ناصر أبو سرور، الذي لم يتجرّأ عليه السجنُ..
مصارحات، كأنها أسفارٌ مُقدّسة!
لعلّ عنوان كتاب "على سرير الكتابة" للأسير المُحرّر المبدع ناصر أبو سرور، هو أُكرة باب المؤلَّف، واسمه الذي يعبّر عنه، بالفعل، باعتباره نَصّاً مُسانداً، مثله مثل العناوين الفرعيّة وشكل الخطّ والغلاف، وقد أحالني مباشرةً إلى علم النَّفس الإكلنيكيّ (السريريّ)، المُتعالق ب "سرير الكتابة"،ما جعلني أعتقد أنّ الكاتب هو نفسه الطبيب المُستمع المُعالِج، وهو المتحدّث، المُعتَرِف بمصارحاته المتوالية، والذي يريد أن ينفث الزجاج المطحون الذي يُدمي صدره. فالعنوان لا يكون اعتباطيّا، بقدر ما يتمّ انتقاء مفرداته بعناية ووعي ما يفتح التوقّعات بأننا أمام بوَح سلس متوالٍ، دون انتقاء وتخيّر، وربما يخضع لسياق كرونولوجيّ، ويذهب إلى ما نتأ أو أثقل النّفس، وما ينبغي قوله، لكنّه بدا تدفّقا واعيا عارفا وذا حمولة قادرة على إيصال المعنى بجدارة فائقة ومدهشة. وعلم النّفس هذا يقوم بتوفير رعاية شاملة للتحديات المعقّدة في مجال الصحة النفسية، وهذا ما أدركه فرويد، وعمل به لايتنر ويتمر.
إذن؛ نحن أمام مُستلقٍ على سريره، باختياره الحرّ، وقد قصد ما قاله، بجرأة، وتحكّم بما يريد الدلالة به من مفردات وأحداث، وبأسلوب، هو جزءٌ لا يتجزّأ من بناء النصّ، ككلّ. غير أنّ "الاختيار الحُرّ" هو أمرٌ مختّلف فيه، لأن ثمّة إكراهات غير مُعلنة، ولأنّ اللاوعي يتحكّم بأكثر من تسعين بالمائة من سلوكنا ولغتنا وخياراتنا. والمهم أننا أمام "حالة" ندخل إلى قاعتها بشيء من المواقف المُسبقة، التي ستحكم على ما فيها..لكنّا سنُلقي كلّ ما توهّمناه عنها، وسنكون أمام مشهديّة ستفرض ذاتها، بكلّ مجاميعها، لعُمقها وفرادتها وحمولتها وجسارتها..ولأنّ الكتابة تمّت في زَمكانٍ رجراج، غير مألوف، واستثنائيّ، هو الزنزانة، خلف القضبان في السجن! فالكتابة داخل المعتقل؛ "إشارةٌ ودلالة على مرور (المعتقلين) في الزمان والمكان، ولأنها (الكتابة) لغة الغياب وأبجديّة المغيّبين وهي شرطهم الضروري للانفكاك من رهاب السجن ولأنْسنة الوحوش الرابضة في كلّ قاعٍ أعدّه السجن لاستقبال أرواحهم وأجسادهم"، كما قرر الكاتب. وقد يكتب السجين لغير سبب، أهمها، برأيي؛ أنّ الكتابة تأتي من جوف الجحيم الاعتقاليّ، ومن أشيائه القليلة والمتقشّفة، ومن صمته ورعبه وأسراره، في الليل وفي النهار، وكأنّ الكتابة تتناسل من غناء المعتقلين عن البيت المُضاء البعيد، والموجة ذات الرائحة الأليفة، والبيدر الذي استحق الحصاد، ومن الحقل الذي يقطر عسلاً في الظهاري الّلافحة، ومن الأُمّهات المنتظرات، اللواتي يغزلن الحزن والدمع بالصوف، من أجل ابن لا تدرى في أيّ سجن هو! وتأتي الكتابة لأنّ سحنات الجنود، الذين يقفون على البوابات والأبراج العالية، مغطّاة بالزجاج والأقشمة السوداء، دون أسماء ولا نكات ولا ذكريات، ولكن بأسلحه لها رائحة الكبريت والأحماض والموت! وعندما يتسابق السجّان مع السجين على جسده، الذي يعتقد أنه نقطة ضعفه..يفرد السجينُ بساطَ الكتابة الطائر، ويعلو ويكبر ويمتدّ، ويجنّح ليرى أيامه القادمة، وأبناءه الذين سينجبهم، والمُنتّج الذي سينشره، والمدن التي سيزورها، والعربات التي ستحمل المحتلَّ، بعيداً عن أرضه. يضغط السجّان على ما يعتقد أنه ضعف السجين، بالضرب مرّة، وبالعزل الإنفرادي تارة، وبالغاز أو بالجوع أو بالتخويف..أما السجين فيذهب إلى قصيدته وروايته، ويسمّي أشياءه ويرتّبها، ويكتشف أن له ذخراً لا ينتهى من التراكمات والنماذج العظيمة التي لا تتكرر. وتتحدّر الكتابة منه ليكتشف أَنه أعلى من سجّانه ومن سجنه، وأن نصّه أكبر من أن يُمتلك، وأعلى مِن أنْ يُدرك أو يُسبر غوره العميق.
ويبدأ كتاب مبدعنا بفاتحة "إقرأ"! كأنه يقول؛ إنّكم أمام "نصّ مقدّس"، يُرجعنا إلى أوّل ما نطق به الوحي..أي أنّ ما سنقرأه هو المتهادي من لوحٍ علويٍ، نورانيّ، لا يأتيه الباطل، ولا ينازعه الشكّ، كيف لا وهو الآتي من حمأة المعتقل التطهّريّ، الذي لا يخالطه رجْسٌ أو رَيْب. وبهذا؛ فهو نصّ مُطلق نهائي، لا يمسّه إلا مَن بلغ الكشْف والأعالي. ثمّ يدخل إلى فصل "اكتُب"، ليجيب عن سؤاله "لماذا لا تكتب"؟ وليردّ بفيضٍ أخّاذٍ، هو مُرافعة وسيعة يانعة مثقّفة، يكثّف فيها دوافع الكتابة.
فما الذي تفعله الكتابةُ فينا، في السجن؟ أعتقد أنها أشبه بالهويه أو بالتعريف، وهي أشبه بالمميز والمحدّد للمبدع المعتقل، بعيداً عن أولئك الذين لا وجوه لهم ولا أسماء، الكتابة هناك أشبه بالتواصل مع طائر الدوريّ، الذي لا يُغادر شبّاك الزنزانة. وليس للسجين إلا القصيدة والقصّة والمسرحية والرواية، هي بيته ومكانه وهي مائدته. الكتابة تردّ على قسوة العالَم وفظاظته وفانتازيّته، وهي توازن واعتدال وواسطة. فالسجين يصمد بالكاتب الذي بداخله. وكأن النصّ تعويذة السحر أو طوطم الحكاية، التي تحكى كلّ الأجيال. الكتابة هي النار التي يصطلي بها السجين، ودثاره الذي يتغطّي به. وأعتقد أنّ الكتابة، بمفهومها الواسع، هي ما ينقذ السجين، لأن الكتابة اكتشافات متواصلة، وليست لغة فقط، إنها عوالم وراء عوالم، ابتكار فرح، فيه زهو وعجب ونوستالجيا، فيه مواقف وحركة وأحلام، فيه قوة خفيّة. هناك في السجن، حيث يقايض المحتلُ السجينَ بحريّة جسده، تكون الكتابةُ أرضَ إرادته الراسخة، وفضاءَ قلبه الذي لا يستطيع أيّ محتلٍ، على وجه الكوكب كلّه، أن يحرمه إيّاه. والحرية صنو الكتابة، وهي الأقوى.
وهنا أتوقّف لأؤكّد أننا أمام لغة كتابٍ سماويّة متينة، زاخرة، ومسبوكة، كأنها، بالفعل، أسفار مقدّسة! وثمّة ثقافة وحمولة معرفية أعلَت الكلام إلى حدّ الدّهشة. وأبو سرور، على ما قرّره، يسأل أكثر مما يجيب، بمعنى أنّ السؤال هو جواب، كما أنه دعوة للتفكير، ولإشْراك القارئ ليواصل مع الكاتب النسج والفهم والمخيال..والأكثر أهمية؛ أن هذا الكتاب تناول موضوعات غير مطروقة، استثنائية، بسبب السجن، ربّما، باعتباره مكانا مُغلقا، سيحاول أن يتجاوز حدوده الخانقة وحيّزه الضيّق، نحو فضاءات لا تُحَدّ! وعلى رغم أن سؤال "لماذا نكتب" يبدو مبذولا، لكنّ الكاتب، يطرحه من جديد، بصيغ تتراءى بالجدّة والطزاجة، لأنّ الكتابة، هنا، قارب نجاة، وتشابك أسئلة، والتباسات للزمن المقيّد، مثلما أنها قوّة الحياة، التي عليها أن تفيض لتدلّ على نفسها وحضورها وقدرتها. كما أنّ لغة الكاتب حساسة جداً، وأنيقة، وقد تماهت فيها الأصالة بالمعاصرة، بمُعجزة أسلوبيّة مُبهجةٍ ومتمكّنة..كأن الكلام يتفلّت ليصعد إلى قمّة الشِعر.
وأعتقد أن الكاتب قد كشف للقارئ ما لم يره، في العاديّ والمألوف، إذ نرى الشجرة فوق التراب، لكننا لم نرَ الشجرة الأخرى الأكبر تحت الأرض، والتي لولاها لمات العلويّ منها.
عداك عن أن الكاتب المُعافى قد انتصر، لسبب حاسم وجليّ، وهو؛ أنه استطاع فعل الكتابة، بهذا الألق والإدراك، ولم يستطع السجنُ قتْله أو دفن روحه المتوثّبة. والكاتب يعي، تماما، دوافعه النفسيّة، على رأي فرويد، وما تجترحه الكتابة من اشتعالات..بعلوٍّ، كأنه على موعد غراميّ مع اللغة. ويلفتني ذلك النَّفَس الطويل القادر على المحافظة على شياكة الكلام وعمقه وجزالته وفخامته وامتلائه! مثلما استطاع خياله من أن يحطّم الجدران، كلّياً، ويحلّق في آفاق، خلقها وابتدع صورها، وسوّاها وجعلها فراديسه الضافية البهيّة..لقد انتصر السجين، وها هو يدفّ حرّا في الفضاءات! فضلا عن أنّ خياله ثرّ ومليء بالروائح والطعوم والألوان والأماكن والغابات..وموشى بالمواسم الباذخة!
ونواصل القراءة ليطالعنا نصّ شِعريّ، كأنه إنجيل بابليّ، بلغته ودلالات صوره، وإيحاءات مفرداته، وبعناصره الجَمالية السامقة. وكأني بالكاتب يمنحنا استراحة شِعرية رهيفة، دون أن يتخلّى عن مواقفه واندفاعته الفاعلة، لنواصل معه الغوص في أعماق الكتاب وما وراء الصفحات. ثمّ يدخل في طقوس الكتابة كأنه يهيّئ الحاضنة التي ستكون رَحم نصّه، ودفيئته التي ستكون ممرعة بالنضرة والطّيب. وإن أجمل ما لديه أنه يوظّف معرفته وقراءاته المتنوّعة الغنيّة المتعددة، بقدرة ساحرة فائقة، لتصبح سبيكة ذَهبية من اجتراحه، بعد أن يذيب ما قرأه واستقرّ في وجدانه، وهو يسيطر على الفكرة التي يستخدمها ويشهق بها. وأرى أنه لولا تأمّل الكاتب العميق ونفاذ بصيرته، لما جاء نصّه بهذا الغنى، وبتلك التفاصيل الضرورية والنمنمات المُتقَنة، وبتلك الشاعريّة الأكيدة.
لقد ألقى الكاتبُ نفسَه على الورق، كما قال، ثمّ بدأ بمصارحاته، التي كان أوّلها "مع المكان"، الذي هو مدينة بيت لحم، مهد المسيح وأُمّه البتول، عليهما السلام، ومخيّم الدّهيشة بيت الكاتب وجدرانه. وهنا يتقدّم أبو سرور مفكّرا وباحثا ودارسا، يشرح، ويفكّك المكوّنات الاجتماعية لشعبه الرّازح تحت سنابك الاحتلال..ما يعني أنّنا أمام دراسة سسيولوجية معمّقة، تقرأ الدوافع والمُدْخلات، وتتوقّف عند المُخرجات والنتائج، وتربطها وتحلّلها، ما يوفّر فَهْماً، ربّما يكون الأنضج لدراسة المجتمع تحت الاحتلال. ونلحظ قدرة الكاتب المتميزة وهو يسبر غور المدينة، وتباينها النسبيّ عن الرّيف المحيط بها، فيما يظهر المخيّم باعتباره ظاهرة أو حالة شديدة الخصوصية والتفرّد والاختلاف. وهنا أُعقِّب؛ فالمخيم؛ وحدة إجتماعية واقتصادية وسياسية، وذو ملامح ثقافية، أصبح المعوّل عليه، بمعنى، وقعت على أبنائه وأجياله المتعاقبة أن يتحمّلوا ويحملوا الرسالة، وأن يجعلوا الشعلة مضاءة وعالية. ووقع المخيم، نتيجة لذلك، بين شفرات الُمطلق وشفرات النسبيّ، ما بين متطلبات الثورة وفضائها، وبين متطلبات الواقع وضيقه. المخيم الذي يقع في منطقة الرماد في كلّ شيء؛ جغرافياً، بكونه قريباً من المدينة ولكنه ليس منها. وثقافياً، باعتباره غريباً عن النسيج الإجتماعي وممنوعاً من الإندماج فيه. واقتصادياً، باعتبار أن موارده تأتي جاهزة وهو ممنوع من الانخراط في الدورة الإنتاجية. وسياسياً، باعتباره ممنوعاً من المشاركة والتمثيل والإنتخاب..كلّ ذلك جعل من المخيم ينقسم على ذاته، ويدخل في متاهات من التعريف وإعادة التعريف.
الثورة كانت حلّاً ولكنها ليست كلّ الحلول، وخاصة بعد انكفائها. المخيم - وهو وضع إستثنائي في تطور المجتمعات وسلوكها - منقسم على ذاته، لأنه موّزع بين الإنتماءات، وموزّع بين الولاءات، وموزّع بين الأمكنة. والمخيم - باعتباره ليس أفراداً وإنما وحدة اجتماعية وسياسية خاصة - أُجبر الفلسطيني اللاجىء - كرهاً أو طواعية - على أن يحدد انتماءاته وخياراته.
المخيم الصامد، مخزون الثورة الإستراتيجي، حامل المشعل وشاهد المرحلة ومعلّم الأجيال، ومعلّم الأيام أيضاً، الذي طوّر له لغة خاصة ومصطلحات خاصة، وقسّم فئاته وأعاد ربط ما انقطع، وسمّى الأشياء من جديد، وأرغم المدينة، ومن ثم القريب والغريب، على الإعتراف به والتعامل معه، هذا المخيم كان لزاماً عليه أن يصطدم بما حوله، شاء أم لم يشأ. الثورة خيار صعب، وهي خيار مجنون ولا عقلاني أيضاً، الثورة وجدان، والثورة لا حسابات منطقية فيها! وعندما اختار المخيم، اصطدم بمن حوله سريعاً، ومن هنا تعلّم المخيم أن يكون متوجّساً وشكّاكاً ولا يثق، وإذا كان المخيم أرضية خصبة وطبيعية للمشاعر القوية ضد الاحتلال، فإنه طوّر أيضاً مشاعر متناقضة تجاه المحيط، الذي يحيا فيه المخيم المعزول والممنوع والفقير، والذي يحيا بمنطقة الرماد في كلّ شيء. طوّر عقلية خاصة، هي عقلية اللاجىء، وهي عقلية متوجّسة وشكّاكة وقريبة من الإيمان المطلق دائماً، عقلية اللاجىء ليست فيها تسويات كثيرة، وهي أقلّ جدلاً وأقلّ رغبة في الكلام، هي عقلية تحيا على حافة القبر، ليس أسوأ من الاقتلاع، وليس أسوأ من النكران، وليس أسوأ من الفقر..المخيم لم يعد يزعج إسرائيل فقط! والمخيم قنبلة سياسية، وقنبلة إجتماعية. ويجب الاعتراف بقوة وصرامة أن المخيم مشكلة إجتماعية وصحية، وحتى لا نُفهم خطأ - بنيّة حسنة أو غير حسنة - فإن المخيم يجب أن يزول ويختفي عن الوجود لأن سكانه يجب أن يعودوا إلى ديارهم وأوطانهم التي هُجّروا منها، غير منقوصين، هذا هو واجب الأُمّة دائما. والمخيم الذي يحيا اليوميّ والنسبيّ، ومتطلبات الحياة اليومية؛ من أكل وشرب وتعليم وصحة وعمل وتأمينات اجتماعية وصحية، وأشكال سلوك متغيرة ومرتجلة، هذا المخيم الذي يعيش على المطلق، ولكنه مضطر إلى التعامل مع النسبي، يتحول شيئاً فشيئاً - وخاصة بعد اتفاق أوسلو وتغيّر العالم ونجاح العولمة وانكفاء الثورات وتراجع الشعارات وخفوت الاصوات عن العودة أو مضامينها الحقيقية – فإن المخيم يتحوّل إلى مشكلة وعبء حقيقي، ليس على السلطة الوطنية وحسب، وإنما على الإقليم. لا يمكن حسم المخيم في نهاية الأمر. عقلية اللاجىء الذي يحيا على الأحلام، ويضطر إلى البحث عن لقمة الخبز..سيطور سلوكاً غير متوقّع، هذا الكلام يعني ببساطة أنّ إسرائيل وغير إسرائيل مجبرون على حلّ القضية الفلسطينية، فالتدمير والتهجير، حتى وإن توالى، لن يُؤدي إلى خلق علاقة غرامية مع المحتلّ، والفقر والنكران لن يحوّل المجروحين إلى قدّيسين يدعون إلى محبة العدوّ. وبعيداً عن فذلكات الأكاديميين ورغبتهم في الوصف والتبويب والفهرسة..ومن ثم الاستخلاصات، فإن المخيمات التي تصبح عناوين للبلاد والثورة والحنين، تتحوّل بفعل الزمن إلى مواطنين من درجة أقلّ، ويحصلون على حقوق وواجبات أقلّ، أي أن جُرح الطرد يضاف إليه جرح النكران والتهميش، وكأنّ حالة اللجوء هي حالة مشبوهة أو مُدانة أصلاً. إن وضعاً كهذا - وإن استمر بشكل او بأخر - وإن تمّ استيعابه بشكل أو بآخر - وإنْ تمّ تدجينه بشكل أو بآخر..لا يمكن له أن يستمر. إن بيت الصفيح ليس أفضل حالاً من خيمة النكبة، وإن معونات وكالة الغوث التي تتناقص سنة بعد أخرى لن تكون بديلاً عن أحلام عريضة، وإن التطامن أو السكون أو الخضوع لأوامر المحيط وقوانينه لن تسود إلى الأبد، خاصة إذا توالت عمليات التنازل والتطبيع المجاني وقبول إسرائيل بالكامل، دون إيجاد حلّ لأكثر من سبعة ملايين فلسطيني موزعين ما بين بيوت صفيحية أو صحارى بعيدة أو مجاهل لا يصل اليها البريد الزاجل .
وكلما تقدّمنا في الزمن، فإن مشكلة المخيم - متعددة المستويات ومعقدة التجليات، تزداد وتتفاقم. وإن تجسّد السلطة الوطنية في الضفة والقطاع - أو في الضفة فقط في هذه الأثناء - لم يساعد حتى اللحظة في حلّ ضائقة المخيم، بل على العكس من ذلك، إذ أن تجسّد السلطة بدا وكأنه حلّ نهائي لموضوع المخيم، ومن هنا، ازدادت حدّة الموضوع، وزاد ضغطه الشديد على الوعي والوجدان، فهل ينتظر سكان المخيمات منفى أبديا، أم تجنيسا أم توطينا أم تعويضا أم عودة مجزوءة؟ هذه الأسئلة لم تكن في الماضي، وهي الآن حاضرة بقوّة، الأمر الذي يزيد من حدّة وتطرّف المسألة، ونحن هنا نتحدث عن عقلية اللاجىء - واللاجىء ليس مهاجرا ولا مغامرا ولا مستوطنا -، وقلنا إنها عقلية تطرّف أكثر منها عقلية مهادُنة، وعقلية تُبدي ما لا تُعلن، وإن تهديد المخيّم بخيارات متعددة ومختلفة ضمن أزمات متلاحقة وضغوطات من جهات متعددة، كلّ ذلك يدفع الأمر إلى عنق الزجاجة. وإذا كانت النكبة ومن بعدها النكسة ومن بعدها الأزمات ثم التفتيت والانقسام وهدم بعض المخيمات، ثم العدوان والإبادة، قد أضرّت بالمخيم، فاستُهدِف وعَّذب وحُوصر وتلاشى، فإننا الآن على أبواب مرحلة جديدة..فالأمر شديد التوتر، وعلى الجميع الانتباه!
وأعترف أن كاتبنا الحصيف، ووسط هذا الدّرس التحليليّ الاجتماعي الشموليّ، يقدّم لنا سيرته، باعتبارها خطّا مركزيّا للحكاية وللكتاب، دون أن يغفل الهوامش والتفاصيل التي تتصادى حوله، وتتجلّى بقوّة، ليكون أمامنا مقطعٌ تاريخيّ عاشه الكاتب، في بدايات صباه، وعكس مكوّنات حياته. وسرعان ما نصل إلى تكثيف شِعريّ بعنوان "لاجئ"، لخّص من خلاله حالات المخيّم وعتماته، وحياة اللاجئ.. وكأنّ ما قاله أبو سرور نثراً وشرحا، لم يشف غليله..فراح إلى تعميق المعنى بقصيدة ألحَفَت على الأوضاع، وتوقّفت عند المرارات المرنّقة التي ظلّت في فمه.
باختصار؛ المخيم وشْم عميق لا يمّحي في جدار روح الكاتب، وهذا مُبرَّر، إذ أن طفولته وتفتّحه كانا في زحمة المخيّم المخنوق المرهق والجائع.
ونأتي إلى المصارحة الثانية، المُعنونة ب"مع الصبا"، والتي تشير إلى أن الكاتب سيأخذنا من يدنا إلى ساحات سنواته الأولى، التي حملت أوجاعا استحضرها من ذاكرته. وعليه أقول؛ إن الكاتب في السجن، وحينما ينكبّ على الورق؛ يتداخل أمامه غير زمن، بل تسيل الأزمنةُ على بعضها البعض، وهي طفولته وصباه قبل الاعتقال، ثمّ زمن السجن منذ اعتقاله حتى لحظة الكتابة، وهنا يتداخل الزمنان ويتماهيان ويتقاطعان..ما ينتج لنا مشاهد ممتدّة متحاضِنة، على رغم اختلافهما وقسوتهما أو انكسارهما أو تألقهما، الأمر الذي يجعل الكتابة تُحدِث زمنها الخاص، الثالث، الذي يتوالد بالأحلام، ويتناسل بالتطلّعات أو التحليل، أو التذكّر المعجون بنكهة الكاتب الخاصة، التي اندغمت فيها خيوط أخرى. ولعل قصة "سيّدة الحديقة" التي أوردها بتفاصيلها الحميمة، وبجسارة اعتراف مشهود، شرحت ذلك الجَمال وتلك المتعة، وكشفت عن إيقاعات علاقاتنا الاجتماعية الإنسانية، بكلّ ما فيها من براءة وأخطاء. إن حكاية هذه المرأة تؤكّد أن الرجل وحشٌ لا يستعيد آدميّته إلا بين ذراعي امرأة تغرقه في شَّهدها. حتى أن احتفاء الكاتب بتلك السيّدة، بقصيدة، أيضا! يشير إلى أنها مَن أيقظت الرجلَ فيه، وأن مذاقها ما فتئ يطفر في لهاته ويتلمّظ بعسله الحريف..لمَ لا وقد عرّفته على هويّته الجنسيّة، وعلى ذاته..وتركت خطواتها على قلبه الصغير. كما أن الاحتفاء بها يعني احترامها ونفي الإدانة والاتّهام عنها، وإلقاء تحية شوق إليها. وبالتأكيد فإني أحمد للكاتب جرأته الفكرية والأدبية، التي قدّمها بأناقة ولياقة تامّتين.
ولطالما طالعتنا تلك الجرأة في عدد من السِّير الذاتيّة والغيريّة، وأعتقد بأنّ الكاتب حين يقدّم سيرته يعني أنْ يُشارك الآخرين خصوصياته، ويُطلعهم على ما لا يُقال، بالضرورة، لأنّ ما يكتبه هو، بالفعل، جزءٌ من لحم سيرته. فما المختلِفُ في السيرة، إذا كانت الكتابة تتّسع لكلّ ما تريد قوله؟ وهو آتٍ من عُمْقِ تجربتك، وصميم الأحداث، التي انخرطت بها، واحترقت بثلجها، وبَلَّلك نورُها الوهّاج! ولكنْ، ثمّة ما لم تحتمله الكتابة المبذولة للقراءة، دائماً؛ بمعنى أنّ في مسيرة الكاتب، عامةً، ما يُثير، وما لا يُقال، إذ تحول العادة دون ذِكْره، وهناك ما لم يجد مناسبةً ليحضر، إضافةً إلى أنّ وقائع بعينها لا يمكن الإتيان بها، لحساسيتها أو نتوئها أو حُرْمتها. وعليه؛ فإن السيرة الحقّة هي غير المُنقّاة أو المُغربلة أو المُنْتقاة، بل تلك التي تفرد بساطها وتضع كلّ بضاعتها، كما فعل أبو سرور، ليرى المُتلقّي المشهدَ من أوّله إلى آخره، وليتمكّن من تفكيك الأسباب والمرجعيات والدوافع، التي كانت وراء كلّ فعل، مهما بلغت غرابته وحدّته، والصدمة التي قد يُحدِثها، خصوصاً أنّ لدى كلِّ واحدٍ منا من الأسرار ما لا يُعدّ، وما لا يُمكن قوله..ولأن سيرة أيّ فردٍ هي وثيقةٌ تعكس الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والفكري والخاص، الذي عاشه.
ومن السّيئ أن تتذكّر الماضي أحياناً، خاصةً إذا كان مُوجِعاً، لكنّ الدمَ الملعون لم يتخثّر، والكراهية ما فتئت تمدّ لسانَها المسموم، والعنف يتفشّى مثل كابوسٍ مُفزع، والاحتلال، صاحب ورشة الشيطان، ما زال يُعيد إنتاج الموت، بكلّ صوره، على حياتنا، وهذا ما شكّل لُحْمة سنواتنا، ودفعها إلى مساراتٍ إكْراهية، وطَبَعها بظلاله الثقيلة السوداء. لهذا؛ من المفيد أنْ نؤرّخ لكلّ ما مرّ بنا من أحداث، بهدف تأصيل روايتنا، التي مهما كانت شخصيةً ذاتيةً، فإنّها تظلّ سيرةً عامةً؛ لصعوبة فصم الخاص عن العام، وتداخلهما في وضعنا الفلسطيني، وحتى لا تظلّ ذاكرتنا عُرْضةً للفناء والعذريّة والعدم، ولأن المعاناة بصمتٍ تُعمّقها، وعلى العالَم أن يعرف!
وأستطيع القول؛ إننا بين يدي كتاب هو سيرة مكتملة بعناصرها، التي امتدت خمسين سنة. وإذا كان الكاتب على سريره، يحكي.. فإنه سيبرأ، وسيحيا نصّهُ الجميل.. خلودا.
ونصل إلى المصارحة الثالثة، وهي بعنوان "مع قاتيل" وهي على وزن قابيل. وقاتيل نحتٌ اجترحه الكاتب من كلمتيْ قاتل وقتيل. وهنا يتألّق السرد، أيضا، بتفاصيله، ليكشف عملية التحقيق بين السجين والسجان (القاتل والقتيل)، ولتظهر خفايا نفسيّة وجسدية وفكرية وسياسية، ربّما لم تخطر على بال أحد من الأسرى! إذ يشرح ما معنى أن تكون سجينا تحت الشرط السّاديّ وفظاعاته وترّهاته..وكأننا أمام محكمة مفتوحة لمشهد مساءلة السجّان الفاشيّ، بكيفيّة غير مسبوقة، ولنعرف أورام السجّان، ونلحظ إحساسه بالتفوّق العنصريّ البغيض والموهوم.
وأكرّر؛ لقد انتصر أبو سرور الأسير لأنه كتب بعافية وثقة وامتلاء، أليس القائل "انتظرتُ ثلاثين عاما صادر فيها السجنُ صوتي واستولى على لغتي وأدرجني على قوائم الانتظار وأحرق كلّ الجسورالتي تؤدّي إليّ واحتال على كلّ أصناف الموت كي يُبقي عليّ حيّاً، انتظرت ثلاثين عاما استعدتُ بعد انقضائها أبجديّتي وعانقتُ انتظاري وبنيتُ جسراً من الورق لا يقبل احتراقا ولا يذبل.." حتى أنه، كما يقول؛ "حجزتُ لي زنزانة تطلّ على البحر"!
في تلك الزنزانة، يقدّم ببلاغة وعبقرية ووعي ومسؤولية، مرافعتَه؛ لماذا انخرط بالمقاومة وتصدّى للاحتلال وجنوده. وهنا يبلغ الأمر ذروته الفكرية وحكمته السيّاسية وميزانه الأخلاقي..بلغة شِعريّة أخّاذة تفيض عمقا ومعرفة ولباقة. وأبو سرور يكتب لأنها فلسطين! التي تنبض في أضلاعه وتخفق في عُنقه، لهذا يملأه الأمل، ويزدهر الشِعر في تضاعيف نصّه، ويعلو الكلام، ويتجلّى، ويتمارى بهيبة ورفعة، تليق بالبلاد. وبالكتابة (ينجو الكاتبُ بكبريائه، ويتحقّق وجوده الفرديّ والجَمعيّ.)
ونصل إلى المصارحة الرابعة "مع السجن". ونلاحظ هنا كيف تتداخل الموضوعات والثيمات، في كلّ المصارحات، إذ لا تخلو صفحة من مفردات السجن وأيّامه ومُقابساته. إلا أنّ الكاتب من القليلين الذين اعتقلوا وكتبواوانتبهوا إلى تلك العلاقة المختلّة، على كلّ الصعد، بينه وبين السجّان، وبينه وبين السجن كحيّز مغلق متجهّم وفظّ ومانع وحقير ومُستَلِب..فهو يحلّل ويشرح ويفكّك العلاقة غير السويّة وغير المُدرَكة، وربما المُبهمة، على الكثيرين ممَن اعتقلوا، وربما كتبوا! ففَعل أبو سرور ما لم يفعله غيره من الكتبَة، أصحاب الضجيج والثرثرة واللمعان الموسميّ. لهذا يعتبر أبو سرور من أجمل وأعمق وأنضج ما قرأته لأسير، مثله مثل الرائعين كميل أبو حنيش ووليد دقة..مع أنّ أسماء ساطعة وازنة كتبت باقتدار وفنية لافتة، سبقته، ربّما، من معين بسيسو، مروراً بعائشة عودة، وصولا إلى آخر نصّ لم يُطبع بعد، عداك عمَن كتب أدبا تسجيليا، كالذي كتبه مروان البرغوثي وصولا إلى كتابات أسامة الأشقر..على سبيل المثال.
لقد استطاع أبو سرور، أن يصبح ذاتاً "تخلق وجودا غير التي حوّطتها الجدرانُ والقضبان وترتقي إلى فضاءات ومناخات سامية وتتعالى على فيزيائها التي تكبّلها وتخضعها لكلّ قوّة تجذبها إلى أسفل سحيق وتعلن سيادتها وسلطتها على المكان الذي هو السجن وتطوّعه وتشذّبه وتروّضه.."
باختصار؛إن الكاتب يفرّق بين مَن دخلت القضبان إلى سويداء قلبه فاختنق وانهزم، وبين مَن بقيت القضبان خارجه..فظلّ حرّا، بالمفهوم الوجودي. وأعتقد أنّ الوعي هو العامل الحاسم الذي يُبقي الأسيرعلى مسافة من الظلام والانكسار.
ومن حسن الطالع أن الكاتب يذهب عميقا في افتراع حياة السجن وواقعها الممضّ، وكيف تمّت هندستها، وما هو واجب الوجود للتحرّر منها ومواجهتها، على طريق تخليق آليات أكثر قدرة على النجاة من براثن العتمة وسلوك القطيع، والبقاء في دائرة الفعل والتأثير الحميد.
بعد كلّ ذلك وهذا، أقول بإدراك تام؛ إن الكاتب قد بلغ مبلغ الفيلسوف وارتقى إلى سدّة المفكّر، وحفر له موقعا متقدّما في الصفوف الأولى للمبدعين المميزين. لأن كتابته مختلفة، عميقة، مدهشة، جديدة، متأمّلة إلى حدّ الاختراق، وغير مقيّدة الخيال، مثقّفة عارفة، رائية، دون أن تفقد أناقتها وجزالتها ودلالات مفرداتها الحسّاسة، النائية عن الرّطانة والخطابية والتكرار والتسطيح، أو أثقال الذهنيّة والافتعال.
وقبل نهاية الكتاب، سرعان ما يعود أبو سرور إلى الشِعر! كأنني به يريد أن يروّح عنّا قليلا، ويمنحنا "فورة" نتنفّس خلالها، ونتخفّف من الفجائع، بما يقدّمه من مباهج فكرية تتزيّا بالشِعر وتدوّم في حدائقه. لكنّ القصيدة، هنا، ليست لالتقاط الأنفاس، بقدر ما هي دوّامة سينمائية تركّز على التفاصيل، وتقدّم مشهدا متواصلا جماعيا للحياة داخل المعتقل، بكلّ ندوبه ومفارقاته وأشيائه ومكوّناته وأحلامه الصعبة..والأجمل أننا نقرأ شِعراً شهيّاً كامل الأركان.
ونختتم مع المصارحة الخامسة "مع وطن". وهي شعرٌ أيضاً! كأنه وقبل أن ينهي الصفحات معنا، يقف ليقرأ علينا القصيد، فربّما ظنّ أنّ للشِعر نفاذا، وهو أكثر تكثيفا، ما يمنحه الجلالة والتأثير والميزة العالية، وأنّ المجاز يفعل ما لا يفعله البحث والشرح والتقرير. وأظنّه، هنا، يغنّي، وهو يطارح الشِعر ببراعة، ما يعني أن غناءه لبلاده هو دليل على روح الجموح المُعافاة، وعلى أن الزمن هو زمن المدّ والصعود والمقاومة، لأن الغناء والإيقاع هما ابنا لحظة المجابهة والألق والمجد.
لقد انتصر أبو سرور، وأحسب أن سنوات السجن لم تتجرّأ عليه.
