تنشطر النظريّة الجماليّة في مفهومها الفلسفيّ العام على نظريّات كثيرة؛ تتوالد وتتعدّد وتتنوّع من حيث الزمن والمكان بشكل لافت، وتتدخّل شبكة هائلة من المفاهيم والمصطلحات أرض النظريات وهي تعمل ضمن آفاق مختلفة، استجابة للمنطق النظريّ والممارسة الإجرائيّة لكلّ نظريّة من هذه النظريات، وإذا ما حاولنا مقاربة أهمّ هذه المفاهيم والمصطلحات داخل دائرة انفتاح المفهوم واكتناز الدلالة؛ فقد نذهب نحو وضع خريطة مدوّرة تناقش ذلك، وتعاين الشبكة بعيداً عن فكرة التسلسل أو التراتب أو التعاقب "المنطقيّ" بين المصطلحات والمفاهيم، كي نضعها داخل دائرة مفاهيميّة مغايرة أخرى تجعل كلّ مفهوم نتناوله هو الأوّل؛ وفي الوقت نفسه هو الآخر، ضمن حراك دائريّ مفاهيميّ يمنح الخريطة الجماليّة بعدها الحيويّ المتكامل القابل للقراءة من الاتجاهات جميعاً.
فإذا ما تناولنا مفهوم "التذوّق الجماليّ" فإنّنا نذهب نحو استنهاض أعلى القدرات الذوقيّة لإدراك سبل التمتّع بمباهج الجمال، والوقوف على ما يترشّح من قيم جماليّة تكتشفها الذائقة؛ حين تمرّ بحريّة ورشاقة ومسؤوليّة ومعرفة بين مناطق الكشف الجماليّ، لأجل إشباع هذه الذائقة وتحويلها من مجرّد تفاعل أوليّ إلى اكتناه المعنى الجماليّ، ثمّ الحصول على كنز المعنى الجماليّ ابتداءً من مفرداته البسيطة الدنيا؛ إلى مفرداته الأكثر تعقيداً وأكثر عمقاً وكثافةً ورؤيةً ورؤيا، ولا يمكن أن يحصل هذا إلّا عن طريق استيعاب فضاء "التجربة الجماليّة"؛ والخوض في محطّاتها الصغرى والكبرى وتفكيك معطياتها وإدراك حدودها، والتقاط ما اكتسبته من إضافات جماليّة على السائد والمألوف والمتعارَف عليه "الجماليّ"، بما يؤهّلها للحصول على دلالة "التجربة" التي إذا ما أضيفت إلى "الجماليّة"؛ فإنّها تستكمل صورة المفهوم وتعنيه على نحو مطلق وأصيل، يرفع من شأن التذوّق الجماليّ إلى أعلى الدرجات.
يحظى مفهوم "الخبرة الجماليّة" بأهميّة بالغة تستدعي كثيراً من العمل والجهد والقراءة والتفاعل لاستحصالها وتكوينها، وهي شديدة الضرورة إلى الدرجة التي لا يمكن فيها مقاربة أيّ موضوع جماليّ من دونها، بوصفها المرجع المعرفيّ الذي يستلهم منه المشتغل في حقل الجمال الخطوات الصحيحة للحراك الاستكشافيّ الجماليّ، لأنّ هذه الخبرة تحمل بين طيّاتها "القيمة الجماليّة" التي تمثّل جوهر الفاعليّة الأسلوبيّة للكشف الجماليّ، على النحو الذي يمثّل "الميزة الجماليّة" الخاصّة القادرة على بناء "العلامة الجماليّة"؛ في سياق تمثيل "الطبيعة الجماليّة" بكينونتها الرحبة والواسعة القادرة على احتواء الأصول، بما يجعل الخبرة أساساً إجرائيّاً لا يمكن للفاعل الجماليّ تحقيق أيّة نتائج مهمّة بعيداً عن كمال تشكّلها، فضلاً عن علاقتها المثلى بالممكنات المتعلّقة بالقيمة والميزة والطبيعة واشتباكها المفهوميّ على هذا النحو.
تتبدّى النظرية الجماليّة أساساً في ضوء المعادلة الكبرى الخاصّة بزمنيّة الجمال ومكانيّته، فلا وجود للنظريّة بلا سند زمنيّ وسند مكانيّ قائمين على فضاء معرفيّ؛ يسمح باكتساب ملامح "الظاهرة الجماليّة" وتفعيل أدواتها داخل حقل النظريّة، عن طرق حيويّة "الأداء الجماليّ" وسبله الحركيّة الميدانيّة، بما يمتلكه هذا الأداء من رشاقة وانسيابيّة وديناميّة وحراك فاعل ومنتِج، وذلك عن طريق استثمار مكنونات "الحسّ الجماليّ" بطبقاته كلّها؛ ونقله من عتبة الملاحظة العامّة إلى ميدان التأصيل الفكريّ والعبور نحو فضاء التنظير، ويأتي هنا دور "الرحابة الجماليّة" على مستوى التفكير والرؤية والانفتاح وقبول الآخر وحريّة التفاهم والتسامح، بما يقود عمليّاً إلى بناء "الشكل الجماليّ" القادر على تشكيل ملامح الهويّة؛ والسير بها نحو مسارات التعريف والتحديد وفرض صورة الحضور.تسهم هذه العمليّات الجماليّة كلّها في صناعة "الموقف الجماليّ" الحامل دائماً لمثابات تحيل على قدر من "الإثارة الجماليّة"، التي من دونها يكفّ الموقف عن الظهور بمظهر الجماليّ مهما تكثّفت حوله الموضوعات الجماليّة التقليديّة، وقد تتطوّر بنية الإثارة الجماليّة كي تبلغ أعلى مراحلها نحو الوصول إلى "المفاجأة الجماليّة"، وهي مرحلة أصيلة وحيويّة من مراحل تأليف النظريّة الجماليّة بشكلها الجامع والمانع.
يمكن النظر إلى مفهوم "المنظور الجماليّ" بوصفه أداة واسعة وفعّالة ورحبة؛ للتعامل مع أيّ شيء في الحياة لتشكيل موضوع محتمَل للحكم الجماليّ، ولا بدّ من بلوغ هذه الأداة مرحلة من التكامل والصيرورة الأدائيّة؛ ما يجعلها قادرة على أن تحقّق مقاصدها على وفق مسارات صحيحة ومناسبة وضروريّة، تجمع بين الأسباب والنتائج بصورة منطقيّة ذات قوّة حجاج عالية؛ تكتسب شرعيّتها من قدرتها النافذة على الإقناع والتحقّق.
تنتهي النظرية الجماليّة بعد تكوّنها وتبلور معطياتها إلى تعيين "الوظيفة الجماليّة" التي لا بدّ منها، كي تكون لهذه النظريّة شرعيّة وجود وتأثير في الحياة، وداخل هذه الوظيفة تبرز فكرة "المقصد الجماليّ" بوصفه الموجّه الأعلى القادر على حمل الأطروحة الجماليّة، والسير بها داخل فضاء الانتشار الموضوعيّ والقيميّ والعلاميّ ضمن خريطة الموضوع الجماليّ، والسعي الحثيث إلى بلوغ تخوم "التلقّي الجماليّ" حيث تحصل البرهنة على الفروض النظريّة الأوّليّة، بما يضمن أبلغ قدر من التوافق بين عتبة المقاصد وعتبة البراهين، ولا يحصل هذا إلّا في ظلّ ما يمكن أن نصطلح عليه "النزاهة الجماليّة"، التي ترافق تحوّلات "الممارسة الجماليّة" وتحافظ على صحّة العمليّات الجماليّة الهادفة إلى إنتاج فكرة الجمال.
تنجح النظريّة في تكوين "المجال الجماليّ" القادر على عكس تصوّرات النظريّة؛ وما يمكن أن توفّره من مساحات عمل لـ "السياق الجماليّ" و"النسق الجماليّ" حتّى تتمظهر الرؤية على أكمل وجه، وتتّضح ما تؤول إليه السياقات والأنساق وصولاً إلى "المعرفة الجماليّة" التي تتحوّل إلى فضاء معرفيّ فلسفيّ؛ يكون قادراً على تمثيل الظواهر ورصد تحوّلاتها، بما يجعلها جاهزة لاستقبال جهود القراءة بوساطة "التأويل الجماليّ" الخاصّ بهذا النوع المميّز والاستثنائيّ من المعرفة، وتفكيك وسائل "التعبير الجماليّ" وتحليل محمولاتها السيميائيّة على وفق منظور الخصوصيّة الجماليّة النوعيّة، بما يؤسّس نُظُم الثقافة الجماليّة التي تقود إلى صوغ فضاء التقاليد الجماليّة؛ وهي تعكس آفاق النظريّة الجماليّة بين انفتاح المفهوم على مجمل الظواهر، واكتناز العلامة في جوهرها السيميائيّ المشحون بعمق المعنى وقيمته وبلاغة أدائه.
___
جريدة الصباح/
