في مساءٍ تعتّق بعبير الكلمة وفاض بوهج القوافي، احتضن منتدى البيت العربي الثقافي مساء الأحد، الثالث من أيار 2026، ولادة باكورة حلقات البرنامج الثقافي المبتكر "عيادة الشعر"؛ تلك المنصة التي لم تكن مجرد فعالية عابرة، بل تجسدت كطقسٍ استسقائي للجمال، أعدّه وأداره ببراعة واقتدار الشاعر محمد خضير، الذي قاد دفة الحوار برهافةِ صائدِ لآلئٍ، محولًا المنصة إلى محرابٍ للتجلّي الثقافي ومختبرٍ لترميم الروح بالكلمة، حيث انهمر الضياء من عيون القوافي ليعيد صياغة المشهد الإبداعي برؤيةٍ مغايرة.
وقد حلّق في فضاء هذه الحلقة الأولى قمتان شاهقتان من قمم الأدب العربي، حيث امتزجت صرامة النقد بشهقة القصيدة في عناقٍ مهيب؛ إذ أطلّ الناقد الشاعر د. ناصر شبانة بعباءة الرائي، مشرّحًا جسد النّص بمبضع العارف، ومقدمًا قراءات نقدية عميقة غاصت في فلسفة المعنى وبنية الصورة. وفي مداخلة نقدية لافتة، أشاد الدكتور شبانة بتجربة الشاعر يوسف عبد العزيز، واصفًا إياها بأنها تجربة استثنائية قادرة على تحويل العادي إلى أسطوري، كما توقف عند تجليات عبد العزيز اللغوية معتبرًا إياها اختراقًا لسكينة الكلمات المعتادة، حيث قال إن عبد العزيز "لا يكتب القصيدة بل يعيش مخاضها الكوني، فتأتي نصوصه محملة بتجليات الرؤيا وعمق المغامرة الجمالية التي تجعل من الحداثة الشعرية كائنًا حيويًا ينبض بالدهشة".
وفي المقابل، كان الشاعر يوسف عبد العزيز سادن الكلمة الذي أثث الأمسية بصوته القادم من تخوم الروح، فقرأ مجموعة من قصائده التي هزت أركان الصمت، مستحضرًا في رائعة "ذئب الأربعين" وجع الأسئلة الوجودية حين صدح بها:
"في رُواقِ الأربعين/ جسدي زوبعةٌ حمراء/ والمرأةُ طين/ في رُواقِ الأربعين/ السماواتُ التي كُنتُ على قُبَّتِها/ أشردُ كالنَّسرِ/ استحالت ورقًا أصفرَ في قبو السنين/ في رُواقِ الأربعين/ تفتحُ المرآةُ تابوتًا لقتلايَ/ ويمضي القمرُ الثَّعلبُ في إثري إلى الحانةِ/ والليلُ يُعلّي سورَهُ حولي/ ويغتالُ الحنين/ ما الذي يدبكُ في الرَّأسِ؟/ دودٌ هائجٌ يقضمُ أعضائي".
ولم يتوقف النزف الشاعري عند هذا الحدّ، بل انتقل بالجمهور إلى تخوم السريالية في قصيدته "الحظيرة" التي رسمت مشهدًا مشحونًا بالذهول، تلا منها بتركيزٍ آسر: "لمّا رجعتُ لمنزلي متأَخِّرًا في الليل/ عادَ ليَ ارتباكي/ مثلَ كيس الرَّمل/ كان المنزلُ الحجريُّ منبطحًا/ وكنت أَرى نوافذَهُ المضيئةَ كالثُّقوبِ/ وكانت الأَزهارُ فوقَ السورِ ترفع في الظلام رؤوسها كأصابعِ الأعمى/ اقتربت فمالت الجدرانُ نحوي/ وارتجفتُ كأنني أهذي.. هذا البيتُ بيتي/ فيه أعجنُ من رماد الروحِ قلبَ الشِّعرِ/ أَرفعُ برجَ أحلامي وأَصعدُهُ لكي أَطأ السَّحابَ الرَّخوَ/ هذا البيتُ بيتي!/ السورُ نفس السور! لا، قد صار أَعلى/ والحجارةُ فيه تبدو مثل أَسنانٍ مهرَّأَةٍ.."
لقد استطاع عبد العزيز أن يروض اللغة المستعصية ويجعلها طيعةً في مهب الدهشة، واضعًا الجمهور في قلب التجربة الإبداعية التي تداخلت فيها ملامح الواقع بالكابوس. ولم يكن الحضور، الذي غصت به جنبات المنتدى، مجرد مشاهدين عابرين، بل كانوا حشدًا غفيرًا من الشعراء والمثقفين والمهتمين الذين تقاطروا ليشهدوا هذا العرس الثقافي بقلوبٍ مفتوحة، حيث سجلوا إعجابًا منقطع النظير بفكرة البرنامج التي اجترَحها محمد خضير، معتبرين إياها "عيادةً" تداوي جراح القصيدة وتستنهض ملامحها الأصيلة... وقد تكلّلت هذه التظاهرة الإبداعية بلحظةٍ تمازج فيها الوفاء بالإبداع، حيث تُوّج المساء بتكريم الشّاعر والناقد بميدالية خاصة صُمّمت حتى توثق لهذه الحلقة التأسيسية، لتظل شاهدًا حيًا ووشمًا في ذاكرة الثقافة الأردنية، تؤكد أن الشّعر سيظل هو النبض الحي الذي لا يشيخ، وأن منتدى البيت العربي سيبقى الحصن الذي يحرس أحلام المبدعين ويشرع أبوابه لكل ما هو شاهق وبليغ.
___
عمون
Tags
قاعة الندوات