googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5799732929758736'/>

قراءة في رواية ثقل الريشة للروائية تبارك ياسين: طيف الصورة المعلقة

 

تحفر رواية "ثقل الريشة" للروائية والفنانة التشكيلية تبارك ياسين في طبقات منسية من الرغبة، الإحساس بالذنب، ونبذ المجتمع. وتنهض على شبكة رمزية محكمة تلتقي فيها ثنائيات الوجود الكبرى، الطهارة مقابل القذارة، الإقصاء والقبول، والصمت بوصفه لغة بديلة.

يفتتح النص فضاءه بـ "أمل" واقفةً عند قبر والدتها بعد خمس سنوات من الفقد، مسترجعةً ذكرى قصّ شعرها العنيف. ومن هذا الأثر النفسي، يرتدّ السرد إلى ليلة الاحتضار والموت ذاتها. بمعنى أن القارئ يُمنح النتيجة النفسية والسلوكية أولًا، ثم يُقاد تدريجيًا لفهم المسببات. وكي ينجح هذا البناء الشائك، عمدت الكاتبة إلى نسج خيوط تماثل وتطابق شديدة الحساسية والدقة تمنع تشتت القارئ وسط القفزات الزمنية، كصورة الأب موسى، والاسم "أمل"، ورمزية الشَعَر.

تلجأ الروائية إلى ترميز القمامة لتفكيك زيف المجتمع. حيث تتجلى رؤية "موسى" -والد أمل جامع الخردة- للقمامة باعتبارها الكائن الوحيد الذي لا يكذب. وهي الأثر العاري المتبقي من خلف الجدران؛ تفضح التفاوت الطبقي، من يأكل حدّ التخمة ومن ينام جائعاً، وتكشف زيف الهويات التي يتباهى بها البشر في وضح النهار. يجمع موسى الخردة والنفايات ليتكسّب، لكنه يمنحها فرصة أخرى، ويعيد إليها كرامتها التي سلبها البشر منها. إن فلسفته تقوم على أن "الوسخ الظاهري ليس عيباً؛ العيب الأكبر أن تكون نظيفاً من الخارج وقذراً من الداخل".

تنقسم طفولة أمل وجسدها بين عالمين متناحرين: عالم الأم (هيام) المعقّم بالكلور والمنظفات—وهي نظافة باردة وميتة وتشي برعب داخلي وجنون هستيري—وعالم الأب (موسى) الملطّخ بغبار الشوارع ورائحة العرق والتبغ، والذي تراه أمل رائحة الحياة والصدق الإنساني.

تعتمد الرواية تقنية سردية متميزة عبر صوت "الراوي الميت" أو "طيف الصورة المعلقة". تطلّ "هيام" من خلف زجاج إطارها الخشبي فوق المدفأة لتشارك في التعليق على مصائر الشخوص؛ حيث يمثل الزجاج البرزخ الفاصل بين عالم الأحياء (أمل وموسى ونوح في ذاكرتهما) وعالم الموتى. هذا الزجاج، الذي يتراوح بين كونه متسخاً ويعلوه الغبار في البداية، وكونه نظيفاً حدّ القسوة بعد تنظيف أمل له، يعكس تبدل حالة الوعي والعاطفة.

يفيض مونولوج هيام بمرارة الاعتراف بالخطأ. لقد أدركت متأخرة أن هوسها بالنظافة لم يكن سوى وسيلة لمحو العار والخوف اللذين ينهشان أعماقها. تتماهى هيام مع موسى في نهاية المطاف؛ فكلاهما كان يجمع القمامة بطريقته: موسى يجمع أشياء الناس المادية ليعيد إليها نبضها، وهيام تمسح الأرضيات مراراً في محاولة يائسة لمسح شتات نفسها الممزقة.

تتمحور العقدة النفسية للشخوص حول مأساة "نوح" الغائب-الحاضر، الذي يمثل نقطة التقاطع المأساوية بين الشقيقين (موسى ونوح) والمرأة (هيام). يتكشف سرّ كراهية هيام لابنتها أمل من خلال دفتر اعترافات هيام. أمل في عيني أمها كانت تجسيداً حياً لملامح "نوح" (حبيبها الراحل وشقيق زوجها). لقد كانت أمل "وجه حتفها وموتها وحسابها المؤجل"، والامتداد الصارخ لخطيئة العشق والغياب.

يمثل موسى شخصية تراجيدية بامتياز؛ الرجل العاقر الذي يقبل بالزواج من امرأة تحمل طفل شقيقه المتوفى، قبول بدافع الأنانية الخفية والرغبة في "ألا يكون وحيداً". يقبل موسى بدور "الظلّ الممسوح لآخر يستوطن قلب زوجته"، محوّلاً قسوتها وجحودها إلى وقود لغفرانه اللامحدود، ومتبنياً أمل بفيض من الأبوة الروحية الصادقة التي تفوقت على أبوة الدم.

يظهر نوح في الواقع وفي الحلم كصوت يمثل الاصطدام بقوانين المجتمع. إنه يجلد شقيقه موسى بكلمات العار والخزي، لكنه يظهر في منام موسى بقميص "أبيض ناصع ملوث بالكامل بتراب الأرض"، في تكثيف رمزي يجمع بين عالمي الأخوين: النظافة القسرية والاتساخ بحقائق الحياة العارية.

يمثّل صالون التجميل نموذجا مصغّرا للمجتمع، داخل هذا الحيز المحدود، تتقاطع العلاقات؛ حيث تتبادل النساء النميمة بوصفها "وسيلتهنّ الوحيدة للتطهّر". ومن خلال التقابل الحاد بين صخب مالكة الصالون "سعاد" ذات اللسان الجريء والقلب النقي، والبرودة المتصنعة للزبونة الثرية "رشا" التي تكشف النظافة البراقة لجسدها عن وسخ خفيّ في روحها، يمهد النص لشبكة الأفكار التي ستنمو لاحقًا حول مفهوم النظافة الزائفة والقذارة الصادقة. 

تتجاوز الروائح في الرواية دورها التجميلي، لتصبح حدًا طبقيًا واجتماعيًا فاصلًا. يبدأ هذا من شكوى مدام رشا في الصالون: "بشرتي حساسة وتتحسّس سريعًا من العطور الرخيصة"، حيث تظهر الرائحة كأداة تمييز واستعلاء جسدي. غير أن السرد يقلب هذه المعادلة رأسًا على عقب بأثر رجعي في الفصول اللاحقة؛ إذ تعترف هيام الميتة بمرارة: "رائحة موسى -العرق، التبغ الرخيص، أكياس القمامة- كانت بالنسبة لروح [أمل] الصغيرة تعني المأوى والدفء، بينما رائحتي أنا، نظافتي الباردة، كانت لا تشبه الدفء في شيء."

بينما يمثل المخزن المعادل الأقوى لموضوعة النبذ. المخزن إضافة لكونه مستودعًا، هو ملاذ الأشياء والأشخاص المهمّشين الذين يبحثون عن استحقاق جديد للبقاء. فيه يتداخل الجسدي والمادي بالرمزي، فتنظر أمل إلى الساعة المعطوبة والدمية المكسورة وتطرح السؤال الأكثر مواجهة ومرارة: "وأنا؟ هل أنا أيضًا شيء مكسور؟"

يظهر مقص الشعر كأداة إخضاع وعقاب تُقص به خصلات أمل الصغيرة بقسوة لاهبة. ولاحقًا في فصل "حين تفسد الوردة"، يعود المقص كأداة للعمل والانتاج في صالون سعاد. لكن ذروته الدلالية تكتمل حين تمسكه أمل البالغة لتقص شعرها بملء إرادتها، مرددة عبارة عميقة تشخّص تحرّرها: "كل شعرة تقصّها تشعر أنها تقتطع جزءًا من الكذبة."

الفعل الجسدي نفسه ينتقل هنا من رضوخ الضحية إلى إرادة السيطرة، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن أمل لم تتحرر كليًا من إرث أمها بقدر ما استعارت آلياتها لتعيد توجيهها نحو الذات. 

هذا التحول القيمي يعيد ترتيب الدلالات: فالنظافة المعقمة بالكلور تصبح رمزًا للبرود الإنساني والموت العاطفي، بينما تصبح روائح الفوضى والخردة مرادفًا لتدفق الحياة وقبول الآخر. تتحالف أمل وموسى في النهاية لتنظيف السقف ونفض غبار الموت وفتح النوافذ المغلقة بهستيريا مقدسة. هذا التنظيف كان طقساً جنائزياً لتوديع الماضي واستقبال الضوء الفضي وللهواء البارد، معلناً انكسار اللعنة المتوارثة وولادة الحاضر من رحم القمامة والرماد.

تتحول أمل من طفلة خائفة ومضطهدة نفسياً إلى امرأة صلبة ممرضة تخرج من تحت الرماد. هذا التحول المهني (التمريض) يمثل معادلاً موضوعياً ذكياً؛ فالتمريض هو تطهير للجروح الحقيقية والآلام العارية بالحب والطب، في مواجهة مباشرة لـتطهير أمها المزيّف والوسواسي بالكلور والصابون.

نجحت الرواية في صياغة دراما عالية، مستخدمةً القمامة والكلور كشفرات رمزية للصراع بين الحقيقة العارية والزيف المعقم. وتمكنت من جعل "الصورة المعلقة على الحائط" شخصية ديناميكية تؤثر وتتأثر، مما أضفى على النص طابعاً فانتازياً واقعياً يعزز من عمق المأساة الإنسانية المطروحة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم