googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5799732929758736'/>

قراءة في: " شجر يرتدي العاصفة "

 

عنوان لمختارات شعرية أنشأها د. نزار بريك هنيدي الذي آثر أن يبلغنا منذ البداية بيانا واضحا وصريحا أن له منهجا إبداعيا في الشكل والمضمون.. اعتمد بالأساس على الأوزان العربية التي زادت المعنى توسعة وتأكيدا يتلقفه الإيقاع الصّوتي بتفعيلات معلومة قد تضمّنت حتّى عنوان المجموعة ( فعلن فاعلن فاعلن ) " شجر يرتدي العاصفة " داحضا شكّ التّخلّي عن هذه الوسائط في تشكيل الإبداع الشّعري العربي رغم " تخييل" الصّور وابتكار المجاز والانزياح واستنباط الفكرعلى إيقاع متنوّع بدايته أصل الخبب والخيل والإبل.. ففي القصيد الأول ص 9 (إلى امرئ القيس):
"... كلّ الذي حاولته:
أن أحفظ الجوهر
في تخييل صورة،
وفي
إيقاع صوت.." ثمّ (إلى الشنفرى) ص 10:
"ولي دونكم أهلون:
حرف، ونغمة
ورؤيا، وإحساس،
وما أتخيّل."
وهذا ما سنراه في كامل المجموعة التي تنوّعت محاورها بتضمين تجارب مختلفة طالتها ذاكرة الزمان وجوَّدتْها ملامح الرّاهن المعيش.. فالتقاليد لم تنته والذاكرة من حديد يتفيّأ فيها الإنسان المحارب من أجل كينونته.. متسلّحا بالعلم وجواهر الفكر البشري وتعاقب الحضارات.. حتى وإن تقاطعت فيها المصالح لتسبّب بعض المخاطر والارتباك في العلاقات والتعايش السّلمي.. إنّنا أمام مجموعة شعرية دافعة نحو تأصيل جذور اللغة العربية وقوانينها.. مستلهمة مستقبلا يفيض بالجمال.. داعية للتحليق عاليا في سماء القول والحرية:
" يا أنتَ العارف!
كيف بقيت حبيس البيضة
رغم بسالة كل نوارسك اللغوية
في الطيران؟!. " ص 40
ولعلّ الأقرب من كل هذا، التصريح بالحبّ الذي يتخطّى عتبات الألم ويتجاوز الحرمان وينتفي من القناعة الرافضة له، كسبب مباشر للنبض والحياة.. لا ينفع ولا يجدي من يرى عكس هذا.. فلا قبول بعد اليوم بأرض لا يتقاسم أهلها الحبّ المقدّس.. هذا القرين الحتمي منذ الأزمان الخالية المكوّن لعظمة المجتمعات حيث ترفل السّعادة ويتمّ الفكاك من التّطاحن واستغلال الذّات البشريّة الحرّة المجبولة على الخير :
"فالحبّ دوما
كان إبريقا من البهجة
مملوءا
لديه
ليس يأسا
أو ندم
ليس شكوى من ألم...." ص 15+16
فكانت لدى الشّاعر كلّ الخطوات ممتلئة بما طرحته فلسفات الوجود وانتهى إليه التّفكير في الزمن المُحدث والقِدم.. وتحرّك بوعي تام منه في دنيا الجمال لينسج كل التفاصيل نقلا ووصفا واستحداثا.. مستمتعا بأجراس صوتية وإيقاعية تؤسس لحركة تأطير للصّورة لا يكلّ فاعلها ولا يتعب متلقيها..
" هبطت كلماتك من شفق المعراج،
ونامت
بين البلور الملقى
في قبو ألحان." ص 25
ويستثمر الشاعر الغربة كحِمل اجتماعي وحضاري بأن صنع له سجّادا يرمي عليه جذوة القلق ( ص 99) وهي سجّادة الأيّام التي:
" تحدَّتْ غربتي بالصّمت
واتّكأت
على قضبان نافذتي،
لتحرس ضحكتي
وتصون لغتي،
وترقب عودتي
في موكب من نرجس
يختال
بين خمائل الألق .." ص (99)
إنّ التّعلّق باتساع الكون والنّظر إلى السّماء قادح لا يحيد عن مبادئ التأمّل والتّفكير فهي التي:
كانت تفيض عليّ أسرارا
وسحرا
حين أفرش تحتها قلبي
ومنذ رحلت عنها
سمّرت أوصالها
في صفحة الأفق." ص100+101
لكن هل يدوم الفيض إن تُركت خصلة للتأمّل والنظر إلى هذا الاتساع الكوني وما يشمله من تغيّرات وحركة؟ إنّ "سجّادة الأيّام" -القصيدة المطوّلة - لا تخفي عالمها السّيري – أو السيرة ذاتيّة.. تمكّن فيها التّفصيل في سداها وتحلّت ببروق أحداث شديدة الوميض وحفرت نقوشا على رخام الذّاكرة:
" أرمي جذوة القلق
فهل تبقى لنا الأيّام
متّسعا
سوى الورق..؟!" (ص 106)
لقد دفع بنا القصيد نحو تقبّل نتائج النّقل والوصف لما يدور حول الشّاعر خلال الليل والنّهار .. لتتجلّى عنده الحكمة والتّوسّل لنظام إنسانيّ عادل يترجم الحرّية ويجزي العدل.. وصولا إلى مرحلة دفع المتلقّي نحو فكرة الاقتداء بالشاعر الذي أسّس بروحه المبدعة علاماتٍ لفكّ العزلة والتّنصّل من الحروب وأشكال الإبادة.. إلى مرحلة أخرى تمكّن الشاعر نزار بريك هنيدي من تفعيل أسلوب بلاغي يُقنع المتلقّي للقبول بآرائه المبثوثة هنا وهناك داخل مدائن ومنازل مجموعة " شجر يرتدي العاصفة".. فنستجيب لنداء المعنى مرّات متكرّرة وندخل عن طواعية كقرّاء في خصوصيّة واعية لمتابعة ومراقبة كل ما يحدث من حولنا لنعيد فيه النظر .. ونمتلئ بجماله دافعين عنّا التلقّي السلبي متسلّحين بالسؤال للمسك بإجابات ونتائج منثورة هنا وهناك.. وكأن الشاعر نزار بريك الهنيدي يزجّ بنا في مساحات عشق لا تضيق وفضاءات سحر لا تحيد..
" سقط الياقوت على أهدابهما
فتفجّر ينبوع الرؤيا
وانهالت هالات النور القدسيّ
على الأشياء
فراحت تسبح في الألق الفتّان!.
هطلت أمطار من ضوء بين الأضلاع
فشعشع قلب العاشق
وانسكبت أحواض الورد...." ص 33
فكيف يكون الحبّ؟ وكيف يكون الوجود؟ وكيف يكون العشق؟ لو لا تدخّل الشعراء الملهمين، الحاملين للواء المعرفة والحكمة والحالمين بواقع لا تتكلّس فيه الهمم ولا تتجمّد فيه المعاني إنّما هي ما تستوفيه عادة بقولة سقراط الشهيرة:" إعرف نفسك!".. وكأنّ الوقت يداهمنا ولم نغنم بنعيم الحرف ومعناه ودفء اللّحن ومغناه فكان
" شجر يرتدي العاصفة" حيث يفتح السّتار عن نداءات متكرّرة وتساؤلات متوسّلة :
نجمة تقتفي أثر البرق
أضرمت النّار في قبّة الليل
حتّى تناثر منها الشرر.!
صوت ناي
تغلغل في جسد الغيم
حتّى اعتراه المطر.!
أقحوان نما في الجليد
فذاب الحجر.!
شفة ألقمت نفسها
لخيال الحبيب الذي
غاب في يأسه
فحضر.!......" ص59
" شجر يرتدي العاصفة" معمار لقصيدة يتجدّد في علوّ متجانس في إيقاع موسيقي متواتر يكاد لا يغيب في غنائيّة نهريّة طورا .. وسيلان سريع تارة أخرى. فتطفح المعاني متلاطمة في موج بحري متسع مداه.. حتّى نعيد تشكيل الموجود من حولنا ونسلّط الأضواء على التفاصيل المؤثّثة لفصول حياتنا.. إنّنا بصدد الكشف عن شاعر استلهم رصيدا محترما من كنوز المعارف في الحضارة والفن والفلسفة والبيان..
" قلتِ: سافِرْ
فسافرتُ حتى محوت المرافئ.
قلتِ: اقرأ
فكنت لعينيك أبرعَ قارئ.
قلتِ: عُد
وكنتُ رميتُ ورائي
جميع حبال الطّوارئ." ص 66
ولا وقت للشاعر نزار بريك هنيدي أمامه إلا لتجاوز كل الأحزان وتسكّع الرّوح ليسقيها بشهد الحبّ ويقين الجمال.. مصرّا على تفعيل التّفلسف في غاية أشعاره ليولّد لنا منها طاقة بنّاءة لا تبقي إلاّ الخلايا الحيّة النابضة بالحبّ..
"يا أيها الطفل الذي
مازال يقبع داخلي
ليشير لي،
في كلّ منعطف،
إلى درب النّجاة.
لا وقتَ بعد الآن،
إلاّ للحياة.
لا وقتَ إلاّ ..
للحياة.!" ص 132
وعلى سبيل الخاتمة، ورغم ما برز لنا من تمكن أدائي في استعمال اللغة العربية في قالب شعريّ جليّ لا تغيب عنه خصوصيّة الرّقة وجمالية المبنى واتباع للمغنى إلا أنّنا لاحظنا لدا شاعرنا نزار بريك هنيدي بذورا سرديّة غير خافية على المتلقّي توزّعت في عدّة نصوص من مجموعته " شجر يرتدي العاصفة" وهنا تتحرّك نبرة قصصيّة مركّزة في جسم شعري مكتمل تحيلنا على شخصيّة " الشاعر" في المجداف ص 107 حيث نلمس انطلاقة السّرد والحكي داعما أسس الشّعرية في كامل المعنى المروي:
" لا يترك المجداف
عيناه على الأفق البعيد
وقلبه يتصيّد الأقمار
حين تطلّ من شرفاتها
مفتونةً
بالزورق المحمول
فوق مناكب الأمواج
في عرس الرّحيل......" ص 107 مشوّقا إيّانا للتّعرف على نهاية صاحب المجداف.
إنها المغامرة العذبة التي يخوضها الشاعر نزار بريك هنيدي في الكون الشعري المنفتح على سائر الأساليب الأدبية متمسّكا بلغة عربيّة لا تنكر ثابتها ولا تترك ثراءها وتجلّ إمكانيّة توليدها ونحت مفرداتها لتحقيق جمالها المتعارف عليه وبلاغتها المدهشة..
"شجر يرتدي العاصفة" مجموعة ملهمة للشعراء ومحفّزة للنقّاد للنظر في رسائل إنسانيّة واضحة وفي طرق فنّية لا تغيب عن المجدّدين والحداثيين المناصرين لضرورة التطور..
بقلم محمد بن جماعة
شاعر وإعلامي / تونس

إرسال تعليق

أحدث أقدم