-->
تنويه
للمراسلة الرجاء استخدام الرابط الموجود أعلى يسار الموقع " أرسل مقالك للنشر "

مفارقة الباب والبيت – بنية الاغتراب


 

قراءة وتأويل لأحد نصوص الشاعر عبود الجابري

مفارقة الباب والبيت – بنية الاغتراب

- رياض عبد الواحد

المقدمة :

تتميّز قصيدة النثر الحديثة بقدرتها على تحويل التفاصيل اليومية البسيطة إلى بنى دلالية كثيفة بحيث تغدو الصورة العابرة مدخلاً إلى تأملات إنسانية عميقة. وفي هذا السياق يأتي نص الشاعر عبود الجابري بوصفه نصاً يشتغل على مفارقة دقيقة بين البساطة الظاهرة والعمق الدلالي الكامن. فالنص، في ظاهره، يروي تجربة إنسان يطرق الأبواب فلا يجد من يفتح له، لكنه في بنيته العميقة يتجاوز حدود الحكاية إلى بناء فضاء رمزي تتحرك فيه مجموعة من العلامات الشعرية مثل الباب والبيت والغياب والانتظار. وبواسطة هذه العلامات يتشكل خطاب شعري يلامس مناطق حساسة من التجربة الإنسانية، إذ يتداخل الشعور بالاغتراب مع الحاجة إلى الانتماء، ويتحوّل المكان المألوف إلى فضاء رمزي يعكس انكسار العلاقة بين الإنسان والعالم. ومن هنا يمكن قراءة هذا النص بوصفه بنية شعرية تعتمد على المفارقة والاقتصاد اللغوي، لكنها في الوقت نفسه تنفتح على أفق سيميائي يكشف شبكة العلاقات الدلالية التي تنتظم عناصره

يفتتح الشاعر نصه بصورة الطرق المتكرر:

(طرقتُ ألفَ بابٍ وباب / وحين لم يفتح لي أحد).

هذه البداية لا تؤدي وظيفة سردية فحسب بل تؤسس منذ اللحظة الأولى لنظام دلالي يقوم على علامة الباب كونها رمزاً للعبور والقبول والانتماء. يمثل الباب - في الثقافة الإنسانية - نقطة تماس بين الداخل والخارج، بين العزلة والمشاركة لذلك فإن الإلحاح العددي في عبارة (ألف باب وباب) لا يُفهم منها المبالغة البلاغية فقط، بل بوصفها استنفاداً رمزياً لكل إمكانات الدخول إلى العالم الاجتماعي بيد ان النص سرعان ما يقلب وظيفة هذه العلامة حين لا يُفتح أي باب. هنا يتحول الباب من علامة على العبور إلى علامة على الانغلاق، وبذلك ينتقل النص من فضاء التواصل إلى فضاء الاغتراب ويبلغ هذا التحول ذروته في الصورة اللافتة:

(نمتُ أنا وبيتي خارج البيت)

تقوم هذه العبارة على مفارقة دلالية عميقة؛ فالبيت في بنيته الثقافية علامة على الأمان والاحتواء، غير أن الشاعر يفكك العلاقة بين البيت بوصفه مكاناً مادياً وبين البيت بوصفه إحساساً بالانتماء. إن الذات هنا تمتلك البيت لكنها لا تسكنه، أو بالأحرى تسكنه بوصفه فكرة لا بوصفه مكاناً. ومن منظور سيميائي تتحول العلامة إلى ما يشبه البيت المجرّد، أي فضاء رمزي فقد وظيفته الأصلية في منح الطمأنينة.

- الوديعةُ – البعد الروحي في النص

حين يقول الشاعر:

(تاركاً الوديعة بين يديك)

يحدث انتقال دلالي واضح من فضاء الأبواب الأرضية المغلقة إلى فضاء آخر مفتوح هو فضاء الخطاب الإلهي. فبعد أن فشلت العلامات الاجتماعية في تحقيق التواصل يتجه النص نحو بعد روحي يفتح إمكاناً جديداً للمعنى. إن كلمة الوديعة - هنا - ليست مجرد تعبير ديني مألوف، بل علامة سيميائية تشير إلى فعل الثقة والتسليم، وكأن الذات الشعرية تودع ما تبقى من عالمها في يد المطلق. اللافت في هذا الموضع أن الشاعر لا يسأل عن خلاصه الشخصي، بل يطلب معرفة أحوال الآخرين: أطفاله، والقطط الجائعة، وشجرة الورد الموشكة على الذبول. بهذا يتحول الخطاب من اعتراف فردي إلى مساحة إنسانية أوسع، فتصبح الذات مسؤولة رمزياً عن العالم الصغير الذي تركته خلفها.

- جماليات الهامش والعناية بالكائنات الصغيرة:

يستوقف المتلقي في هذا النص حضور كائنات تبدو هامشية للوهلة الأولى: القطط الجائعة وشجرة الورد. غير أن هذا الاختيار يحمل دلالة جمالية واضحة. فالشعر الحديث كثيراً ما ينحاز إلى التفاصيل الصغيرة بوصفها حاملة للمعنى الإنساني العميق. ليست القطط - هنا- مجرد عنصر واقعي، بل علامة على الكائنات الهشة التي تعيش في هوامش المدن، بينما تمثل شجرة الورد صورة الجمال المعرض دائماً لخطر الذبول.

يمكن قراءة هذه العلامات من زاوية سيميائية بوصفها شبكة دلالية تمثل مستويات الحياة الثلاثة التي يخشى الشاعر أن تنهار في غيابه: الإنسان ممثلاً بالأطفال، الحيوان ممثلاً بالقطط، والطبيعة ممثلة بشجرة الورد. إن هذه العلامات الثلاث ترسم ما يشبه خريطة العاطفة التي تربط الذات بالعالم، لذلك يبدو سؤال الشاعر عنها وكأنه محاولة للحفاظ على توازن هذا العالم الصغير.

-سؤال العودة – القلق الوجودي:

يظهر في قلب النص السؤال القصير:

(متى أعود؟)

وهو سؤال يفتح النص على أفق وجودي واسع. ففعل العودة هنا لا يعني الرجوع المكاني فقط، بل يعني استعادة العلاقة المفقودة مع المكان ومع الآخرين. لذلك يتخيل الشاعر عودته بنحو هادئ ومكسور في الوقت نفسه: أن يجلس في زاوية الغرفة (ساهماً وحزيناً) ليحصي أسماء الذين أغلقوا أبوابهم.

في هذه الصورة تتحول عملية العدّ إلى فعل رمزي ، فإحصاء الأسماء ليس مجرد تذكّر، بل هو محاولة لإعادة ترتيب العالم الذي انقطع عنه. إن الذات -هنا - تحاول أن تستعيد خريطة العلاقات التي تهدمت بفعل الغياب.

- المفارقة الختامية – احتفال الغياب:

يصل النص إلى ذروته في الجملة الأخيرة:

(أولئك الذين أقفلوا أبوابهم واحتفلوا بانتظاري).

تقوم هذه الخاتمة على مفارقة سيميائية حادة؛ إذ تجمع بين علامتين متناقضتين: الإغلاق والاحتفال. فإغلاق الباب يشير إلى الرفض أو الإقصاء، بينما يشير الاحتفال إلى الترحيب والبهجة. حين يجمع الشاعر بينهما فإنه يكشف التناقض الكامن في العلاقات الإنسانية، حيث يمكن للناس أن يحتفلوا بفكرة انتظارك بينما يظلون غير مستعدين لاستقبالك فعلياً.

بهذا المعنى يتحول النص كله إلى تأمل مرير في طبيعة الحضور والغياب. فالغائب قد يتحول إلى فكرة جميلة في ذاكرة الآخرين، لكن حضوره الواقعي يظل مؤجلاً خلف الأبواب المغلقة. ومن هنا تتجلى قوة النص؛ إذ يبني عبر عدد قليل من الصور شبكة رمزية كثيفة تجعل الباب والبيت والورد والقطط علامات على تجربة إنسانية أعمق، تجربة الإنسان الذي يظل يبحث عن مكان ينتمي إليه في عالم كثير الأبواب… قليل الفتح.

- النص الاصلي:

::::

طرقتُ ألفَ بابٍ وباب

وحينَ لم يفتحْ لي أحَدٌ

نمتُ أنا وبَيتي خارجَ البيتِ

تاركاً الوديعةَ بين يديكَ

آمِلاً أن تُخبرني

في هذه الليلةِ المباركةِ

عن أحوالِ منْ أحزنَهم غيابي؛

أطفالي،

والقططِ الجائعةِ

وشجرةِ الوردِ الموشكةِ

على الذبولِ

أخبرْني يا راعي السمواتِ والأَرَضين

متى أعودُ؟

وأجلسُ في زاويةِ الغرفةِ

ساهِماً وحزيناً

لأحصيَ أسماءَهم واحداً واحداً

أولئكَ الذين أقفلوا أبوابَهم

واحتفَلوا بانتظاري





 

author-profile

إرسال تعليق

أحدث أقدم