googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5799732929758736'/> -->

المجنون والمدينة "حسين نخله"


يقولون أن لكل مخيم مجنونه، ولكل قرية مجنونها ، ولكل مدينةٍ مجنونها.
في رام الله، كل ما يعرفونه عنه أنه رجل هائم على وجهه، بملابس رثة وحذاء بالي اكبر من مقاس قدميه، وعينين زائغتين شاردتين، وخطوات سريعة ، وشعرٍ منفوش كأعشاب نبتت فوق خراب.
يبدأ مشواره منطلقا من بيته في مدينة البيرة - هذه المدينة الممتزجة بمدينة رام الله لتشكلا مدينة واحدة - ماراً من أمام مطعم سامر عابراً شارع النهضة، مرورا بدوار المنارة وصولاً إلى رام الله التحتا، كأن المدينة ربطته بخيطٍ خفيّ لا يستطيع الإفلات منه.
بعضهم قالوا أنه مجنون.
وبعضهم قالوا أن عقله احترق في الإنتفاضة الأولى،
وآخرون قالوا أنه كان يوماً شخصاً متعلماً قبل أن تسحقه الحياة.
لكن الأطفال فقط كانوا يراقبونه بصدق ويرثون لحاله،
لأن الأطفال يشعرون دائماً أن المجانين يخفون حكاياتٍ لا يفهمها الكبار.
يمشي بسرعة من أمام المحلات والمقاهي ملوحاً بذراعه اليمنى في الهواء بشكل دائري كأنه يضرب أشباحاً لا يراها إلا هو ، بينما حركة الشوارع كما كل يوم ، أصوات الباعة وأبواق السيارات ، وخليط من الناس الذاهبين إلى هدف أو لا هدف، والموظفون الراكضون نحو أعمالهم بعيون نصف مفتوحة ووجوهٍ نصف نائمة.
كان هو العين الماسحة لكل هذا المشهد. وغالبا ما كان يصرخ بصوت مرتفع:
— كلهم مستعجلون .. لوين رايحين يا ناس ..
ثم يضحك ضحكة محشرجة تشبه باباً صدئاً يُفتح داخل بيتٍ مهجور.
عند دوار المنارة، كان يقف طويلًا أمام الأسود الحجرية،
يحدّق فيها كأنه ينتظر منها إجابة عن سؤال غامض.
ثم يصرخ: يا ناس، الأسود تعبت من الوقوف والصمت ، أما آن لها أن تزأر وتتحرك.
فيضحك بعض المارة، وينهره الشرطي الذي ينظم حركة السير في مركز المدينة، بينما يشيح آخرون بوجوههم متبرمين ، فالمدينة لا تحب النظر طويلاً إلى الذين سقطوا خارج نظامها.
يتوقف لبرهة أمام مطعم الإقتصاد ، يأخذ شهيقاً عميقاً مشبعا برائحة الفلافل والفول المنبعثة من داخل المطعم ، فمثله لا تستهويه روائح الأكلات الفخمة في المطاعم الراقية .
وفي رام الله التحتا، وفي أزقتها القديمة كانت تستهويه روائح الخبز الطازج الخارج لتوه من الفرن ، هناك كان يتحول إلى شخص آخر، أهدأ وأبطأ، كأن الأماكن القديمة كانت تتعرف عليه، بل تعرفه جيداً.
هناك كان يجلس على درجٍ حجري لمسجدٍ قديم، يراقب الناس بصمتٍ طويل.
هناك فقط، كانت عيناه تبدوان أقل ضياعاً.
في أحد الأيام وبالصدفة، لمحته أمل، طالبة جامعية كانت تدرس علم النفس في الجامعة، وتحضر لكتابة بحثٍ عن المشردين واصحاب الاضطرابات العقلية .
اقتربت منه بحذر.
قالت: مرحباً.
لم يجب.
كان ينظر إلى الأفق متأملاً وكأنه في حالة مخاض لقصيدة.
ثم قال فجأة: هل ترينها؟
ارتبكت :ماذا؟
أشار بحركة من رأسه إلى البنايات العالية التي تمتد في محيط المكان.
قال : المدينة تأكل نفسها.
سكتت الفتاة، ظنت في البداية أنه يهذي، لكنها شعرت أن الجملة أصابت شيئًا خفياً داخلها.
اقتربت منه ، جلست قربه.
: لماذا يسمونك المجنون؟
ابتسم ابتسامة مشبعة بحزن دفين وقال: لأن العاقل في هذه المدينة لا يُحتمل، يعتبرونه خارجا عن قانونهم.
بدأت أمل تلاحقه كل يوم تقريباً، تدوّن كلماته، وأحياناً تصوره من بعيد، وتراقب كيف يتعامل معه الناس.
موظف مسرعٌ يدفعه بعصبية.
فتيات يسخرن منه أمام صديقاتهن. شبان يضحكون على هيئته و يسمعونه كلاماً جارحاً، سيدة ارستقراطية تعطيه شيئاً دون أن تنظر في عينيه.
الكل ينظر إليه كأنه فائض عن الحاجة، لكنه لم يكن يعير اهتماما لكل ذلك.
لكن أمل بدأت تشعر أن الرجل يرى أشياء لا يراها أحد .
في مساءٍ بارد، دعته لٱحتساء كوب من "السحلب" في مقهى الإنشراح في رام الله التحتا.
سألته: هل تتذكر من كنت؟
أشعل سيجارة، أمسكها بين مقدمة إصبعيه السبابة والوسطى ثم امتصها امتصاصا ، وقال: أحياناً.
قالت :ومن كنت؟
صمت طويلًا ثم همس: كنت مؤمن.
سألته : بماذا؟
نظر نحو الشارع المبتل بالمطر ثم قال : بكل شيء.
في تلك الليلة، بدأ يتكلم أكثر عن مدينة تغيّرت، عن وجوه اختفت ، عن أصدقاء تحولوا إلى غرباء.
وتابع : رام الله صارت تشبه رجلا غنيا يخفي مرضه بالعطور، الناس يركضون كثيراً كي لا يسمعوا صوت الخراب داخل عقولهم.. قديماً كانت هذه المدينة أقل لمعاناً لكن أكثر صدقاً.
مع الوقت، بدأت أمل تشعر بالخوف منه ، ليس لأنه مجنون بل لأنه يقول الحقيقة العارية التي يخافها الجميع.
وفي صباح شتوي بارد، اختفى المجنون، لكن هذه المرة لم يعد كما كان يختفي ويعود سابقا.
لم يأبه لغيابه أحد إلا أطفال رام الله التحتا صاروا يراقبون الأزقة منتظرين ظهوره.
وفي عصر يوم ثقيل سقط رجل على رصيف البنك العربي القريب من دوار المنارة، ارتطم رأسه بمؤخرة سيارة كانت تقف هناك، تحلق المارة حوله وكانت أمل بالصدفة من بينهم ، طبيب خرج من عيادته مسرعا بعد أن سمع صراخ الناس ، فحصه ثم .. لقد مات .. صدمة على وجه أمل .. لاحظت طرف دفترصغير بارز من جيب سترته، سحبته قبل أن يحمل الناس الرجل إلى المشفى .
فتحته بيدٍ مرتجفة وعينين دامعتين، كانت صفحاته مليئة بجملٍ مبعثرة ورسوماتٍ غير مفهومة، وكلمات كُتبت كأنها خرجت من عقلٍ في نهاية انهياره.
لكن في الصفحة الأخيرة، وجدت سطراًواضحاً:
لم أضع عقلي، المدينة هي التي أضاعت عقلها، ثم سمّتني مجنوناً.
أغلقت الدفتر ببطء ، تجولت عيناها في المكان، كانت المدينة مزدحمة كعادتها، الأضواء تلمع،
الأغاني تنبعث من المقاهي.
الناس يركضون بلا توقف.
لكن لأول مرة شعرت أن الرجل الهائم في الشوارع كان أكثرهم وعياً وعقلانية.
كتبت في نفس الدفتر : الجنون قمة العقلانية.

إرسال تعليق

أحدث أقدم