googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5799732929758736'/> -->

منفى الروح قصة قصيرة


​بأصابع مرتعشة لكنها خبيرة، كان "يونس" يمسك بملقط دقيق، يعيد ترتيب التروس المتناهية الصغر داخل تجويف ساعة حائط قديمة. في دكانه الصغير القابع في زاوية منسية من أزقة المدينة، كان الزمن يتدفق صاخباً ومتسارعاً في الخارج، ورتيباً، ثقيلاً، ومكتوماً في الداخل.

​كان يونس قد شيّد هذا المكان ليكون منفاه الاختياري؛ رجلٌ خذلته الأيام، واستقرت في قاع روحه انكسارات قديمة تركت في قلبه ندوباً لا تبرأ. شبع من الخيبات حتى تملكه يقينٌ بأن القرب من البشر مغامرة خاسرة، لذا فالعزلة هي الملاذ الآمن والوحيد لحماية ما تبقى من شظايا نفسه.

​ومع ذلك، لم يكن منفاه مظلماً تماماً؛ كان في قلبه يتحرك تناقض يدهشه هو شخصياً؛ فبقدر ما كان يهرب من البشر، كان يمارس نحوهم عطاءً صامتاً لا ينتظر ثناءً. يصلح ساعات الفقراء العابرين دون مقابل، ويتحجج بأن العطل كان بسيطاً. يترك كسرات الخبز وحفنة قمح لعصافير الصباح على عتبة الدكان، ويتأملها من خلف الزجاج بابتسامة باهتة. كان هناك خيط خفي واهن، لكنه متين، يربطه بالحياة؛ يترجمه في اعتنائه الشديد بنبتة ياسمين وحيدة وضعها عند النافذة، يراقب تفتح أوراقها كمن ينتظر معجزة.

​في مساء خريفي بارد، بينما كان يستعد لإغلاق دكانه والانسحاب إلى وحدته، انفتح الباب برفق. دخلت فتاة صغيرة، تلمع عيناها ببريق منكسر يشبه بريق عينيه، وبسطت يدها الصغيرة لتكشف عن ساعة جيب فضية متهالكة، قد تداخلت تروسها وتحطم زجاجها.

​قالت بصوت متهدج:

​أرجوك يا سيدي.. أخبرني الجميع أنها ماتت ولا أمل منها، لكنها كل ما تبقى لي من أبي.

​نظر يونس إلى الساعة، ثم إلى عيني الفتاة. كانت عاطفته الباردة تحثه على الرفض؛ فالإبحار في مشاعر الآخرين قد ينكأ جراحه، كما أن إصلاح هذا الحطام يبدو مستحيلاً. لكن شيئاً ما في أعماقه تحرك.. تذكر انكساره القديم، وشعر فجأة بدافع عارم للعطاء، ورغبة عنيدة في إثبات أن الموت ليس النهاية الحتمية للأشياء الجميلة.

​قال بصوت خفيض:

​اتركيها.. سأحاول.

​أمضى يونس ليالي طويلة يصارع تلك الساعة، وكانت الليالي مرآة لروحه المتقلبة.

في الليلة الأولى، هاجمه اليأس، سأل نفسه: "لماذا أرهق قلبي بما لا يعنيني؟ العزلة أسهل". كاد أن يلقي بالساعة ويستسلم، عائداً إلى قوقعته آمناً مهزوماً.

​لكنه في الليلة التالية، وبينما كان الفجر ينسج خيوطه الأولى، التفت نحو النافذة؛ رأى نبتة الياسمين وقد تفتحت عن زهرة بيضاء صغيرة، قاومت برودة الليل وانبثقت بقوة. شعر برعشة في جسده؛ إنها الرغبة في الحياة تعلن عن نفسها في دكانه المنسي.

​عاد إلى طاولته بعزيمة جديدة. غاص في تفاصيل الساعة، وكان كل ترس يعيده إلى مكانه بمثابة ترميم لجزء منكسر في قلبه. لم يكن يصلح آلة للزمن، بل كان يصلح روحه المغتربة.

​وفي الليلة التي تليها، ومع حركة الملقط الأخيرة، كسر صمت الدكان صوت خافت، خافت كالرعد في مسامع يونس:

​تِك.. تِك.. تِك.

لقد عادت الحياة إلى الساعة.

​في الصباح، جاءت الفتاة. وعندما وضعت الساعة على أذنها وسمعت نبضها، غمرت وجهها فرحة لا تسعها الأرض، والتفتت إليه قائلة:

​لقد أعدت لي الحياة يا سيدي!

​غادرت الفتاة، وبقي يونس واقفاً في منتصف الدكان. لم تتغير ملامحه، ولم تُمحَ ندوب ماضيه، لكن شيئاً جوهرياً قد تبدّل.

اقترب من نافذة الدكان التي ظلت مغلقة وتراكم عليها غبار سنين طويلة، تلمّس مقبضها الحديدي بجسارة لم يعهدها في نفسه، ودفعه بقوة.

​تدفق نور الشمس الذهبي، واقتحم الدكان صخب الشارع، وصوت الباعة المتجولين، وضحكات الأطفال. استنشق يونس الهواء النقي بعمق، مسح دمعة فرت من عينه، وابتسم. لقد أدرك أخيراً أن روحه قد تتقلب، وقد تنكسر، وقد تحتمي بالوحدة حيناً.. لكن منفاه الاختياري قد انتهى، لأن العطاء صيّره جزءاً من هذا العالم مرة أخرى.


إرسال تعليق

أحدث أقدم