googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5799732929758736'/> -->

الناقد أبو ديب يكتب: في تحولات الشعر

في تحولات الشعر

كمال أبو ديب

بين أعمق التحولات التي حدثت في الثقافة العربية ما طرأ على مفهوم الشعر وتحديده وما أسمّيه" فنّ الأداء" في تشكيل اللغة والتجربة. وما أعنيه بالغ التعقيد ولن أحاول شرحه هنا. لكنني سأبرز مكوّناً أساسياً فيه بلغة بسيطة لا تعقيد فيها ولا فذلكة. وهو تحول المنظور الذي يصوغ الشاعر منه مادة نصه، فقد كان الشاعر يواجه مادته مواجهة مباشرة وكأن عينيه نور ساطع موجه عليها، ويفعل أحد أمرين: أن يعبر عن مشاعره بإزاء المادة، أو يختزل علاقته بالمادة إلى صيغة معرفية، أي إلى "حكم" أو حكمة من نمط أو آخر على تجربته في الحياة. أما الشاعر المعاصر فقد أصبح ينقل مشاعره دون مواجهة مباشرة بل بمواربة وغبش وشحوب ضوء مشيحاً عن المادة. وهو لا يختزلها إلى بنية لغوية تنقل معرفة من نمط ما، بل يترك اللوحة معلقة في فضاء شاسع وهي تتأرجح، آناً يسقط عليه قبس من ضوء وآناً يختفي.

هكذا يقول زهير
ومن لا يصانع في أمور كثيرة يضرس بأنياب ويوطأ بميسم
فلا يعبر عن مشاعر بل يختزل تجربة عمره في حكم على طبيعة السلوك الإنساني العام.
وليس في شعر شاعر معاصر ما يقترب من هذا النمط من فن الأداء. وفيما بوسع المهتمين بيننا أن يقتبسوا مائة بيت من هذا النمط من الشعر العربي قبل ١٩٤٥ ، ما أظن أحدا بيننا قادرا على اقتباس عشرة أبيات من هذا النمط من الشعر بين ١٩٦٠ والآن. ويندر هذا خاصة بين شعراء القرن الحالي وخاصة خاصة كتابة النساء. أما دلالات هذا التحول فأمر بحاجة إلى فضاء أرحب. وإحدى أهم الدلالات أن الشاعر كان يقف خارج المادة، وخارج نفسه، ويملك معرفة مكتملة بها ويفهمها، أما الشاعر الآن فإنه يقبع داخل نفسه وداخل المادة، وهو لا يملك معرفة بها إلا كبقع متناثرة ولا يفهمها.

عن صفحة الناقد " فيسبوك"

إرسال تعليق

أحدث أقدم