لم تكن حرائق الشاعر محمد الفراية وليدة الصدفة، بل إنها شبّت أمامه كائنات رآها رأي العين، فولّدت لديه ألمًا ومعاناة ارتبطا بالواقع الذاتي والجمعي المعيش؛ مما جعل الأمر يتمخض عن ديوان "حرائق" الذي ضم إحدى وستين قصيدة، عبر فيها بإبداع لافت، وتعبير شعري رفيع عن الحرائق التي اشتعلت حوله وتمكنت منه، واستقرت في وعيه. واللافت للانتباه أنَّ حرائق الفراية جاءت بين الحقيقة والخيال؛ فالحقيقة في الواقع المعيش سواء أكان الواقع شخصيًّا أم جمعيًّا متمثِّلًا ببني قومه العرب وفي مقدمتهم الشعراء، وفي الخيال الذي جعله وسيلة لنقل الصراعات التي كان يعاني منها الشاعر نفسه، وعامة الناس، والشعراء منهم على وجه التحديد؛ فالناس عامة يعانون من العيش في واقع مؤلم تحيط بهم أهوال الحياة ومحنها التي تشكل حرائق اشتد أوارها.
ويتخذ الفراية من النار/ الحرائق سبيلًا للكشف عن المخبوء بجرأة سواء أكان ذلك المخبوء في نفسه أم في أنفس المحيطين به؛ كما يتخذ من الحرائق وسيلة لتطهير الذات مما يشهده في الواقع، فمن خلالها يعبر عن غضبه وقوته المرتبطة بالشعر وإظهار ما يعتمل داخله وداخل مجتمعه من صراعات وتشظٍّ. وقد سار لهيب الحرائق في الديوان ابتداء من عتبة الغلاف الخارجي، وامتداداً إلى الإهداء وعناوين معظم القصائد، بل ومضامينها.
ويظهر الاحتراق عند الفراية في الانكسار والنهوض ضمن الثنائيات المتضادة، وقد بدت هذه الظاهرة بشكل لافت في حرائق الديوان،
لقد تميزت حرائق الفراية على تعدد أوجهها بوحدتها الموضوعية، وعكست تجاربه الذاتية، ومما يلفت الانتباه أنَّ أعظم احتراقين عاشهما الشاعر هما: الاحتراق الذاتي/ الفردي بفعل الأنا الشعرية ذات الإحساس العالي، ويبدو أنّ هذا الاحتراق قد تولد نتيجة ضغوطات داخلية وخارجية عانى منها الشاعر، فجعلته يبقى تحت تأثير نفسي، وعاطفي متأجج تجاه أناه الشاعرة، فهو بين مدافع عنها ومنازع لأجلها، لكنه ما يلبث أن يقوم وينهض (بها)؛ ليثبت لنا من خلال قصائده أنّه تفوّق على كل ما يحيط به وما يعانيه من مصاعب ومحن. والاحتراقات الجمعية التي امتلأ بها الشاعر بفعل إحساسه بما يعاني منه أبناء وطنه وأمته، فقد شكَّل أحوال أبناء مدن الأردن وقراها جانبًا كبيرًا من الاشتعال المجازي في الديوان، نتيجة الفقر والظلم، والتنافر بين القرى والمدن، والزيف والنفاق، والسرقات المادية والأدبية. كما شكلت مدن الوطن العربي احتراقًا حقيقيًا جراء الحروب والاحتلال، فهو يحترق لأجل عيون القدس وهي تكافح من أجل هُويّتها العربية والإسلامية، كما يحترق (هو) وحروفه لأجل غزة، ويحترق أيضًا وهو يحتفل ويقيم صلاة النصر للشام في تحريرها وسط الحرائق.
ويليهما احتراق ثالث عانى منه الشاعر، هو الاحتراق العاطفي لأنثيين (القرية والمرأة)، الأولى تجلت بوضوح في قصيدة (الجديدة)، والثانية تجلت في قصيدة (ثورة الحب)، وتتكرر في قصائد أخرى.
كما نلمح في ثنايا بعض قصائد الديوان لونًا من الاحتراق الخفي أو الضمني الذي لم يتحدث عنه الشاعر صراحة، وقد ظهر في حديثه عن فتن النساء، فهنّ على حد قوله:
"اللائي يقطعن الأصابع كلها/ قطعن أيديهنَّ من أجل القطيعة كلها، قطعنَّ أوصال الأخوة... والشهامة والمروءة كلها"، فلم يأت الاحتراق بشكل صريح إنما ظهر ضمنيا من خلال السرد الشعري في القصيدة.
وتشيع في ثنايا حديث الفراية عن حرائقه ظاهرة الثنائيات، فبفعل الأخيرة توالدت الاحتراقات وتنوعت، وتجلّت بوضوح في مجموعتين، أولهما: الثنائيات المتضادة، وهي التي تقوم على المفارقة والاختلاف بين عناصرها. وثانيهما الثنائيات المتوافقة التي تقوم على الاتفاق والمشابهة بين عناصرها، ويأتي الاختلاف والتماثل في كلتا المجموعتين على مستويي اللفظ والمضمون/ الدلالة.
ففي الثنائية الأولى يظهر التضاد بين الأنا الفردية الشاعرة للفراية والأنا الجمعية الشعراء في وطنه الأردن، وفي الوطن العربي، وهؤلاء الشعراء لا يمثلون اتجاه شاعر الحرائق في التزامهم بهموم أوطانهم، إذ يعد الفراية الشاعر يحمل مسؤولية كبيرة تجاه وطنه وأمته، فهو صوتهما وضميرهما الحي الذي يحمل همومهما في ثنايا إبداعه الشعري، ويشخص أزماتهما ومشكلاتهما، ويطرح رؤى وحلولًا تسهم في النهضة والخلاص منها، وبرزت هذه الثنائية في كثير من قصائده، ومن أمثلة ذلك قصيدة (أولى الحرائق) التي يعري فيها الفراية نوعًا من الشعراء الذين بنوا سمعتهم على الزيف، لا على النهوض برسالتهم الوطنية والقومية، فصور الواحد منهم بالسامري المخادع، يقول:
"يا أيها "السامري" العجل من خدع
فعد لرشدك وابحث عن إجابات
هذي فخامتك الكبرى ستُنسف في
بحر المدائح أو فوضى العبارات"
إنه يستخدم خطاب التهديد والوعيد لهذا النوع من الشعراء بأسلوب النداء يُتبعه بفعلي الأمر (فعد وابحث) المقترنين بالحث على التوقف عن انتهاج هذا السبيل القائم على الخداع والتزييف والنفاق، مؤكدًا أن القناع المصنوع وهمًا سيزول، وعلى أن المنادى مفرد فإنّ المعني به – بلا شك جمع، وما يؤكد ذلك، قوله:
"وكالخفافيش كانوا يسرقون دمي
وعدت أقسم هذا الحبر أبياتي
وعدت أشعل شيبي فوق كل يد
أيقونة بقيت مع كل لاءاتي"
فـالخفافيش (جمع) تعمل في الظلام، ويشير بها إلى الشعراء غير الملتزمين بشعرهم سواء أكان الالتزام بأبويتهم للشعر، أم بما يقولون ويفعلون؛ فهم على النقيض منه، فقد كانوا يسرقون دم الشاعر الفراية، وهو في الوقت نفسه يشعل فتيل الإبداع لمواجهة أفعال هذه الفئة من الشعراء. إنَّ في استخدام الشاعر الجمع ما يؤكد على وجود حرائق ضمن ثنائيات ضدية. واللافت للانتباه أنَّ الشاعر قد ولد صورًا فرعية كثيرة من هذه الثنائية، مما يجعلنا ندرج الصورة الممتدة في البيتين السابقين تحت الصورة العنقودية، التي اتسعت نواتها التصويرية، ولم يخلُ هذا الاتساع بكل تفاصيله من الحرائق.
ويظهر الاحتراق عند الفراية في الانكسار والنهوض ضمن الثنائيات المتضادة، وقد بدت هذه الظاهرة بشكل لافت في حرائق الديوان، وقد ارتبطت معظم الانكسارات بشاعرية الفراية، غير أنه يتغلب عليها وينهض من جديد، فهو لا يستسلم للانكسار ولا للضعف مهما بلغ به الأمر، يقول بعد شكواه من السامري (الشاعر): "وعدت أشعل شيبي فوق كل يد ...أيقونة بقيت مع كل لآتي"، ويقول في رسالته إلى زهير بن أبي سلمى وهو يصر على النهوض وإن كبا: "ولا تؤرقني بشيء همزة عند النحاة، ولا ذباب الناقدين، الجالسين على الطناجر، سوف أكتب ما أريد، سأظل تشعلني الحرائق،..."، وهو هنا يعكس ثقته الكبيرة بنفسه وبتجربته الشعرية، ولم يقف الفراية عند النهوض بعد الانكسار في ما يتعلق بالقصيدة وبالشعر بشكل عام، بل إنه يعود للحياة بعد الموت، وفي ذلك إشارة للتطهير والانبعاث، يقول في قصيدة الصعود إلى عمان: "نموت علوا بملء الإرادة، ثم نعود، مياها...ينابيع وجد، تفوح كرامة". إنه يستلهم وصف حاله من حال طائر العنقاء الذي يرمز إلى الخلود البعث والتجدد والنهوض مرة أخرى.
أمّا في الثنائيات المتوافقة التي تقوم على الاتفاق والمشابهة بين عناصرها فإننا نجد العلاقة التي تجسد تكامل طرفين، وتركز على وحدة الجزأين، وقد تمثلت في الديوان في الأنا الشاعرة للفراية، وهمِّها الفردي في التجربة الذاتية، والهم الجمعي للمهمشين والمسحوقين والفقراء من كافة الفئات في مجتمع الشاعر وفي وطنه، وقد شغلت حيِّزًا كبيرًا في حرائق الشاعر، منها ما ظهر في قصيدة (الصعود إلى عمان) تلك القصيدة التي اشتعلت بالحرائق الضمنية وإن غابت المفردة، فقد جاءت القصيدة على صيغة سيرة شعرية جسدت معاناة الشاعر: فقره وهمومه وآلامه ومهنته وصمته وما يخفيه خلفه، وكان الشاعر الفراية يعد "ليوم اللقاء قميصًا تهرّأ وربطة جوع، وهذي الدموع، وصمتًا مخيفًا وأجرة (تاكسي)، وتوت كلام". كما اشتعلت السيرة الشعرية بالحرائق في قصيدة (حرائق)، ولم تكن سيرة فردية بل إنها تضمنت إشارات إلى حياة جمعية، يقول فيها: "بحرقة الشمس والرعاة، وأمام معضلة الحياة، عشنا وكنا مرغمين، نجز عشب الوقت، ... يغيب الأب، تسقط غرفة كنا سنسكنها، ونذهب خائفين إلى الفراش، كنا نخاف الفقد عند النوم، نسهر مجبرين، ونخبر النجمات أسرارا، بأنا جائعون، والقدر فارغة، تحركها عصاة الماء...". ولعل ميل الفراية لاستخدام صيغ الجمع في المقطع السابق لا يعود إلى تعبيره عن نفسه أو حياته فقط، بل إنه يعبر عن الذين يشبهونه في معاناة (الفقر والفقد). ومما لا شكّ فيه أنَّ هذه المعاناة الجمعية قد جعلت الشاعر يُوفق في قفل قصيدته بمقطع يميل فيه إلى الحكمة الشعرية؛ إذ يقول: "الفقد مقصلة الرؤي، الفقد خاتمة لتكفين السحاب، والفقر ملحمة يفوز بها الذباب"، ليؤكد على الثنائية المتوافقة بين أناه وتجربته الذاتية من جهة والآخرين وتجربتهم الجمعية من جهة ثانية، ولعل ظهور التجربة الجمعية، والتفكير في المجتمع وهمومه عند الفراية يتجاوز الصورة النمطية (الأسرة والقرية) ليصل إلى شريحة من أبناء الفقراء المسحوقين في مجتمعاتهم، كــ "الرجل الرّث، المتسكع في وسط البلد"، وهو يتمتم "في هموم الناس حول الخوف في الشارع"
ومهما يكن من أمرٍ فإنّ الفراية نجح في توظيف الحرائق في ثنائياته توظيفًا رمزيًا واضحًا؛ فهي تجمع في ثناياها بين الخصب والانبعاث النابع من ذات الشاعر المقهورة، وبين العدمية والخراب (الأولى عند الشاعر ذاته، والثانية حوله)، وبين (الخوف والدفء) و(التطهير والانبعاث) وكان الشاعر بؤرة كليهما، فالخوف والتطهير من الواقع وبراثنه، والدفء في شعره، وانبعاث الأمل منه.
وشكلت اللغة الشعرية وسيلة مهمة في التعبير عن حرائق الفراية ومعاناته منها، ومواجهته لها، وكان يراها من منظور الثنائيات المتضادة فهي تنصفه وترفعه تارة، وتخذله وتمنحه القوة تارة أخرى، ويكاد يتكرر ظهورها في معظم قصائد الديوان.
ولعله من المفيد القول إنَّ (حرائق) الفراية عكست ثقافة الشاعر وسعتها، وبينت قدرته على استخدام الظواهر الفنية والأسلوبية والبلاغية المختلفة كالتكرار، والانزياحات، والصور الشعرية والتشبيهات والمحسنات البديعية، والتناص الذي يظهر فيه متأثرا بالقرآن الكريم، وقصص الصحابة، وشعر شعراء العصور القديمة؛ مما يسهم في جعل المتلقي يشترك معه في الاحتراق، ويشترك معه في الشعور بالهم الجمعي سواء أكان في الواقع المعيش أم في الهم الوطني، وهذا يشير إلى أنّ الفراية قد نجح في إبداع قصائد ديوانه، فجمع بين متطلبات المعنى وجماليات التشكيل الفني على نحو يجعل قوله الشعري منفتحًا على تعدد القراءات والتأويلات.
