googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5799732929758736'/> -->

امرأة تمشي على أسلاك الحنين: قراءة في ديوان "أسلاك كهرباء" للشاعرة ياسمين كنعان


ليست كل النصوص الشعرية معنية ببناء القصيدة بوصفها شكلًا مكتملًا أو خطابًا لغويًا مغلقًا، فثمة كتابة حديثة تميل أكثر إلى التقاط الأثر النفسي العابر، واللحظة الداخلية الهشّة، وتتعامل مع اللغة بوصفها مساحة للبوح والنجاة والتأمل، لا مجرد أداة جمالية. وفي هذا النوع من الكتابة تتراجع الحكاية التقليدية أحيانًا لصالح الومضة، والتفصيل اليومي، والاعتراف الإنساني الخافت، بحيث يصبح النص أقرب إلى شظايا شعورية متجاورة تكشف الداخل أكثر مما تروي الخارج.
ولهذا لا تقوم قيمة هذه النصوص على الحدث الكبير أو البلاغة الثقيلة، بقدر ما تقوم على قدرتها في التقاط ما يتسرّب بصمت داخل الإنسان؛ ذلك القلق الخفي، والهشاشة اليومية، والأثر الذي تتركه الأشياء الصغيرة في الروح. ومن هنا تأتي أهمية التفاصيل العابرة، والجمل القصيرة، والمساحات الصامتة بين العبارات، بوصفها جزءًا من التكوين النفسي للنص نفسه.
وفي ديوان أسلاك كهرباء للشاعرة ياسمين كنعان، لا يبدو العنوان منفصلًا عن هذا المناخ الداخلي، بل يكاد يختصر التجربة كلها. فـ"أسلاك كهرباء" لا تحيل إلى شيء صلب أو آمن، بل إلى توتر دائم، وإحساس مكشوف بالحياة، وإلى روح تتحرك بحذر فوق هشاشتها الخاصة. وكأن النصوص نفسها تمشي على أسلاك حساسة، قابلة للاشتعال، وقادرة في الوقت نفسه على حمل شيء من الضوء.
ثمة نصوص تُقرأ، وأخرى تُعاش من الداخل. و"أسلاك كهرباء" ينتمي بوضوح إلى النوع الثاني، فهو لا يقدّم قصائد مكتملة بالمعنى التقليدي بقدر ما يقدّم شظايا روح، واعترافات متعبة، ومحاولات متكررة للنجاة عبر اللغة. هنا لا تبدو الكتابة ترفًا جماليًا، بل فعل مقاومة هادئ في وجه العزلة والخذلان والغياب. ولهذا تتحرك النصوص داخل مساحة شديدة الحساسية بين الحنين واليأس، وبين الرغبة في التماسك والإحساس الدائم بالتشظي الداخلي.
ما يلفت الانتباه منذ الصفحات الأولى أن الكاتبة ياسمين كنعان لا تعتمد على البلاغة الثقيلة أو الزخرفة اللفظية، بل على صدق شعوري واضح، وعلى قدرة لافتة في تحويل التفاصيل الصغيرة والهامشية إلى مراكز دلالية حيّة. فالنافذة، والمقعد الخلفي، وفردة الحذاء، وغصن الأسكدنيا، والطريق إلى المدرسة، ليست مجرد أشياء عابرة، بل مفاتيح للدخول إلى عالم داخلي مثقل بالانتظار والذاكرة والوحدة. وفي أكثر من موضع تشعر أن الكاتبة لا تكتب الأشياء بقدر ما تكتب أثرها النفسي، وكأن العالم الخارجي كله يتحول تدريجيًا إلى مرآة لهشاشة الداخل.
الحزن في هذا الديوان ليس حالة طارئة، بل إقامة طويلة داخل الروح. ولهذا تتكرر مفردات الغياب، والعتمة، والصمت، والانتظار، لا كتكرار مجاني، بل كبنية نفسية تشكل روح النصوص كلها. ففي نص "اعتياد" مثلًا تصل الكاتبة إلى جملة شديدة الكثافة تقول فيها:
"العماء اعتياد أيضًا، والغياب كذلك".
وهي عبارة تختصر الكثير من روح الديوان، إذ يتحول الغياب من حادثة مؤلمة إلى شكل من أشكال التكيف القاسي مع الحياة. بل إن الذات في كثير من النصوص تبدو وكأنها تعيش على حافة فقدان دائم، وتحاول ترتيب خرابها الداخلي بهدوء لا يخلو من التعب.
كما تبدو اللغة في "أسلاك كهرباء" أكثر من مجرد وسيلة تعبير، إنها مساحة تحاول الذات عبرها مقاومة هشاشتها الداخلية. ففي "وسادة الكلمات" و"سفر الحب" و"إفلاس" تتعامل النصوص مع الكلمات كما لو كانت كائنًا حيًا، قابلًا للحياة والموت. تقول الكاتبة في أحد المقاطع:
" أجسّ نبض اللغة مثل طبيب متدرّب."
وهي عبارة تكشف طبيعة العلاقة القلقة والحميمة مع الكتابة، فاللغة هنا لا تبدو زينة أسلوبية، بل مساحة تحاول الذات عبرها فهم ألمها وإعادة ترتيبه داخل النص. ولهذا تبدو الكتابة أحيانًا أقرب إلى محاولة لمنح التجربة الإنسانية شكلًا يمكن احتماله.
ومن الجوانب اللافتة أيضًا قدرة الديوان على المزج بين الواقعي والمتخيل، وبين السيرة والهلوسة الشعرية، دون افتعال أو غموض متكلف. فالمنامات، والذكريات، والخيالات، تتحول إلى واقع نفسي موازٍ، وربما أكثر صدقًا من الواقع الخارجي نفسه. ولهذا يبدو كثير من النصوص وكأنه يتحرك داخل منطقة ضبابية بين ما حدث فعلًا وما تمنته الذات أو خافت منه. وهذه الضبابية لا تضعف النصوص، بل تمنحها ذلك الإحساس المعلق بين الحلم والخسارة.
وفي خلفية هذه التجربة، يحضر الوطن الفلسطيني بوصفه جرحًا داخليًا لا شعارًا سياسيًا مباشرًا. فالحرب، والشهداء، والمنفى، والخراب، تمر في النصوص كجزء من التكوين النفسي للذات، لا كخطب أو بيانات. لذلك يبدو الحب نفسه هشًا ومهددًا، وتبدو الطمأنينة مؤقتة وقابلة للكسر في أي لحظة. وحتى النصوص العاطفية لا تنفصل تمامًا عن هذا الإحساس الجمعي بالخسارة والاقتلاع.
كما ينجح الديوان في تقديم صورة مختلفة للهشاشة الأنثوية، فالنصوص لا تكتب المرأة بوصفها ضحية فقط، بل بوصفها كائنًا يحاول أن يفهم ضعفه وقوته معًا. ولهذا تأتي بعض الاعترافات صادمة في صدقها، كما في نص"تعويذة" حين تقول:
"لست قوية كما تظن… أنا محض كاذبة"
وهذه الجرأة في هدم الصورة الذاتية تمنح التجربة صدقًا إنسانيًا واضحًا، وتبعدها عن الإنشاء العاطفي أو البطولة المفتعلة. فالذات هنا لا تدّعي التعافي الكامل، بل تعترف بتعبها وتناقضها وخوفها، وتحول كل ذلك إلى كتابة.
وعلى المستوى الأسلوبي، تعتمد الكاتبة على جمل قصيرة ومتقطعة غالبًا، لكنها مشحونة بإيقاع داخلي واضح. فالأثر هنا لا تصنعه الفكرة وحدها، بل طريقة ترتيب الكلمات، والوقفات، والمسافات التي تتركها الجملة بين ما تقوله وما توحي به. ولهذا تحتفظ بعض العبارات بأثر طويل رغم بساطتها، مثل:
"لا شيء يدل عليّ… إلا كلماتي."
وهي جملة تبدو كأنها خلاصة خفية للديوان كله، فاللغة هنا ليست وسيلة للكتابة فقط، بل الأثر الأخير الذي تحاول الذات أن تثبت به وجودها في عالم سريع التلاشي.
قد تقترب بعض النصوص أحيانًا من التكرار الشعوري أو التدفق الزائد، خصوصًا مع كثافة مفردات الحزن والغياب، لكن الصوت الداخلي للديوان يبقى متماسكًا وواضحًا، وهذا ما يمنحه هويته الخاصة. فالقارئ لا يخرج من هذه النصوص بانطباع عن قصيدة بعينها، بل بإحساس طويل عن روح تحاول أن تواجه العالم بالكلمات، وأن تحمي ما تبقى منها عبر اللغة.
في النهاية، لا يبدو “أسلاك كهرباء” ديوانًا عن الحزن فقط، بل عن الإنسان حين يحاول أن ينجو من هشاشته بالكلمات. ولهذا تبدو اللغة فيه أشبه بأسلاك مكشوفة فعلًا ترتجف تحت المطر، وتتأذى من الريح، لكنها مع ذلك تظل تنقل شيئًا من الضوء.
ومن أكثر ما يمنح هذه التجربة فرادتها أن الكاتبة لا تكتب من موقع "العارف" أو "الحكيم"، بل من موقع الإنسان الذي ما يزال يسأل ويتعثر ويعيد النظر في كل شيء. ولهذا تبدو النصوص مفتوحة على القلق أكثر من اليقين، وعلى المحاولة أكثر من الوصول. حتى حين تبدو العبارة حاسمة، يعود النص بعد قليل ليتركها معلقة في منطقة رمادية بين الاحتمالات، وكأن الذات لا تثق بالحقيقة الكاملة بقدر ما تثق بارتباكها الإنساني. وفي هذا تحديدًا تكمن حرارة هذه الكتابة، فهي لا تمنح القارئ أجوبة جاهزة، بل تشركه في هشاشتها وأسئلتها المفتوحة.
كما أن الديوان يمتلك حساسية عالية تجاه التفاصيل اليومية الصغيرة، وهي نقطة قوة واضحة في التجربة. فالكاتبة لا تحتاج إلى حدث ضخم كي تبني أثرًا شعوريًا، يكفيها مقعد أخير في حافلة، أو نافذة، أو فردة حذاء، أو غصن شجرة تحت المطر، كي تفتح بابًا واسعًا على الوحدة والحنين والخوف والرغبة. وهذا ما يجعل النصوص قريبة من الحياة، بعيدة عن التصنع أو المبالغة البلاغية. بل إن الأشياء الهامشية نفسها تتحول تدريجيًا إلى مرايا دقيقة للداخل الإنساني، وكأن العالم الخارجي لا يظهر هنا إلا بوصفه امتدادًا للروح المتعبة.
في "المقعد الخلفي" مثلًا، يتحول اختيار المقعد الأخير إلى موقف نفسي كامل من العالم، الرغبة في مراقبة الحياة من مسافة، لا الانخراط الكامل فيها. ولهذا تقول الكاتبة:
"ثمة متعة خفية أن تكون المتفرج على الأشياء من بعد"
وهي عبارة تكشف الكثير عن طبيعة الصوت الشعري في هذا الديوان، صوت يتأمل أكثر مما يصرخ، ويراقب أكثر مما يواجه مباشرة. حتى الحزن هنا لا يأتي بصيغة الانفجار، بل بصيغة التآكل البطيء والهادئ، وهذا ما يمنح النصوص أثرها الطويل.
كما يلفت الانتباه حضور الجسد في النصوص، لكن بطريقة مختلفة عن كثير من الكتابات العاطفية الحديثة. فالجسد هنا ليس مساحة إغواء أو زينة، بل مساحة تعب واحتياج وغياب وصراع مع الزمن. ففي " تنقصني يدك" يصبح الجسد فاقدًا لطمأنينته دون الآخر، بينما في "قيد" تختصر الكاتبة هذا الصراع كله بعبارة شديدة الكثافة:
"روح ثائرة متمردة يقيدها الجسد"
وهنا تخرج التجربة من إطارها العاطفي الضيق إلى مساحة وجودية أوسع، حيث يتحول الصراع إلى مواجهة بين الروح وحدود الواقع والزمن والفقد. وكأن الذات في هذه النصوص تحاول باستمرار أن تتجاوز حدودها البشرية عبر الحلم أو اللغة أو الذاكرة، لكنها تعود في كل مرة لتصطدم بثقل الجسد والزمن معًا.
ومن الجوانب المهمة أيضًا أن الديوان لا يسقط في الغموض المتكلّف رغم كثافة بعض صوره. فالكاتبة تترك مساحة للتأويل، لكنها لا تقطع الصلة مع القارئ. ولهذا تبدو النصوص مفتوحة على أكثر من معنى، دون أن تفقد حرارتها الإنسانية أو وضوحها الشعوري. وهذه نقطة ليست سهلة، خصوصًا في النصوص التي تقوم على التدفق الداخلي والكتابة الاعترافية. فالكثير من النصوص الحديثة تقع في فخ الإبهام أو الاستعراض اللغوي، بينما تحافظ هذه التجربة غالبًا على توازنها بين الشعرية والصدق.
وفي خلفية هذه النصوص كلها، ثمة إحساس دائم بأن الكتابة نفسها محاولة لترميم الداخل. فاللغة هنا لا تُستخدم للزينة أو الاستعراض، بل بوصفها مأوى هشًا لكائن يخشى التلاشي. وربما لهذا السبب تحتفظ بعض العبارات بأثر طويل، لأنها لا تبدو "مكتوبة" بقدر ما تبدو خارجة من تجربة حقيقية ومؤلمة. ولعل أكثر ما يميز هذه الكتابة أنها لا تتعامل مع الكلمات كأدوات بل ككائنات حيّة، تحمل الوجع والارتباك والخوف نفسه الذي تحمله الذات.
إن " أسلاك كهرباء" في جوهره ليس ديوانًا عن الخيبة فقط، بل عن الإنسان حين يحاول أن يبقى حيًا رغم كل هذا التعب. ولهذا تبدو النصوص أحيانًا كأنها تمشي فعلًا على أسلاك الحنين" مرتجفة، لكنها ما تزال قادرة على حمل شيء من الضوء، وشيء من الحياة، وشيء من القلب أيضًا.
في نصوص ياسمين كنعان لا تبدو الكتابة فعلًا أدبيًا فقط، بل طريقة هادئة لمقاومة التلاشي، وحفظ ما تعجز الحياة عن الاحتفاظ به. وربما لهذا تصل نصوصها إلى القارئ بسهولة، لأنها لا تكتب الألم من خارجه، بل تعيشه بصدق إنساني هادئ.
وفي النهاية، تبدو تجربة "أسلاك كهرباء" محاولة حساسة للقبض على الإنسان وهو يعبر هشاشته بالكلمات. ولهذا لا يخرج القارئ من هذه النصوص وهو يتذكر العبارات فقط، بل يتذكر ذلك الإحساس الطويل بروح تحاول أن تبقى حيّة رغم كل هذا التعب.
تحية للشاعرة ياسمين كنعان على هذه التجربة التي كتبت وجعها بهدوء، ونجحت في أن تجعل من اللغة مساحة للنجاة، لا للزينة فقط. ففي كثير من نصوص هذا الديوان، لا يشعر القارئ أنه أمام كتابة تحاول الإدهاش بقدر ما يشعر أنه أمام روح تحاول أن تعبر هشاشتها بصدق، وأن تحتفظ بشيء من الضوء وسط كل هذا التعب.
وربما لهذا تبقى بعض النصوص عالقة في الذاكرة، لا لأنها الأعلى صوتًا، بل لأنها الأقرب إلى الإنسان.




إرسال تعليق

أحدث أقدم