وكشجيرة بدا شعره الأشعث حين توقف كي يحدق هنا وهناك مترصدا حركة أي شبح أو طيف يعلن عنه هذا المحيط أو ذاك الأفق.
حملت إليه الرياح رائحة الرعب والموت وذكرى صداقة امّحت، ومزيجا من الشعور بالتيه والغثيان، ومع كل همسة تخدش مسامعه كان يرتعب متوقعا أن يباغت قلبَه نصلُ خنجر حتما سيوقف نبض الحياة والخوف والحب.( )
فأي شاعر هذا الذي يحتل أعماق السارد، فيهبه طاقة رهيبة لا مثيل لها، وقدرة خارقة على تلوين عالم ما تلبث تحاصره الفوضى والدموية والاضطراب، وسرعان ما يستسلم لأسئلة الموت..؟
إنها كتابة الغياب، في محاولة لإضاءة مواطن العتمة والخواء في الذات كما الحياة، عبر مناطحة هواجس الفناء، بإبداع أرقى صور التشبث بالحياة، على مرارتها وإسمنتيتها وفجائعيتها وتخشبها.
ختاما، لا يمكن إلا الإشادة بهذه التجربة السردية الناضجة، التي تجدد جلدها في كل مرة، كي ترقى إلى التطلعات، وإشباع فضول جيل جديد ومختلف، ربما يلبس زمنه بالمقلوب، وربما تكبره أحلامه، ويعتبر الأخطاء مشاعا حياتيا وإبداعيا، يفضي إلى الفوقية التي من شأنها أن تثمر الصواب، بيد أنه جيل وجب علينا احترام قناعة واحدة بانية لشخصيته المستقلة، والتي تكمن في كوننا لسنا نريد له أن يتحسس ملامح وجهه، في مريا الكبار، بما قد تنطوي عليه من تركيبية وتكعيبية وعقد أبوية.
هامش:
***انظر مجموعة" عام الوحش" للقاص المغربي سعيد رضواني

