سوف يتساءل الناس كثيراً ما هو لغز العلاقة بين قاطع تذاكر في سينما وفنان كوميدي؟ سأتحمّل أسئلة الناس، فهي طبيعية وهم دائما يسألون.
في اللحظة التي رأيته فيها أحسستُ أنّني أمام شخص حزين، رغم المرح الظاهري وأدواره الفكاهية في عشرات الأفلام التي أضحك فيها جمهوره العربي، بعد كلّ عرض لأفلامه في سينما الأمين التي أعمل فيها، يخرج من القاعة ويجلس معي، يبتسم ويتنهّد، ويدخّن ولا يجيب عن أسئلتي، صار هذا الفنان المصري الفكاهي الذي يعشق حيفا صديقي، دعوته بعد عرض فيلمه الاستعراضي الكبير (طاقية الإخفاء) وهو من تمثيل محمد الكحلاوي وتحية كاريوكا، إلى مقهى (رويال بار - في شارع الملوك 58)؛ لنشربَ القهوة حكى لي بشارة كل شيء عن حياته، استمعت إليه باهتمام مستغرباً من حجم الفجوة بين أدواره وحياته الشخصية، لن أحكي لكم ما قاله، سأكتفي بنشر جزء من يوميات أسرّ لي أنّه يكتبها سرّاً، وطلب مني ألّا أُخبرَ أحداً عنها.
(أنا بشارة واكيم، ممثل فكاهي مصري، تخرّجت في مدرسة الحقوق بالقاهرة، تنقّلت بين فرق مسرحية كثيرة، آخرها فرقة جورج أبيض وفرقة رمسيس، وصلت إلى حيفا صباح هذا اليوم رفقة طاقم فيلم (طاقية الإخفاء)، نزلنا في فندق فكتوريا، أُحبّ حيفا جداً، أحبّ ذوق جمهورها، لديّ هنا معجبون كُثر، في زيارة سابقة أوقفتني سيّدة حيفاوية في الشارع، عانقتني باكية وهي تقول: يا سيد بشارة، يا أخي، أنت تخرجني من كآبتي، كن هنا دائماً، حيفا تحبّك.
أحبُّ بلاد الشام عموماً، فقد سافرت إليها رفقة والدي وأنا طفل، كان أبي تاجراً ثرياً يتنقّل بين الدول، ما يعرفه الناس عنّي أنني فنّان يتقن إضحاك الناس، ما لا يعرفونه أنّني وحيدٌ جداً جداً، ولا أنام الليل معظم الليالي، كابوسي الدائم هو أن أمرض وأموت وحيداً في بلاد غير بلادي، وأن أنظر حولي فلا أجد أحداً يعتني بي، راجعتُ أطباء كثيرين، أخذتُ بعض الأدوية، لكن الكابوس يذهب ويجيء، ما زلت أعاني، والمفجع أنّ هناك أسباباً أخرى لأرقي الليلي وكوابيسي، وأظنّ أن هذا ما يعطّل مفعول الدواء، وهذا شيء أتحدّث عنه هنا لأول مرّة، هناك كابوس في حياتي على شكل رجل اسمه محمد الكحلاوي، نعم هو بعينه، المطرب المصري المشهور الذي يحبّه الآلاف، وهو الذي شاركني في كثير من الأفلام، ومنها هذا الفيلم الذي جئنا؛ لنحضر افتتاحية عرضه في حيفا، لن استطيع أن أقول
لكم إن هذا الرجل سيئ، وإنه شيطان، فالموضوع شخصي جداً، سأدخل في الكابوس مباشرة، أنا أعبد تحية كاريوكا، زميلتي في العمل وبطلة معظم أفلامي، وأفلامي معها أجمل أعمالي، أعترف بذلك، الآن، وأنا أرتعش من قدمي حتى آخر شعرة في رأسي، أفكّر فيها ليل نهار، وأتمنّى أن أعيش معها في أي مكان، المهم أن أصحو صباحاً وأجدها قربي، لكنها لا تبادلني الشعور ذاته، تقول لي: أنت تضحكني يا بشارة، وأنا أحبّك جداً؛ لأنك تضحكني وتخفّف عني تعب الشغل، واضح جدا أنّها تميل عاطفياً لكابوسي محمد كحلاوي، لم يحدث مرّة وأن لمست كتفي، حتى ولو عن غير قصد، أما كتف محمد فهي تتّكئ عليه أثناء الوقوف أو الجلوس، ومرّات كثيرة رأيتهما يتوشوشان في زوايا الفندق ويضحكان، ماذا يعني هذا؟ وأسوأ ما حدث، وفي زيارة سابقة ليافا، رأيتهما يخرجان من (فندق الكونتننتال) القريب من شارع إسكندر عوض، مشيت خلفهما، نعم، قتلني الفضول، أردت أن أعرف أين ذهبا ولماذا لم يصطحباني معهما، دخلا (مقهى المدفع) الواقع على ناصية الشارع الذي يؤدي إلى الميناء، دخلت، كان المعجبون يتحلّقون حولهما، وقفتُ قليلاً أراقبهما من خارج المقهى، فوجئت بمعجبين ينادون عليّ: أستاذ بشارة، أستاذ بشارة. هربتُ سريعاً وعدتُ إلى الفندق أغلي من الغيرة).
أكتب هذه اليوميات وأنا بغرفتي في فندق فكتوريا بحيفا، لي صديق واحد هنا أثق به، هو محمد، من أصول مصرية وهو قاطع تذاكر السينما التي سوف تعرض فيلمنا، شخص جذّاب ومثقّف جداً، ويتكلّم عدة لغات، سأسلّمه يومياتي كلها وهذه اليومية هي آخرها، لن أكتب بعد اليوم، إذ ما جدوى أن أكتب؟ بعد غد نعود إلى القاهرة، سأترك اليوميات مع محمد، سأطلب منه أن ينشرها فقط بعد وفاتي).
أحزنني جداً كابوس صديقي بشارة، شعرتُ بالعجز، عن مساعدته، فكّرت طويلاً، كيف يمكن، أن أخفّف عنه، فكّرت بطريقة مجنونة، كنت أريد أن أعرف مشاعر تحية كاريوكا من بشارة، سمعتها مرّة تقول لصاحب الفندق، إنها تكتب يومياتها بانتظام، في الليل العميق كنت مجنوناً أبرم مع ابن عمي خالد أحد عمّال الفندق صفقة يعطيني فيها المفتاح الإضافي لغرفة تحيّة، وأعطيه عشرة جنيهات.
بعد منتصف الليل، كانت تحية تسهر في (بار ومقهى كوكب الصباح) في شارع الملوك، وكنتُ أنا اقرأ آخر يومياتها:
(كم أحبّه، كم أعبده، هذا الذي اسمه محمد الكحلاوي، هل تراه يعرف؟، أنا خجولة جداً، خائفة من مصارحته، فهو يبدو مرتبكاً وخائفاً، ولا أفهمه، آه من صوته، حين يغنّي، إنّه يشبه كوكباً آخر، يدعونا لزيارته. متى يعرف أنه حياتي كلّها، وأنّني حين أرقص في الأفلام، فأنا أرقص له؟).
صعقتُ من كابوس بشارة الذي تجسّد أمامي عبر اعتراف تحية بحبها للكحلاوي، ولم أجد أمامي غير أن أكمل جنوني؛ لأنقذ روح بشارة المعذبة، أرسلتُ له نفس السطور التي قرأتها مع تغيير الأسماء من الكحلاوي لبشارة.
على مدخل الفندق، كنت أودّع بشارة صديقي الجميل وأنا أهنّئه بحبّ تحية، لكنه بقي واقفاً كالمسمار والدموع تتدفق من عينيه كالمطر:
محمد: رأيتك تتّفق مع عامل الفندق، خالد وسمعت حديثكما، ذهبت بعدك إلى خالد ونقدته عشرة جنيهات إضافية، مقابل مفتاح إضافي لغرفة تحية، وهناك في إضاءة الغرفة الخفيفة قرأتُ كل شيء.
