|
ذاكرة الطفولة وتجليات البطل الشعبي في رواية "الصمت القديم" للروائي محمود منور بشتاوي تختزن ذاكرة الطفولة أفكاراً، وحكاياتٍ، وطرائق سردٍ، وأحداثاً تبقى عالقةً برغم تقدم العمر، وعصيةً على النسيان برغم تدفق المستجدات في حياة الإنسان. وأزعم أن ذلك يعود إلى "المتعة البكر" التي يحصل عليها المرء في تلك المرحلة؛ فما إن يتجاوزها حتى تصبح الحياة مثقلةً بالشقاء والغم والبؤس والقهر. اللافت في هذه الرواية هو ذاك التماس مع حكايات الطفولة التي استقيناها من صدور الأمهات والجدات؛ حيث يبرز "صادق البهلول" بوصفه بطلاً يبدو في ظاهره ضعيفاً (على غرار شخصية "نص نصيص" التراثية)، لكنه في جوهره يمتلك قدرات وكرامات استثنائية، وينطوي على مرجعية أخلاقية تجعله يسلك الطريق القويم، مهما كان طويلاً وشاقاً. وهنا يقربنا السارد من نموذج "البطل الشعبي"؛ ذاك البطل البسيط/ الضعيف، بعيداً عن هالة القياصرة والأباطرة، فهو شخصية "منا وفينا"، وهذا التماهي هو ما يدفعنا لمحبة شخصية "صادق البهلول"، ومحبة "بهية" التي شاركته السلوك القويم والحب العفيف، وكذا "الشيخ علي" الذي استبصر بقلبه الخير في الجمع بين "بهية" (أرملة ابنه الراحل عادل) و"صادق". إن الشخصيات الرئيسية الثلاث تتقاطع في ميزة "البصيرة"، مما يجعل خطابها يقودنا إلى ما هو أبعد وأعمق من الراهن المعيش. صادق البهلول.. بين النبل والغموض يقدم لنا السارد بطلاً شعبياً، يبدو في ظاهره واهناً، لكنه يحمل في أعماقه قوةً وسراً ونبلاً، ما يذكرنا بشخصية "نص نصيص" الذي أنقذ إخوته من الغولة رغم ضآلة حجمه: "في قلب هنا وهنا، وعلى تخوم الزمن المتشقق، يلوح وجه صادق البهلول كظل قديم نبت بين الحجارة، لم يكن رجلاً عادياً، ولا شيخاً حكيماً، كان أقرب إلى لغز يمشي، يحمل عصاه كأنها امتداد لروحه، أو كأنها مفتاح لبوابة لا يعرفها سواه..." (ص8). بهذه الصورة "القدسية" قُدّم صادق البهلول؛ حيث تحيط به الرهبة والغموض، ما يشد القارئ لمتابعة حكايته كشخصية جاذبة تنتمي لعالم الطفولة المدهش. لقد نجح السارد في إثارة المتلقي عبر عرض شخصية تجمع بين عتمة الماضي وبصيرة المستقبل. التحول الإنساني: أسطورة أنكيدو تتكرر إن التغييرات التي طرأت على "صادق البهلول" بعد حادثة الصخرة، تتمثل في استعادة وعيه برجولته واحتياجه للمرأة؛ فبعد رؤيته لـ "هنية" تفجرت فيه العاطفة، تماماً كحال "أنكيدو" الذي تخلص من وحشيته بعد لقائه بالمرأة، فحوّلته من وحش بري إلى كائن اجتماعي: "لو طلبت منك أن تتركني... هل تتركني؟ أجابها دون تفكير: أترك روحي، ولا أتركك" (ص24). هنا يتحول "صادق" من كائن معزول غامض إلى إنسان ينشد الحياة ويمارس دوراً اجتماعياً. ولم تقتصر التحولات عليه، بل طالت الأرملة "هنية" التي استعادت أنوثتها المسلوبة: "قالت لنفسها وهي تمسح على خصلات شعرها المتسللة من تحت طرحتها: لم أعد أرملة فقط... صرت أنثى من جديد، حين ناداني بصوت لا يسمعه غيري" (ص26). في هذا المشهد، يتجاور الفعل الحركي (مسح الشعر) مع التصريح النفسي (صرت أنثى) ليعلن السارد ميلاد امرأة عاشقة، لا أرملة حزينة تقتات على الندب. فلسفة الحذف والمكان تميل الحكاية الشعبية عادةً نحو النهايات السعيدة، وهو ما انتهجه السارد في "الصمت القديم" عبر عقد قران صادق وبهية. واللافت هنا هو "فلسفة الحذف"؛ حيث بدأ السارد باستخدام اسم "صادق" مجرداً، متخلياً عن لقب "البهلول"، وكأنه يعلن نضجه واكتماله الإنساني، تماماً كما تحول "رجل البرية" إلى "أنكيدو". أما المكان (قرية هلالة)، فقيمته تنبع من علاقة الإنسان به؛ إذ يضفي السارد عليه مسحة من القدسية عبر "الصخرة" و"العصا": "ثم انشق الحجر؛ لا كانفجار، ولا كزلزال، بل كولادة، شق بطيء، حذر، يشبه الفتح الخجول لباب في عالم آخر" (ص13). هذه الرهبة المكانية تتماثل مع جلال الأمكنة في الحكايات الشعبية، حيث يحتاج المكان الغامض إلى بطل "مكاشف" يمتلك الكرامة لسبر أغواره، وقد كان صادق هو ذلك البطل. لقد أحدثت حادثة الصخرة "تجانساً" بين قدسية المكان ونبل الشخصيات (صادق، بهية، الشيخ علي)، فكلهم استجابوا لنداء التغيير الإيجابي بعد ذلك الحدث المفصلي. بهية: بين وجع الأمومة وسطوة الأنثى يرصد السارد ببراعة صراع "هنية" الداخلي؛ فهي أم تخشى على مكانة ابنهما الراحل: "هذا الرجل لا يسرق مكان أبيك، بل يسند مكاناً كاد أن ينهار" (ص112)، لكنها في المقابل امرأة ترفض الوجاهة الاجتماعية (الأستاذ حامد) لتختار "الرجل اللغز" الذي فجّر عاطفتها: "أنا أم قبل كل شيء... لكني امرأة أيضاً، وقد صمتُ طويلاً حتى بدأ جسدي يحكي ما لم أقله" (ص120). هذا الصراع هو ما منح الرواية بُعدها الواقعي، وحرّرها من نمطية الحكاية الشعبية لتصبح عملاً روائياً حديثاً بامتياز، يتحدث لغة القلب و(التجاذب الصامت). حكمة الشيخ علي يبرز "الشيخ علي" كصمام أمان وحامل لراية البصيرة؛ فهو برغم فقده لولده، لم ينغلق على حزنه، بل أدرك بحدسه تلك الرابطة بين هنية وصادق. فكان استدعاؤه لحفيده "علي" لينام في غرفته حركة ذكية تهدف لإخلاء مساحة نفسية لـ "بهية" كي تلتفت لأنوثتها: "هذا الشيخ... هل كان يقول لي: قد آن الأوان أن تفرغي هذه الغرفة من الطفل، لترى المرأة فيك؟" (ص129). ختاماً، نحن أمام ثلاثي (صادق، بهية، الشيخ علي) يتشابه في امتلاك الحكمة، والحياء، والقدرة على الانبعاث من جديد في وجه الموت والشقاء. |