قراءة في الشخصيات والتبئير وأسئلة الهوية والمقاومة
توطئة:
تُعد رواية «نيران الجريد» للشاعر الروائي الجزائري رفيق جلول تجربة سردية تنتمي إلى الرواية التاريخية ذات البعد الإنساني والوجودي، حيث تستعيد مرحلة دقيقة من الذاكرة الجزائرية إبّان الاستعمار الفرنسي، غير أنّها لا تتوقف عند حدود التوثيق التاريخي، بل تتجاوزه إلى مساءلة الإنسان في لحظات الخوف والاختيار والكرامة. فالرواية لا تكتب الحرب باعتبارها حدثاً عسكرياً فقط، وإنما بوصفها جرحاً نفسياً وجماعياً يعيد تشكيل الإنسان والمكان والذاكرة.
وقد نجح الكاتب في بناء نص تتداخل فيه الشعرية بالسرد، وتتجاور فيه لغة المقاومة مع لغة التأمل الوجودي، مما منح الرواية طابعاً خاصاً يجعلها أقرب إلى الملحمة الإنسانية ذات الحساسية الشعرية.
أولاً: ملخص الرواية
تدور أحداث الرواية في فضاء الواحات الجنوبية الجزائرية، داخل قرية “الحوش”، حيث يعيش سيدي الهاشمي حياة بسيطة قبل أن يجد نفسه في قلب الصراع ضد الاستعمار الفرنسي. تبدأ الرواية بحدث مفصلي حين يُطلب منه اغتيال الباشاغا، فيعيش أزمة نفسية وأخلاقية حادة بين واجب المقاومة والخوف من الخيانة، قبل أن يكتشف أن العملية كانت اختباراً لولائه وصلابته النفسية(1).
بعد ذلك ينتقل الهاشمي إلى الجبل وينخرط في صفوف “الخاوة”، لتبدأ مرحلة المقاومة المسلحة، حيث تتوالى الكمائن والهجمات ضد القوات الفرنسية بقيادة الضابط مانويل(2). وفي المقابل، تتتبع الرواية معاناة زوجته وريدة التي تتحول إلى صورة للمقاومة الصامتة، إذ تواجه الحصار والخوف والانتظار بثبات روحي وإنساني كبير(3).
وتتصاعد الأحداث مع توسع المقاومة داخل الحوش، وانكشاف الخونة والمتعاونين، حتى تتحول الثورة من فعل فردي إلى وعي جماعي، ومن خوف فردي إلى قدر تاريخي يشمل الجميع.
ثانياً: الشخصيات وبناؤها النفسي والدلالي
1 ـ سيدي الهاشمي: البطل الإشكالي
ينتمي الهاشمي إلى نموذج “البطل الإشكالي” الذي تحدث عنه جورج لوكاتش، فهو ليس بطلاً أسطورياً جاهزاً، بل إنسان ممزق بين الواجب والخوف والرحمة والانتماء. وتتجلى إنسانيته في لحظة التردد قبل تنفيذ عملية الاغتيال، حيث يعيش صراعاً داخلياً عميقاً بين الوفاء للخاوة والوفاء لقيمه الأخلاقية(4).
لقد بنى رفيق جلول هذه الشخصية عبر التدرج النفسي، فانتقل بها من الإنسان العادي إلى رمز جماعي للمقاومة. ومع تطور الأحداث لم يعد الهاشمي يمثل نفسه فقط، بل أصبح يمثل الحوش بأكمله، وهو ما تؤكده عبارته: “أنتم اليوم لستم مجرد مقاتلين؛ أنتم فم الحوش وصوته ونبضه”(5).
وهنا تتحقق مقولة رولان بارت التي ترى أن الشخصية الروائية تتحول داخل النص إلى علامة ثقافية ورمزية، لا مجرد كائن حكائي.
2 ـ وريدة: أنثى المقاومة والانتظار
تُعد شخصية وريدة من أكثر الشخصيات عمقاً في الرواية، إذ لا تحمل السلاح، لكنها تحمل الوطن داخل صبرها وخوفها وصمتها. إنها تجسد المقاومة الداخلية التي لا تقل شجاعة عن المقاومة المسلحة.
ويتجلى هذا البعد في مواجهتها للجنود الفرنسيين حين رفضت الكشف عن مكان زوجها، قائلة: “لا يعيش في بيوت الجبناء”(6). هنا تتحول المرأة من شخصية هامشية إلى مركز أخلاقي وروحي للرواية.
كما تكشف الرواية البعد النفسي العميق لهذه الشخصية عبر مشاهد الانتظار الطويل، وتأملاتها الليلية، وارتباطها بالبيت والطفل والذاكرة.
3 ـ مانويل: الاستعمار بوصفه آلة قمع
يمثل الضابط مانويل الوجه الدموي للاستعمار الفرنسي، غير أن الكاتب لم يقدمه كشخصية شريرة مسطحة، بل كسلطة قمعية تؤمن بالطاعة المطلقة والعنف(7). ومن خلاله تكشف الرواية كيف يتحول الاستعمار إلى بنية نفسية تقوم على إذلال الإنسان وكسر روحه الجماعية.
4 ـ مداني بوذراع: الخيانة وانهيار الذات
تمثل شخصية مداني بوذراع نموذج الإنسان المنكسر أخلاقياً تحت وطأة الخوف، إذ يبيع ضميره مقابل النجاة الفردية(. والرواية هنا لا تدين الخيانة بوصفها فعلاً سياسياً فقط، بل باعتبارها انهياراً إنسانياً وفقداناً للكرامة.
ثالثاً: الجوانب النفسية والاجتماعية
تعتمد الرواية بصورة واضحة على التوتر النفسي الداخلي. فالخوف، والانتظار، والقلق، والشك، كلها تتحول إلى عناصر بنائية في السرد. وقد استطاع الكاتب أن يجعل من الصمت لغة موازية للكلام، ومن الارتجاف والخوف علامات دلالية تكشف هشاشة الإنسان أمام الحرب(9).
أما اجتماعياً، فالرواية تقدم صورة دقيقة لمجتمع الواحات زمن الاستعمار، بما يحمله من تضامن عائلي، وروابط اجتماعية، وأدوار جماعية في حماية القرية. كما ترصد تأثير الحرب في تفاصيل الحياة اليومية: السوق، البيت، الواحة، الأطفال، النساء، والطقوس الشعبية.
وتبرز الروح الجماعية في قول أحد الشخصيات: “إما أن ندفن واقفين أو نعيش راكعين”(10).
رابعاً: البعد الوجودي والإنساني
لا تنشغل الرواية بالحرب فقط، بل بالسؤال الوجودي الكامن خلفها: لماذا يقاوم الإنسان؟ وما معنى الكرامة والحرية؟
فالهاشمي لا يبحث عن المجد، بل عن معنى البقاء الإنساني. ولذلك تتحول المقاومة في الرواية إلى دفاع عن الوجود نفسه، لا عن الأرض فقط.
ويتجلى هذا البعد في قول الهاشمي: “سنكتبه بأسماء من لم يعودوا”(11).
إن الموت هنا لا يُقدَّم باعتباره نهاية، بل باعتباره استمراراً رمزياً للحياة داخل الذاكرة الجماعية.
خامساً: التبئير وتقنيات السرد عند جيرار جنيت
اعتمدت الرواية على تبئير متنوع وفق تصور جيرار جنيت، حيث يتنقل السرد بين:
ـ التبئير الداخلي
حين يدخل الراوي إلى وعي الشخصيات ومخاوفها: “كان عقله يفيض بأفكار متشابكة”(12).
ـ التبئير الخارجي
في مشاهد الحرب والمطاردات ووصف الجنود والمعارك(13).
ـ التبئير المتحول
إذ ينتقل السرد بين وعي الهاشمي ووريدة وعيسى ومانويل، وهو ما يمنح الرواية تعدداً في الرؤية والأصوات.
كما أن الرواية تستثمر الوصف الحركي والسينمائي، مما يجعل المشاهد القتالية قريبة من اللغة البصرية.
سادساً: توظيف التراث والفنون الأخرى
استثمر رفيق جلول عناصر التراث المحلي بصورة عضوية، مثل:
النخلة
السدرة
الجبل
الأغاني الشعبية
الأعشاب العلاجية
القسم الجماعي
مفردات الواحة والحوش
وقد تحولت هذه العناصر إلى رموز ثقافية ودلالية تعبر عن الهوية الجنوبية الجزائرية.
كما وظفت الرواية الموسيقى والإيقاع عبر تكرار أصوات الريح والرصاص والأغاني الشعبية(14)، فضلاً عن التشكيل البصري للمشاهد الذي يقترب من اللغة السينمائية.
سابعاً: لغة الرواية وأسلوبها
تميل لغة الرواية إلى الشعرية الكثيفة، وهو أمر طبيعي بالنظر إلى أن مؤلفها شاعر قبل أن يكون روائياً. لذلك نجد حضوراً قوياً للاستعارة والصورة والإيقاع الداخلي، مثل قوله: “السماء تموج بأصوات الطائرات”(15).
وقد منح هذا الأسلوب الرواية بعداً جمالياً واضحاً، لكنه في بعض المواضع يجعل السرد يقترب من النثر الشعري أكثر من الاقتصاد الروائي.
ثامناً: أسئلة الرواية وسؤالها المركزي
تطرح رواية «نيران الجريد» مجموعة من الأسئلة الفكرية والوجودية التي تتجاوز الحدث التاريخي المباشر، وتجعل النص فضاءً للتأمل في الإنسان والمصير والهوية. فالرواية لا تكتفي بسرد وقائع المقاومة، بل تحولها إلى أسئلة كبرى تتعلق بالحرية والخوف والانتماء والذاكرة.
1 ـ سؤال الحرية
يعد سؤال الحرية من أبرز الأسئلة التي تؤسس بنية الرواية. فالكاتب يجعل شخصياته تعيش دائماً بين خيارين: الحرية أو الخضوع. ولذلك تتحول المقاومة إلى ضرورة وجودية لا مجرد خيار سياسي.
ويتجلى هذا المعنى في العبارة: “إما أن ندفن واقفين أو نعيش راكعين”(16).
فالحرية هنا ليست شعاراً خطابياً، بل شرطاً أخلاقياً للحياة الكريمة.
2 ـ سؤال الخيانة
تسائل الرواية طبيعة الخيانة:
هل يولد الخائن خائناً؟ أم أن الخوف والقهر قد يحولان الإنسان إلى أداة ضد ذاته ووطنه؟
وتظهر هذه الإشكالية في شخصية “مداني بوذراع” الذي ينكسر تحت وطأة الرعب والطمع(17). والرواية لا تدين الشخصية فقط، بل تكشف هشاشتها النفسية والاجتماعية، مما يمنح السؤال بعداً إنسانياً معقداً.
3 ـ سؤال الهوية والانتماء
ترتبط الهوية في الرواية بالمكان: الحوش، النخلة، الجبل، السدرة، الواحة. فالمكان ليس خلفية محايدة، بل جزء من الكيان النفسي والروحي للشخصيات.
ومن هنا يصبح الدفاع عن الأرض دفاعاً عن الذات والذاكرة معاً. ولذلك يصر الهاشمي على أن الحوش ليس مجرد قرية، بل كيان يجب أن يبقى حراً(18).
4 ـ سؤال الذاكرة
تشتغل الرواية على تحويل الشهداء والمقاومين إلى ذاكرة جماعية، فالأبطال لا يبحثون عن الخلود الشخصي، بل عن البقاء داخل وجدان الجماعة.
ويتجلى ذلك في قول الهاشمي: “سنكتبه بأسماء من لم يعودوا”(19).
وهنا تتحول الكتابة نفسها إلى مقاومة ضد النسيان.
5 ـ سؤال الإنسان في زمن الحرب
تكشف الرواية كيف تعري الحرب الإنسان من طمأنينته، وتضعه أمام اختبارات قاسية:
الخوف
الفقد
التضحية
الموت
الشك
لكنها في الوقت نفسه تمنحه فرصة اكتشاف جوهره الحقيقي. ولذلك فإن الحرب في «نيران الجريد» ليست فقط مواجهة عسكرية، بل امتحان أخلاقي ووجودي للإنسان.
السؤال المركزي للرواية
يمكن القول إن السؤال المركزي الذي تنهض عليه الرواية هو:
كيف يستطيع الإنسان أن يحافظ على كرامته وإنسانيته في عالم يحاول سحقهما؟
ويتفرع عن هذا السؤال المركزي عدد من الأسئلة الأخرى:
هل تستحق الحرية كل هذا الألم؟
كيف يتحول الخوف إلى مقاومة؟
هل الوطن أرض فقط أم ذاكرة وهوية وكرامة؟
كيف يصير الإنسان أكبر من موته عبر التضحية؟
ومن هنا فإن «نيران الجريد» ليست رواية حرب فقط، بل رواية بحث عن المعنى الإنساني وسط الخراب.
خلاصة
تقدم رواية «نيران الجريد» للشاعر الروائي رفيق جلول تجربة سردية تستعيد الذاكرة الجزائرية من زاوية إنسانية وشعرية عميقة، حيث تتحول المقاومة من حدث سياسي إلى سؤال وجودي يتعلق بالكرامة والخوف والهوية ومعنى الانتماء.
إن قوة الرواية لا تكمن فقط في تصوير المعارك، بل في قدرتها على كشف هشاشة الإنسان وهو يواجه الموت، وعلى تحويل المكان الصحراوي إلى كائن حي يتنفس ويتألم ويحلم. فالحوش ليس مجرد فضاء جغرافي، بل ذاكرة جماعية، والجبل ليس مجرد ملجأ، بل رمز للحرية والعناد التاريخي.
وقد نجح رفيق جلول في بناء عالم روائي تتجاور فيه الشعرية مع التوتر الدرامي، والبعد النفسي مع البعد التاريخي، مما يجعل الرواية إضافة مهمة للرواية الجزائرية ذات النفس المقاوم، خاصة في تمثيل الجنوب الجزائري بوصفه فضاءً للبطولة والوجع والوفاء.
إن «نيران الجريد» ليست رواية عن الماضي فقط، بل عن الإنسان حين يصبح الدفاع عن الكرامة شرطاً للبقاء.
-___
الهوامش
1 ـ رفيق جلول، نيران الجريد، دار النشر، أندلسيات، 2026، ص27 ـ 30.
2 ـ رفيق جلول، نيران الجريد، ص37 ـ 40.
3 ـ رفيق جلول، نيران الجريد، ص43 ـ 50.
4 ـ رفيق جلول، نيران الجريد، ص27 ـ 29.
5 ـ رفيق جلول، نيران الجريد، ص61.
6 ـ رفيق جلول، نيران الجريد، ص46.
7 ـ رفيق جلول، نيران الجريد، ص45.
8 ـ رفيق جلول، نيران الجريد، ص45 ـ 47.
9 ـ رفيق جلول، نيران الجريد، ص26 ـ 33.
10 ـ رفيق جلول، نيران الجريد، ص49.
11 ـ رفيق جلول، نيران الجريد، ص59.
12 ـ رفيق جلول، نيران الجريد، ص26.
13 ـ رفيق جلول، نيران الجريد، ص38 ـ 39.
14 ـ رفيق جلول، نيران الجريد، ص58.
15 ـ رفيق جلول، نيران الجريد، ص31.
16 ـ رفيق جلول، نيران الجريد، دار النشر، أندلسيات، 2026، ص49.
17 ـ رفيق جلول، نيران الجريد، ص45 ـ 47.
18 ـ رفيق جلول، نيران الجريد، ص48 ـ 50.
19 ـ رفيق جلول، نيران الجريد، ص59.
مراجع نقدية
جيرار جنيت، خطاب الحكاية، ترجمة محمد معتصم وآخرين، الهيئة العامة للمطابع الأميرية، المغرب.
رولان بارت، مدخل إلى التحليل البنيوي للسرد، ترجمة منذر عياشي، مركز الإنماء الحضاري.
جورج لوكاتش، نظرية الرواية، ترجمة الحسين سحبان، دار الحوار، سوريا.
ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، ترجمة محمد برادة، دار الفكر.
