هذا هو السؤال الذي دفعنا لمحاولة القراءة النصيّة والسوسيولوجية للنتاج الشعري والأدبي الفلسطيني في مراحل القوة والضعف، مراحل المواجهة والاحتواء والتمثّل والاستيعاب، مراحل توهّج الشعر وانكساره، أو محطاته التي كان فيها أحادياً ومطلقاً وتلك التي تواضع فيها وتطامن.
هنا أرغب في القول إن النتاج الشعري والثقافي الفلسطيني والعربي كذلك، كان أولاً وأخيراً، يعبر عن ثقافة غنية مليئة بالنماذج والسقوف والمُثل العليا التي ظلت وما تزال تشكل الملاذ الأخير لكلّ ما يقال أو يكتب، وإن لكلّ أمة عريقة هناك ما لا يُقايض به وما لا يُباع وما لا يغيّب، وإن هذا "المطلق" هو ما يقاس به وما يقاس عليه، رغم كل الإنكسارات والتسويات.
ولهذا يظل الشِعر الأصدق في التعبير عن الوجدان العميق الذي هو بمثابة المسلمات، ولكن الشعر، أيضاً – بسبب من تاريخيته – يتذبذب بين المطلقية هذه والنسبية التي تجعله أكثر رغبة في "المعايشة" و"التفاهم" و"الفهم".
وثمة رغبة طموحة لتأصيل التجربة الشعرية الفلسطينية في مكانها وفي تاريخها، وخاصة، ذلك النتاج الذي صدر في الأرض المحتلة العام 1967، هذا النتاج الذي لم يُدرس بما فيه الكفاية، ولم يُتابع ولم يُسلط عليه الضوء الكافي، لأسباب عديدة ومختلفة، لا نرى فيها ما يبرر هذا التعتيم وهذا الاغماط، فالنتاج الشِعري الذي صدر في الأرض المحتلة العام 1967 كان شعراً حقيقياً وأصيلاً، ذلك أنه اجترح شكله ولغته وأسلوبه وصوره ومضمونه من بيت النار، ورغم هذه الضرورة التاريخية إلا أنه حمل معه ما يبرره وما يجمّله، أيضاً، هذا الشعر الذي لم يكن قادماً من "ثورة الخارج" ولم يكن قادماً من "أدب الداخل"، بل كان شعراً خاصاً يصدر عن معاناة الاحتلال والاستيطان والمصادرة والتقييد والسجون، فأتت مباشرته ووضوحه وشعاريته تماماً كواقعه، وصارت جمالياته تماماً كمعاناته، وتحولت أساليبه تماماً كإيقاع الحياة من حوله.
وبعد هذا كله، فهو جزء من تاريخ الشعر الفلسطيني، ومحطة أصيلة من محطات تطوره وتنوعه.
ولا بدّ من محاولة طموحة لرصد هذا الشعر من زوايا مختلفة وعديدة، لتقدم مفاتيح دراسة، ومناهج بحث، ولتشكل دراسة أولية تحريضية للدارسين والباحثين والنقاد والأجيال الفلسطينية والعربية للتأمل في الشعر تحت الاحتلال، وللتحديق في الفلسطيني الذي لم يهن ولم يضعف ولم يستسلم، ولدور الشاعر الفلسطيني الذي لم يهرول أو ييأس أو يختفي.
وربما كانت القضية الأكثر بروزاً في الشعر الفلسطيني خاصة والعربي عامة هي قضية العلاقة مع "الآخر" على مختلف مستوياته وتجلياته، فالعلاقة مع "الآخر" شكلت دائماً المحرّض لهذه الأمة في تفاعلاتها وحركتها التاريخية والاجتماعية.
فالآخر الغازي والقوي والمستعمِر و"المتنوّر" والباحث و"اللأخلاقي" كان دائماً مصدر إثارة وقلق ومخاوف، ويمكن القول إن ثقافتنا العربية الإسلامية في جزء كبير منها كانت ردوداً أصيلة – أو أقل أصالة – على الآخر ، حسب فترات القوة والضعف، وهكذا كان شعرنا الفلسطيني والعربي، وكذلك معظم النتاج الثقافي العربي وخاصة في العصور الحديثة التي كان فيها "الآخر" ليس مجرد المستعمِر دائماً أيضاً الباحث والعالم والمفكر وحتى الشاعر.
ولا بدّ من نقاش لرصد طبيعة تلك العلائق مع "الآخر" في حضوره لدينا وفي الصورة التي كونها عنّا والتي كونّاها عن أنفسنا بتأثير منه، وكيف تفاعلت تلك الصور فيما بينها لتصوغ ردوداً ثقافية غاية في التنوع – تلفيقاً وترقيعاً وانتقاء وانتفاء وأغماطاً وأصالة - .
.. ويبقى الشّعر غنائية الشعب، في تغريبته وعودته الأكيدة.
____
عن صفحة الشاعر على الفيسبوك
Tags
فيسبوك