الشاعر الذي حمل المخيم إلى اللغة
تأملات في سيرة أحمد الخطيب وخرائط المعنى المهاجرة
لم يولد أحمد الخطيب في مكانٍ بالمعنى الجغرافي للكلمة، بل وُلد في استعارةٍ طويلة اسمها المخيم.
فالمخيم ليس بقعةً من الأرض فحسب، بل حالةٌ وجوديةٌ معلقةٌ بين الذاكرة والمنفى، بين ما حدث فعلاً وما يصرّ القلب على استعادته. هناك، في أزقة مخيم إربد الضيقة، كانت الحجارة تحفظ أسماء الغائبين أكثر مما تحفظ أسماء المقيمين، وكانت النوافذ الصغيرة تطل على جغرافيا أكبر من قدرتها، جغرافيا تتسع لفلسطين كلها وهي تتقلص داخل غرفةٍ من الزينكو.
كان الطفل الذي سيُدعى لاحقاً أحمد الخطيب يتعلم الأبجدية كما يتعلم آخرون فنَّ النجاة. كل حرفٍ كان باباً، وكل كلمةٍ كانت احتمالاً للهروب من ضيق الواقع إلى اتساع الخيال. وحين كان أقرانه يطاردون الكرة في الأزقة، كان هو يطارد ظلاً آخر، ظل القصيدة وهي تمرّ بين البيوت كعصفورٍ لا يراه أحد.
---
المخيم بوصفه مدرسةً للغياب
أفكر الآن، وأنا أكتب عنه، أن الشعراء لا يولدون من اللغة فقط، بل يولدون من النقص.
النقص هو المعلم الأول للشعر.
فالذي يمتلك كل شيء لا يكتب.
أما الذي يشعر دائماً أن شيئاً ما ينقصه، فإنه يبدأ ببناء العالم من الكلمات.
هكذا كان المخيم بالنسبة لأحمد الخطيب.
لم يكن مكاناً للفقر فقط، بل مختبراً لصناعة المعنى.
هناك تعلّم أن الإنسان قد يخسر البيت لكنه لا يخسر الحلم.
وقد يخسر الوطن لكنه يحمل خرائطه في الذاكرة.
وقد يخسر الطريق لكنه يحتفظ بالبوصلة.
ولهذا لم تكن قصائده لاحقاً تتحدث عن الأشياء كما هي، بل عن الأشياء كما تتمنى أن تكون.
---
زاغرب: الحلم الذي انعطف نحو القصيدة
حين غادر إلى يوغسلافيا ليدرس الطب، بدا الأمر وكأنه انتقال من عالمٍ إلى آخر.
كان ذاهباً ليتعلم كيف يعالج الجسد.
لكن القدر، ذلك الشاعر الخفي الذي يكتب سيرتنا دون استئذان، قرر أن يعيده إلى اللغة.
لم تكتمل دراسة الطب.
لكن ما الذي يعنيه الاكتمال أصلاً؟
أحياناً تكون الهزيمة باباً سرياً نحو المصير الحقيقي.
ربما لو أصبح طبيباً لخسرنا شاعراً.
وربما كانت القصيدة تنتظره بصبرٍ في منعطفٍ بعيد، تاركةً له وهم الخيارات كلها قبل أن تقوده إلى بابها الوحيد.
---
الكتابة كمنفى آخر
حين أقرأ عناوين دواوينه أشعر أنني لا أقرأ أسماء كتب، بل أقرأ فصولاً من سيرة روحية طويلة:
"حاجز الصوت".
"أنثى الريح".
"مرايا الضرير".
"عليك بمائي".
"حارس المعنى".
"كأني لست من حرسي".
كل عنوان يبدو وكأنه سؤالٌ وجوديٌّ أكثر منه اسماً لكتاب.
وكأن الشاعر لم يكن يكتب القصائد، بل كان يحفر أنفاقاً داخل اللغة بحثاً عن جوهرٍ يتوارى كلما اقترب منه.
فالكتابة عنده ليست إعلاناً عن الحقيقة.
إنها مطاردة للحقيقة.
والفرق بين الأمرين شاسع.
---
محمد الصمادي يتأمل الشاعر
وأنا، محمد الصمادي، أتوقف عند هذه التجربة، لا أراها مجرد سيرة شاعر.
أراها سيرة كائنٍ قرر أن يقاوم الفناء بالكلمات.
كل ديوان أصدره يشبه حجراً جديداً في بناءٍ لا يكتمل.
وكل قصيدة تبدو محاولةً لإقناع الزمن بالتريث قليلاً قبل أن يغلق أبوابه.
أفكر أحياناً:
هل يكتب الشاعر لأنه يعرف؟
أم لأنه لا يعرف؟
هل القصيدة جواب؟
أم أنها شكلٌ أكثر جمالاً من السؤال؟
كلما قرأت لأحمد الخطيب شعرت أن الشعر الحقيقي لا يقدم حلولاً، بل يمنحنا قدرةً أعمق على احتمال الغموض.
---
حارس المعنى في زمن الضجيج
في زمنٍ صار فيه الكلام أرخص من الصمت، تبدو تجربة أحمد الخطيب أشبه بمحاولةٍ عنيدة لحراسة المعنى.
لكن المعنى ليس قلعةً يمكن إغلاق أبوابها.
إنه طائرٌ بريٌّ يهاجر باستمرار.
ووظيفة الشاعر ليست الإمساك به، بل مرافقة تحليقه.
لهذا ظل يمشي، كما يقول أحد دواوينه.
وما زال يمشي.
فالشعراء الحقيقيون لا يصلون.
إنهم يحوّلون الطريق نفسه إلى غاية.
---
المخيم الذي صار قصيدة
في النهاية لا يعود أحمد الخطيب مجرد شاعر من مخيم إربد.
بل يصبح صورةً أخرى للإنسان العربي وهو يحاول أن ينتصر على هشاشته بالكتابة.
تتحول الأزقة إلى استعارات.
وتتحول الذاكرة إلى حبر.
ويتحول المنفى إلى موسيقى خافتة تسكن بين السطور.
وهكذا يبقى الشاعر واقفاً عند تخوم اللغة، حاملاً قنديله الصغير في مواجهة عتمة العالم، مؤمناً أن القصيدة ليست وصفاً للحياة، بل محاولة دائمة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المعنى قبل أن يبتلعه النسيان.
فبعض الناس يعيشون داخل المدن.
أما الشعراء الكبار، فإن المدن هي التي تعيش داخلهم
