مواجهة الجريان: بين إرادة الفعل وسطوة الواقع
قراءة في رواية سعيد الخطيبي أغالب مجرى النهر
حالة من التشويق تفرض نفسها على قارئ رواية سعيد الخطيبي (أغالب مجرى النهر) التي تؤرخ لفترة تمتد ما بين الحرب العالمية الثانية وتسعينيات القرن الماضي في إحدى مدن الجزائر، ذلك أنها تبقيه في حالة من الترقب انتظارا للإجابة عن أكثر من سؤال درامي تواجهه شخصياتها، من شأنها بناء حالة من الإثارة طويلة الأجل.
تتوزع الرواية بين أكثر من صوت؛ وتحديدا صوت الزوجة المتهمة بقتل زوجها، وصوت والدها اللذين يخضعان للتحقيق. وهو التوزع الذي يحدث تغييرا متواصلا في نبرة السرد، واكبته أكثر من حكاية فرعية ساهمت في إثراء الشخصيات وأضافت للرواية عمقا ونكهة، ذلك أنها سارت بموازاة الحبكة الرئيسية، وكشفت علاقة الشخصيات مع بعضها البعض. علما أنها لم تنج في بعض المرات من فخ الإفراط وعرقلة ما هو رئيسي وربما خلق حالة من التشتيت المحتملة.
ينجح الروائي في تطوير علاقة عاطفية بين القارئ والزوجة المتهمة بقتل زوجها، مما يلعب دورا كبيرا في تنامي القلق نحوها وبشأن ما سيحدث لها، فالزوجة هي أم لطفلة في الرابعة من عمرها، وهي طبيبة عيون يجبرها زوجها الطبيب الشرعي على اقتلاع قرنيات الموتى، ومن ثم زرعها في عيون مرضاها، وهو ما يفعلانه دون إذن من أهل الموتى.
فالرواية تطلعنا وباقتدار على الأضرار النفسية التي تعرضت لها بسبب زوجها، في وقت تفرد صفحات تستعرض فيها مواقف حياتية تكشف معاناتها الجسدية والنفسية من رجل مستبد أو حتى امرأة مستبدة؛ (أمها وحماتها) لم يرحماها قط.
ومع حلقات الاستجواب المتناثرة في الرواية التي يجريها المحقق، يبقى نصيب القارئ في معرفة هوية القاتل محدودا، إلى أن نقترب من النهايات، وهو ما يبقي القارئ محكوما بحالة من التوتر والإثارة النفسية، وتجعله شريكا في تجربة غير محسومة تمنحه متعة آمنة وهو يسعى إلى الكشف عن القاتل؛ فهل هي الأم التي تشك في ولاء القتيل لزوجته؟ أم ذوو الموتى الذين اختلست قرنياتهم؟ أم أن الجريمة هي جزء من تصفية حسابات في المستشفى؟ أم أنه انتقام الأخ لأكثر من سبب؟ إلى أن يحل اللغز في النهاية، دون أن نعرف مصير مرتكب الجريمة، ففرص البراءة والإدانة تبقى معلقة.
من بين الحبكات الفرعية التي تكرر حضورها في الرواية موضوع الحركي أو الكية (علامة تعذيب فارقة) التي يوسم بها كل متعاون مع الاحتلال الفرنسي، ومنهم الأب الذي حقد على زوج ابنته بعد أن كشف كية صاحب له، ليصبح هو نفسه مهددا بفضيحة مماثلة عند موته على الرغم من أنه كان من مناضلي الجزائر ضد الاحتلال الفرنسي.
يبقى بعدها هو وابنته بانتظار رفيقه الصحفي بودو معادل غودو الذي يتكل عليه لإعادة صورته مناضلا ودفع تهمة العمالة عنه، واتكلت عليه ابنته بالمثل لغرض وظيفي آخر، لكنه كما (غودو /بيكيت) لا يأتي، بل ويموت بسبب حادث سيارة.
تطرح الرواية أكثر من حكاية محملة بمعضلات أخلاقية، وتحديات شخصية، مطلوب من شخصيات الرواية والقارئ أن يحلاها معا. كما تكتظ بعلاقات غير صحية مثيرة للجدل يصعب حصرها، على رأسها التجارة بأعضاء البشر، كما يزخر العمل بزيجات فاشلة، وعلاقات سرية غير شرعية.
اللافت في الرواية دفاعها المستميت عن نسوة مغدورات -وفقا للروائي- يعملن في بيت دعارة واجهن وحوشا فرت من أقفاصها، يتعرضن للبيت بضراوة تجعل من العاملات فيه ضحايا يستحققن الشفقة؟!
يحضر العنوان مختزلا ثيمة يتكرر حضورها في الرواية، وهي قرار مغالبة مجرى النهر، وهو القرار الذي دفع الأب مسؤوليته غاليا عندما رفض الامتثال لفكرة تفجير مقهى أخيه كي لا يخسره فترة حرب التحرير، فكانت العاقبة وخيمة، إذ تصدى لرفاقه فانقلبوا عليه، وأصبح من منظورهم خائنا، في وقت هاجر فيه أخوه وقطع صلته به.
في دوامة الأحداث التي أحاطت بشخصية الأب نفتح آذاننا لسؤال مهم: هل كانت الحياة ستسير بشكل أفضل لو امتثل لأمرهم في تفجير المقهى ولم يغالب مجرى النهر؟ أو بصيغة أخرى أيهما أفضل، السير مع التيار والتفكير والعيش مع القواعد والأنماط التقليدية أو تجاوزها؟!