-->
تنويه
للمراسلة الرجاء استخدام الرابط الموجود أعلى يسار الموقع " أرسل مقالك للنشر "

بزيغ يكتب: أحمد قعبور وأحمد دحبور : الجناس الناقص والعذوبة الكاملة

 

أحمد قعبور وأحمد دحبور : الجناس الناقص والعذوبة الكاملة

جمعهما اسمان متشابهان وعمر واحد ومزايا مشتركة عدة


كان مقدّراً لهذه المقالة أن تكون مخصصة بالكامل للحديث عن أحمد قعبور, الذي لم يكن رحيله وسط الدخان الكثيف الذي يغطي سماء لبنان والمنطقة, شأناً من شؤون المصادفات المجردة, بل بدا بمثابة احتجاج صارخ على فساد العالم ووحشيته المطلقة, أو نزول متعمد عن خشبة المسرح الفظ الذي يسمى الحياة . غير أن ما عدّل في وجهة الكتابة لتشمل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور, هو خلطٌ بينه وبين المغني اللبناني, غالباً ما تسبب به التشابه في الأسماء . وهو ما حدث للشاعر الفلسطيني عبد السلام العطاري , حين ظل يخلط دون قصد بين الاسمين, في حوار أجرته معه إحدى الفضائيات, بما حوّل الحوار برمته الى تأبين للشاعر والمغني على حد سواء.
وقد قادتني الحادثة تلك, الى التذكر بأن مثل ذلك الخلط , لم يكن غائباً عن بال قعبور ذاته, وهو الذي أخبرنا في إحدى جلسات المقهى التي واكبت فترة مرضه القاسية, بأن العديد من أصدقائه قد اتصلوا به مستنكرين وفاته دون إعلامهم , إثر رحيل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور . ثم تابع على طريقته في الدعابة , بأن زوجته إيمان بكداش, قد اضطرت الى نفي نبأ رحيله عبر أكثر من مكالمة هاتفية, وقد ظن البعض أنه هو نفسه المتوفي . ليضيف مبتسماً أن ما حدث له ذكّره برائعة جورج أمادو الروائية " كان كان العوام الذي مات مرتين".
وإذا كان الكلام عن أحمد قعبور يستدعي مروحة واسعة من الأفكار والذكريات, فإن أكثر ما ميزه عن سواه هو نقاء سريرته, وصدقه مع نفسه في كل ما يفعل, بحيث نستطيع أن نرى أي نأمة حزن أو لمعة فرح , وهي تتلألأ في مياه أعماقه المشمسة . ولم تكن سمات أحمد الأخلاقية, التي ورثها عن والديه العصاميين, لتقتصر على البشاشة وخفة الظل والقدرة اللامتناهية على الحب فحسب , بل إنه اشتغل بدأب المحاربين, على أن لا يكون التواضع عنده اتضاعاً, والحاجة تضحيةً بالكرامة, محاولاً في الوقت ذاته أن يوائم قدر استطاعته بين صلابة الموقف وليونة التعبير عنه .
وقد بذل أحمد الشاب, وهو نجل عازف الكمان البيروتي محمود قعبور, جهوداً حثيثة لجعل الفن خط تماس شديد الحساسية بين الحياة والتعبير, ومحاولة شاقة للتوفيق بين الالتزام بشروط الواقع, والالتزام بشروط الجمال . إضافة الى محاولات مماثلة لتكييف موسيقاه مع روح العصر وإيقاعه المتسارع, دون أن يقطع الصلة بالمقابل مع الجذور الأم للموروث الموسيقي العربي . كما أن إلحاحه الدؤوب على أن يستقي أعماله وأغانيه من الهموم اليومية للبشر العاديين, وتحويل المناسبات الاجتماعية والدينية الى أغنيات وأهازيج, لم يقلل من حرصه الموازي على إيلاء الجوانب الفنية في أعماله ما تستحقه من الاهتمام .
وقد تكون المزايا والسمات التي وفرت لتجربة قعبور سبل البقاء والانتشار الواسع, هي نفسها التي وفرت لتجربة مرسيل خليفه, على ما بين التجربتين من اختلاف, عناصر توهجها الداخلي وثرائها الخلاق , في حين أن معظم التجارب المماثلة قد آلت الى الوهن والضمور . كما أن ما منح أحمد قدرته الملحوظة على ردم الهوة مع الجمهور, هو ذلك الدفء الانساني المنقوع بالألم الذي كانت تبثه حنجرته الراعشة في أوصال مستمعيه, لتصلهم رغم نحول الصوت , بما أضاعوه من حيواتهم على غير انتباه . كما أن ذلك الدفء بالذات, متحداً مع ذكاء فطري وبراءة طفولية المنشأ, قد مكن قعبور من شد انتباه الأطفال وملامسة قلوبهم اليانعة .
وحيث كان قعبور قادراً على تحويل كل ما يقاربه من يوميات العيش وتفاصيله الى فن حقيقي, فإن الكثيرين يذكرون كيف أنه صنع من بعض " الفلاشات " والبرقيات الدعائية السريعة التي كانت تبث في تلفزيون " المستقبل " في تسعينيات القرن المنصرم , مثل " لعيونك " و " البلد ماشي ", برقيات ولقىً ذكية حفظها الناس عن ظهر قلب , وتجاوزت بُعدها السياسي الضيق , لتدمغ بظُرفها اللماح مرحلة بكاملها . ولعل أكثر ما آلم أحمد يومذاك , هو تلك السهام السياسية الحادة التي سددها نحوه الكثير من المتربصين به , وبينهم أقرب أصدقائه, والتي تركت في قلبه جراحاً عصية على الاندمال .
على أن من الصعب الحديث عن أحمد قعبور دون الاشارة الى أن النجاح غير العادي الذي أصابته أغنيته " أناديكم ", التي كتبها الشاعر الفلسطيني توفيق زياد , كان المحصلة الطبيعية للتحالف الوثيق بين جمال النص وبراعة اللحن , مضافا إليهما الصوت الخارج من الأحشاء, بكامل حرقته وتمرده ونشيجه . كما أن الهوة الفاصلة بين صوت المنادي , الشبيه بما تبقى من صارية سفينة غارقة, وبين أسماع البشر المعنيين بالنداء, هي التي منحت الأغنية طابعها الطقوسي , وحولتها الى تعويذة رمزية في وجه الموت .
أما أحمد دحبور, فلعل أكثر ما يتشاركه مع قعبورهو الصدق والعذوبة واقتطاع التعبير من المنابت التراثية الجمعية , التي أعاد كل منهما تجديدها على طريقته . وهو ما عكسه عند دحبور إلحاحه الدائم على محاورة الماضي واستنهاضه , كمثل قوله " أضاعوني وأيَّ فتى أضاع الأهل والخلانْ ". إضافة الى استخدام صيغ النداء نفسها التي استخدمها المغني , حيث تتكرر عبارات من مثل" يا كربلاء تلمّسي وجهي بمائكِ تلمسي عطش القتيل ", أو " ويا جَمل المحاملِ دربنا شوكُ ", وغير ذلك . كما تفصح البساطة واللغة الأليفتان عن نفسيهما , عبر قول دحبور في إحدى قصائده الغزلية :
تبدأ القصة بالوجه المضيء الساحليْ
شعرها الأسود من ليل المخيمْ
فُتْحةُ العينين " يا دين النبيْ " !ً
والواقع أن هذه الميزة لدى الشاعر , أكثر ما بدت واضحة في أعماله الأولى " حكاية الولد الفلسطيني " و " طائر الوحدات " و " بغير هذا جئت " , قبل أن تخلي مكانها في وقت لاحق لخلطة أكثر تعقيداً من الكتابة الحرَفية والحذق التأليفي . ففي تلك الأعمال بالذات بدا دحبور وكأنه يشحذ لغته على سكين الألم والمكابدة والانبثاق التلقائي من باطن الذات , كقوله في إحدى قصائده :
حين يكتمل الحزن تكتمل القنبله
والدم المتربصُ يفتح ذاكرةً في الحجارةِ :
إن فلسطين ممتدةٌ من دمٍ عالقٍ بقماطي
الى حقل رزٍّ يقاوم في عمق " فيتنامً ",
لكنها حين ينقصني خبزها تتجمّع في سنبله
كما أن أكثر ما ميز دحبور في مختلف أعماله, هو أسلوبه الجدلي الدرامي الحافل, الذي كان يشحن اللغة بطاقة عالية من الحيوية والتوتر . ومع أنه كان يعدّ شاعراً غنائياً بامتياز , إلا أنها ليست الغنائية الرخوة التي تتوسل التطريب الصوتي سبيلاً لدغدغة المشاعر, بل الغنائية المشحونة بقلق النفس وأسئلة الهوية المحاصرة والجموح العاصف للكلمات.
ولم تكن فلسطين وحدها هي التي وفرت لدحبور ما يحتاجه من مناجم الكتابة ومساقط الحنين الى المكان الأول, بل إن نشأته وإقامته في حمص, مسقط رأس ديك الجن الحمصي وحبيبته ورد, قد زودته من جهتها بقدر غير قليل من الرقة, حيث الهبوب المتواصل للرياح المحيطة بالمدينة, لم يجبر الشجر وحده على الإنحناء, بل تعهد بأنينه المكسور قصائد الحب وقلوب العشاق وبحة الأسى الدهري .
ولن تفوتني الإشارة, أخيراً , الى أن ما جمع بين الطرفين من تشابهات, لم يكن يقتصر على الجناس الناقص بين الإسمين, ولا على المزايا الإبداعية والانسانية فحسب , بل إن من المفارقات الغريبة أن يكون أحمد دحبور, المولود عام 1946 والمتوفي عام 2017 م , وأحمد قعبور المولود عام 1955 والمتوفي عام 2026 م, قد تقاسما العمر ذاته , بحيث أمكن كل منهما المكوث واحداً وسبعين عاماً لا أكثر, فوق سطح الأرض . كما أن المفارقات نفسها قد تدخلت مرة أخرى , لتجعل من موعد نشر هذه المقالة في " الشرق الأوسط ", اليوم في الثامن من نيسان ( أبريل ) الحالي , هو الموعد نفسه الذي رحل فيه أحمد دحبور , أحد أكثر الأصوات الفلسطينية براءة ونقاء , عن هذا العالم .
___
عن صفحة الشاعر ( فيسبوك)



author-profile

إرسال تعليق

أحدث أقدم