هل شعرت مثلي في موقفٍ ما علمته أو مشهدٍ حضرته ، ورأيت أن ذلك القرار المُتَّخَذ لا يمكن أن يكون الصواب أبداً ، بل وترى أنك لو كان الأمر بيدك لاتخذت قرارك المغاير لما اتخذوه، ولحاربت من أجل قرارك ولو كلَّفك ذلك ما لا تطيق!!
إن كلمة العجز بسيطةٌ قياساً لما نشعر به في أمرٍ كهذا؛ لذلك كان "المتنبي" سيد حكماء العرب حينما قال في نونيته الشهيرة "بم التعلل؟!!:
[ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرءُ يُدرِكُهُ / تَجري الرِياحُ بِما لا تَشتَهي السُفُنُ]
أكان المتنبي واقعيًّا رافعاً راية التسليم بالقدر متسما بالمرونة في تقبُّل ما تمنحه الحياة وما تفرضه الظروف...؟!! أم أن هناك ما يلمِّح إليه؟!! لعل المتنبي أراد أن يعرِّض بسيف الدولة الحمداني بعدما دقَّت القطيعة أوتادَها بين الرجلين فقال:
[قَد كانَ شاهَدَ دَفني قَبلَ قَولِهِمِ/ جَماعَةٌ ثُمَّ ماتوا قَبلَ مَن دَفَنوا]
أي : من أخبروك الآن بموتي، زعموا أنهم شاهدوا دفني، ثم ماتوا وأنا حي، أيضا سيموت هؤلاء وأظل حيّاً. فليس كل ما يشتهيه الإنسان يحصِّله، ومنذ متي جرت الأقدار وِفْق الإرادات، أو هبت الرياح وفق ما يختاره أصحاب السفن..!!
وقد استثارت حِكَم المتنبي بصائرَ الحكماء وأخيلةَ الشعراء فهذا الشاعر العراقي "عبد الرزاق عبد الواحد" ينظم ما ينقض ذلك المعنى فيقول:
[تجري الرياح كما تجري سفينتنا / نحن الرياح ونحن البحر والسفن][إن الذي يرتجي شيئًا بهمّتهِ / يلقاهُ لو حاربَتْهُ الإنسُ والجنُّ][فاقصد إلى قمم الاشياءِ تدركها / تجري الرياح كما رادت لها السفنُ]
لكن ما أنا على يقين منه أنك فعلاً غمغمتَ مثلي بذلك التركيب[لـو بيـدي..!!] ولو على سبيل التحسر ؛ فأنا مثلا لو كنت في موقع المسؤولية لحافظت على آثار الاعتداءات الغاشمة للعدو الصهيوني خاصة ما لحق بأبنية مدن القنال "بورسعيد والإسماعيلية والسويس" لتكون هذه الأبنية بما فيها من تفجيرات وآثار دانات المدفعية والدبابات شاهداً حقيقيا وبرهانا ساطعاً لا يمكن تكذيبه حتى ترى الأجيال القادمة بعض ما ارتكبوه من فظائع وما دفعه أهل هذه المدن خاصة وشعب مصر وجيش مصر في ردّ العدوان ودحره واستعادة الحق من مغتصبيه ... مثل هذه الآثار الهمجية كانت أولى أن تكون مزاراً لأجيالنا التي قرأت ذلك وقرأت أيضاً لمن يسوِّغ التطبيع والانبطاح والهرولة في سبيل الاستسلام ، عندها لم نكن لنحتاج شرحاً أو مشاهدة صورٍ لن تؤثر كرؤية الواقع ..ظللنا لأعوام قليلة بعد نصر أكتوبر العظيم توجِّه المدارس رحلاتها إلى حصون خط بارليف ومواقع المعارك الشهيرة وكان هناك بعض العسكريين يشرحون على الأرض وهم الأقدر في عرض ذلك كيف سارت معارك "تبة الشجرة" أو "المزرعة الصينية" أو معركة "الفردان شرق الإسماعيلية" أو "معركة القنطرة شرق" فأين ذهب كل هذا ؟!!إن هذه الرحلات الأولى بالدعم فلم يعد الأطفال يعرفون عن سيناء سوى المصايف والسواحل الخلابة والرحلات الترفيهية ولا يعرفون ما الثمن الذي دفعه آباؤهم لاستعادة الأرض والحفاظ على الشرف !!! أين ذهب كل ذلك؟!! والله إننا لا تغادر حلوقَنا المرارةُ حينما نري الكثير من شباب الوطن وقد تم حشدهم للصدام أثناء مباراة كرة قدم و يا للحسرة من أجل هتافاتٍ مُسِفَّةٍ تتطاول على مدن القناة وأهلها ونسأل أين ذهب الانتماء؟!!!
[زَغْرِدي جارتي زَغْرِدي..!! فقدْ نَبَتَ الشَّيْبُ في رأسِ هذا الولدْ/ واختفى أُرجوانُ الحياةِ.. وَسَلَّ مِنَ الهَمِّ كأسَ الزّبدْ/ زَغْرِدي جارتي زَغْرِدي..واصْعَدي سُلَّمَ الأرضِ في بيتكِ المرمريِّ...ولا تَعْجبي مِنْ هبوبِ المددْ/ فقدْ آنسَ البحرُ نِصْفي...وَعَلَّقَ أسرارَهُ في غيومِ البلدْ/ زَغْرِدي جارتي زَغْرِدي... مَعْ بياضِ الغُيومِ إلى آخرِ العُمْرِ...ليس احتفاظًا بِكَرَّاسِ روحِ الكتابةِ...أو بالذي مَرَّ في الكونِ، لكنْ ليرفعَ أسماءَنا الشِّعرُحتّى إذا فَرَدَ الأهلُ صيوانهمْ ... وانْتَشى الحاضرونَ بطيِّ العزاءِ...أَتَيْنا إلى جنَّةٍ لا يراها سِوانا/ زَغْرِدي، واشْجُبي صَمتهمْ...وانْقُشي لَذَّةَ البَوحِ فوق الرَّصيفِ..إذ النايُ يأوي وحيدًا إلى ضوءِ هذا النَّهارِ ... وحيدًا، ويعزفُ كَعْبَ الحياةِ..لكي ينتمي لِخُطانا]
ويأبى الشاعر الأردني بديع الحرف"أحمد الخطيب"إلا أن يلج بنا أبواب المفارقات إذ يُلحُّ على استدعاء زغرودة الأنثى وهي الدالة على الفرح والسعادة إلا أنه يستدعيها وقت شيْب الولد وانطفاء وهج الحياة لتأتي قافية الدال"الولد/ الزبد / المدد/ البلد " بما فيها من قوة ووقار يناسب شيب الولد الذي أنضجته وأنهكته التجارب ، فينغلق السطر الشعري بحرف مشحون بالحدة بما لا يعطي للزغرودة فرصة الامتداد أو تردد الصدى الناشئ من تكرارها، ورغم أن الشاعر قد آيس من التشبث بالماضي إلا أنه لا يبدو عليه الانكسار وقد بدأت خيوط الذكريات في التفلُّت من بين أصابعه لكنه لايفرط في الاحتفاء بالحياة وبالشعر فهما سر صموده..!! أعود فأقول "لـو بيـدي" لكانت مناهج اللغة العربية في جميع مراحل التعليم تؤكد نصوصها الأدبية وقصصها في الكتاب ذي الموضوع الواحد أو دروس القراءة المتعددة بطولات الشعب المصري بكل أطيافه في الصراع الأبدي مع هذا العدو المتربص بالأمة.. لماذا لا تتطرق المناهج إلى جرائم العدو في حقوق الأسرى المصريين في هزيمة يونيو 1967 وكيف تم دفنهم أحياء لماذا لا يتحدث في تلك الجرائم سوى آحاد الإعلاميين الشرفاء في جرائدهم ونحن ندري ما حلَّ بالصحف الورقية ،إن دماء أسرانا والثأر لهم حق أصيل يجب تربية أجيالنا عليه والأمر ثابت باعترافات قادتهم وجنودهم ...فلماذا لا تفتح القنوات الفضائية برامجها لشهود العيان وتنتقل الكاميرات للتوثيق ؟!!ألا تدركون ما يرسِّخون في عقول أطفالهم تجاه كل عربي بدلا من المندبة التي تُنصب كل يونيو والملطمة على من السبب في هزيمة 67 ...افعلوا شيئا حقيقيا للحفاظ على وعي هذه الأجيال فالمواجهة قادمةٌ لا ريب لنهتف في الختام مع الشاعر أحمد الخطيب "وهيا لِنَكْسِرَ هذا القصبْ / ونشعلَ ناي الرّضا بالغضبْ..!!"
[زَغْرِدي جارتي زَغْرِدي...واحْفظي طفلَكِ الآدميَّ هُنا..في ضُلوع الصَّلاةِ لنضبطَ هذا الألَمْ/ ونحفظ روحَ النسيج الأخير ببابِ المدينةِ...مذْ كان يمشي إلى كهفِهِ ابنُ آوى...ومذْ كان لي قَدَرٌ سَاقني للعدم/ ..وهيا لِنَكْسِرَ هذا القصبْ/ ونشعلَ ناي الرّضا بالغضبْ!!/ فما ظلَّ مِنْ واقعي غيرُ بحرٍ .. يَسيرُ إلى نعشهِ في المساءِ..ومعْ كلِّ فوضى لنا آيةٌ للنَّدمْ ]
