googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5799732929758736'/> -->

قراءة في «عودة آدم» للشاعر المغربي عبد الرحيم الخصار: "آدم الذي جاء متأخراً"

 


"آدم الذي جاء متأخراً"
قراءة في «عودة آدم» للشاعر المغربي عبد الرحيم الخصار
تعرّفتُ إلى صوت عبد الرحيم الخصار في زمنٍ كانت فيه القصائد تتعارف قبل أصحابها، في «دروب»، ذلك الفضاء الذي لم يكن مجرد موقع، بل ساحة مفتوحة للنصوص، كانت الأصوات تمرّ مثل طيور، بعضها يعبر دون أن يترك أثراً، وبعضها يظلّ عالقاً في الذاكرة دون سبب واضح. هناك، دون معرفة شخصية، تعرّفتُ إلى هذا الصوت، لم يكن الأمر إعجاباً مفاجئاً، بل انجذاباً هادئاً إلى نبرة لا تستعرض، بل تمشي في اللغة كما يمشي صاحبها في طريق يعرفه.
ثم مضت السنوات، وبقي ذلك الصوت في مكانٍ ما من الذاكرة، مررنا بما مررنا به، وتغيّرت الأمكنة، حتى وجدتُ نفسي في المغرب، أتنقل بين الدار البيضاء والرباط، وأفكر أحياناً، دون جدية كبيرة، أن هذا الشاعر ربما قريب من هذه الأمكنة، وأن اللقاء ممكن، لكن اللقاء لم يحدث، وبقيت المعرفة كما بدأت: معرفة نص.
حين صادفتُ «عودة آدم»، لم أفتحه بوصفه ديواناً لشاعر أعرفه، بل بوصفه امتداداً لذلك الصوت القديم. ومنذ الصفحات الأولى، شعرتُ أن هذا “آدم” لا يقف في بداية الحكاية، بل في مكانٍ متأخر منها، كأنه خرج من زمنٍ أول، ليجد نفسه في عالم لا يشبه ما كان يتوقعه.
يقول:
"أنا آدم / أول رجل على هذه الأرض"
لكن هذا التعريف لا يفتح باب البداية، بل يفتح باب السؤال: ماذا حدث بعد ذلك؟
في الصفحة نفسها تقريباً، يربط هذا الوجود بالندم:
"ليست ريحا تلك التي عصفت / بالأشجار حين نزلت / إنها أنفاسي / أنفاس رجل شلّ الندم قدميه"
وهنا شعرتُ أن الديوان لا يبدأ من البراءة، بل من الوعي بها بعد فقدها، آدم هنا لا يعيش اللحظة الأولى، بل يعيش أثرها.
وأنا أقرأ، لم أكن أفكر في الرمز أو التأويل، كنت أقرأ هذا الصوت وهو ينظر إلى العالم، وأحاول أن أرى معه.
نحن نعيش داخل تفاصيلنا اليومية إلى درجة أننا لم نعد نراها، بينما هذا الصوت ينظر إليها كأنها جديدة تماماً، ولعل ما يمنح هذا النظر قوته، هو شعرية اللغة عند الخصار؛ لغة هادئة لا تستعرض، لكنها تصل، وتلمس دون أن ترفع صوتها.
حتى حين يتخيل المستقبل، لا يراه خلاصاً، بل امتداداً للتعب:
"سيحرُث أحفادي هذه الأرض / وسيْجنون نهايةَ كل صيف / غلالا من التعب"
هذه الجملة بقيت معي طويلاً، كأنها لا تخص لحظة، بل زمناً كاملاً من الشقاء.
ومع تقدم القراءة، يتحول هذا النظر من دهشة إلى حزن، ليس حزناً مباشراً، بل حزن يتسلل من التفاصيل، في لحظة بسيطة، يقول:
"في نحيبها سمعُت نحيب الآخرين"
وهنا يتحول الصوت من فرد إلى جمع، من تجربة شخصية إلى مرآة للإنسان كله.
في منتصف الديوان تقريباً، حين يواجه هذا “الآدم” العالم الحديث، تظهر المفارقة بوضوح، يقف أمام ما نعتبره نحن عادياً، فيراه كأنه اكتشاف أو لغز:
"أدهشتني الطائرة التي تجاري الغيمة / والهاتف الصغير / الذي يخبئ أسرار العالم"
وأنا أقرأ هذا المقطع، شعرتُ بشيء يشبه الحرج: كم من الأشياء نمرّ بها يومياً دون أن نراها؟ كأننا فقدنا قدرتنا الأولى على الدهشة.
لهذا تحديداً، وأنا أتابع القراءة، شعرتُ أن هذا الصوت لا يكتفي بوصف العالم، بل يحاول أن يستعيد شيئاً ضاع منه... ليس ضياع المكان فقط، بل ضياع الحالة الأولى، تلك التي يلمّح إليها حين يقول:
"أما عيناَي فيسيل منهما / حنيني إلى الملائكة"
هذا الحنين لم أقرأه دينياً، بل حنيناً إلى صفاءٍ ما… إلى حالة أخفّ من هذا العالم.
وكأن آدم هنا لا يحنّ إلى مكان، بل إلى طريقة وجود.
هذا ما جعلني أفكر، وأنا أقرأ، أن الديوان كله يتحرك بين حالتين: حالة أولى خفيفة، شفافة، تكاد تكون حلماً، وحالة ثانية ثقيلة، أرضية، مليئة بالتفاصيل التي تجرّ الإنسان إلى الأسفل، وبين هاتين الحالتين، يتحرك الصوت دون أن يجد استقراراً،
في بعض المقاطع، شعرتُ أن هذا “الآدم” يحاول أن يفهم، لا أن يحكم، يراقب، يجرب، يلمس العالم كما لو أنه يتعلمه من جديد، في أحد المشاهد يقول:
"جربت أن أحلّق مثل طائر / أو أجدف مثل سمكة / فلم تسعفني ذراعاي"
هذه البساطة الظاهرة تخفي خلفها إحساساً عميقاً بالعجز، كأن الإنسان، منذ لحظته الأولى، يحاول أن يكون شيئاً آخر، لكنه يبقى محكوماً بجسده وحدوده.
لكن هذه الدهشة لا تدوم، سرعان ما ينكشف الوجه الآخر للعالم، في مشهد عابر، يقول:
"على الشاشة في المقهى / كانت القنابل تسقط / على رؤوس أحفادي"
وهنا تحديداً شعرتُ بثقلٍ حقيقي، ليس لأن الصورة صادمة، بل لأنها تمرّ بهدوء، كأنها جزء من الحياة اليومية، وهذا ما يجعلها أكثر قسوة.
ثم يأتي هذا التكثيف القاسي:
"السكاكين التي تحز الأعناَق / بلا سبب"
لا شرح، لا تفسير، فقط صورة تتركك أمام عبث العنف، كأن العالم فقد منطقه ولم يفقد استمراره.
وأنا أتابع القراءة، لم أشعر أنني أمام نصوص منفصلة، بل أمام صوت واحد يراقب العالم دون أن يدّعي فهمه، في لحظة مفصلية، يطرح السؤال الذي ظلّ يتردد في ذهني:
"إلى أين تمضي أيها العالم / وأنا الأُب الأَّوُل لكل هذا الأبد؟"
هذا السؤال، بالنسبة لي، كان قلب الديوان، ليس لأنه يقدم جواباً، بل لأنه يبقى مفتوحاً، كأنه سؤال لن ينتهي مع نهاية النص. وربما، في هذا السياق، يمكن قراءة الديوان بوصفه "كتابة" تقترب من فكرة "النص الواحد"، حيث تتجاور المقاطع داخل صوت واحد ورؤية واحدة، دون أن تذوب تماماً في نص متصل بالمعنى الذي تطرحه بعض تصورات “الكتابة” الحديثة.
ومع مرور الصفحات، يتسع هذا الإحساس ليشمل الزمن نفسه، لم يعد الأمر متعلقاً بلحظة أو تجربة، بل بتاريخ كامل يمرّ أمام هذا الصوت، في لحظة تأمل:
"أغمضُت عينّي قليلا / فمرّت القرون تباعا"
هنا لم أعد أرى آدم كفرد، بل كعينٍ تنظر إلى التاريخ كله، تراه يمرّ بسرعة، كأنه شيء لا يمكن الإمساك به، وكأن الزمن نفسه لا يتوقف ليفهمه أحد.
وهذا الإحساس، بصراحة، قريب جداً منا نحن أيضاً، كم من الأشياء مرّت في حياتنا، وبدت في لحظتها ثقيلة، ثم صارت ذكرى بعيدة؟
في الصفحات الأخيرة، يهدأ الصوت، ويقترب من التفاصيل اليومية، هناك، في لحظة تأمل، يقول:
" أنظر إلى وجهي في المرآة
وينظر وجهي إليّ
ثم يسحبنا معا دوار الأيام
عابِرَين غريبَين في سفينة
والملاُّح الوحيد الذي سيجّدف بنا
هو النسيان"
شعرتُ أن هذا المقطع يختصر الرحلة كلها.
وفي موضع آخر، حين يختلط عليه معنى هذا العالم، يطرح أسئلة لا ينتظر لها جواباً:
"لماذا يفضي باب الحديقة إلى مقبرة / وتنتهي النوافذ إلى دخان؟"
هذا النوع من الأسئلة لا يبحث عن جواب، بل يتركنا في تلك الحيرة التي ليست بعيدة عنا، لأننا، في لحظات كثيرة، نقف أمام هذا العالم ونسأل الأسئلة نفسها، حتى لو لم نقلها بصوت عالٍ.
كل هذه المقاطع، حين تجتمع، لا تصنع “فكرة” واحدة، بل تصنع حالة، حالة من التردد بين الفهم وعدم الفهم، بين الانتماء والاغتراب، بين الرغبة في البقاء والرغبة في الانسحاب.
وربما لهذا، حين يصل الديوان إلى نهايته، لا يقدم حلاً، ولا يقدّم خلاصاً، بل يتركنا مع هذا الكائن الذي رأى الكثير، وفهم القليل، واستمر في السير.
وهنا تحديداً، شعرتُ أن كل هذا التاريخ، كل هذا الألم، كل هذه الأسئلة… تمضي في النهاية نحو النسيان.
ثم تأتي الخاتمة، التي أعادتني إلى نفسي أكثر من أي شيء آخر، كأن كل ما قرأته كان يقودني إليها بهدوء.
"أغلق الكتاب وأفتح المظلة / أضع القبعة على رأسي / وأسير إلى حيث لا مكان"
هنا لم يعد آدم شخصية بعيدة، صار إنساناً عادياً، يشبهنا، يمشي في هذا العالم دون يقين كامل.
أغلقتُ الكتاب بعد هذا المقطع، وشعرتُ أنني لا أنهي ديواناً شعرياً فقط، بل أخرج من حالة، كأن القراءة كانت عبوراً أكثر منها متابعة، حالة جعلتني أرى بعض الأشياء بطريقة مختلفة، أو على الأقل أعادت إليّ لحظة النظر الأولى التي نفقدها مع الوقت.
أنا لا أعرف عبد الرحيم الخصار معرفة شخصية، ولم يحدث أن التقينا، لا في المغرب ولا في غيرها، رغم أنني كنت قريباً من المكان الذي يعيش فيه، لكنني أعرف أن هذا الصوت، الذي مرّ بي في «دروب» منذ سنوات، بقي وفياً لنبرته، لم يتحول إلى ضجيج، ولم يكتب ليُرضي أحداً، بل استمر في النظر.
وربما لهذا كتبتُ هذه القراءة، لا لأشرح الكتاب، بل لأقول إن بعض النصوص لا تمرّ دون أثر، حتى لو تأخرنا في الوصول إليها، نصوص تجعلنا نتوقف قليلاً، ننظر، ونسأل… كما فعل هذا “الآدم” منذ الصفحة الأولى.
وهذا، بالنسبة لي، يكفي… وربما أكثر مما كنت أبحث عنه.
***
لا بد من التنويه:
من اللافت أيضاً، في سياق هذه التجربة، صدور ديوان الشاعر عبد الرحيم الخصار الأحدث «أَلِزهايمر يا أبي»، الذي يُقدَّم بوصفه نصًا واحدًا مطولًا، بما يشي بإمكانية تطور هذا الصوت نحو اشتغال مختلف على وحدة الكتابة.
***
11.04.2026


شاهر خضرة
شاعر سوري (يقيم في ألمانيا)




إرسال تعليق

أحدث أقدم