كتاب "مغامراتي في جبال فلسطين" بقلم صحفي أجنبي معروف
قبل الدخول إلى الكتاب أتوقف قليلا عند تغيب اسم الكاتب، فهذه الظاهرة واكبت القليل من الكتاب، حيث تكون الرقابة الأمنة/ البوليسية سيف فوق رقبة الكاتب مما يجعله ينتحل شخصية أخرى، أو يهمل كتابة اسمه، حفاظا على نفسة، وهنا أذكر بكتاب البدايات الذي كتبه "يعقوب زيادين" وتجاهل كتابة اسمه على الكتب، حيث تحدث في عن سجن الجفر ـ سيء الصيت ـ وما لاقاه ورفاقه من تعذيب وبطش.
في هذا الكتب أيضا نجد الكاتب يتجاهل اسمه، وينتحل شخصية "صحفي أجنبي معروف" حفاظا على نفسه من الملاحقة البوليسية الإنجليزية التي كانت تطارد كل وطني فلسطيني، فالكاتب يحاول (التخفي) حلف شخصية صحفي أمريكي يعمل لصالح صحيفة مشهورة، لكنه لا يحددها: "انتدبتني أدارة جريتي (...) في نيويورك للقدوم إلى فلسطين وموافاتها بأنباء الثورة العربية الفلسطينية القائمة فيها" ص3و7، لكننا نكشف عربية وفلسطينية الكاتب من خلال اللغة التي استخدمها ومن خلال ما كتبه على الصور التي رافقت الكتاب، ففي أول صفحة نجد صورة لأمين الحسيني جاءت تحتها: "صاحب السماحة مفتي فلسطين الأكبر ورئيس اللجنة العربية العليا والقائد الأعلى للحركة الاستقلالية في العالم الإسلامي الحاج محمد أمين أفندي الحسيني" فهذه الصورة تشير إلى انتماء الكاتب إلى الحركة الاستقلالية الفلسطينية وإلى قائدها الحسيني.
يضاف إلى ذلك وضع الكاتب العديد من القصائد الوطنية التي تشير إلى إثارة المتلقي ـ بطريقة غير مباشرة ـ وإلى تعبئته بمنطلقات الثورة وأهمية استقلال فلسطين عن الإنجليز:
قم في الجزيرة واستحث رجالها فعسى يهب من الكرى وسنانها
واذكر لمكة والحطيم وزمزم أن الجزيرة زلزلت أركانها
واشكي لبغداد وقل لمليكها قبر الحسين تثير أشجانها
جرت الدماء بقربه وتدفقت عدرا ولم تنفر بها عدنانها
أفلا يهب لخطبه من يعرب ملك علت في رأسه تيجانها
أملوك يعرب ما لكم لم تغضبوا أقضت بذلك لندن وحنانها
أقضت عليكم أن تناموا للأذى لا نام جفن بالأذى ملأنها" ص103و104.
نلاحظ حرص الكاتب على تبيان حجم التخاذل الرسمي العربي، من هنا نجده يحاول تبيان ذلك للمتلقي من خلال هذه القصيدة وغيرها من القصائد التي نجدها حاضرة بكثرة.
كما نجدد فلسطينية الكاتب من خلال اللغة التي استخدمها في كتابه: "كنا نمشي على اجتيازه بالمصابيح الكهربائية، وانتهينا منه إلى فسحة أخرى أكثر اتساعا من الفسحة الأولى، فاندهشت وقلت سبحان الله، أهذا فعل من يستهان بأمرهم!!" ص51و52، فكلمة "سبحان الله" تشير إلى أن الصحفي عربي فلسطيني مسلم، هذا عدا عن مضمون الكتاب الذي يتوقف عند ثورة ال36 وإنجازاتها العسكرية، فالكتاب يكاد أن يكون توثيقا للمعارك التي خاضها المجاهدون الفلسطينيون ضد الإنجليز، وأيضا توثيقا لجرائمهم بحق الفلسطينيين.
ثورة ال36
تعد ثورة ال36 أهم ثورة فلسطينية، وكان يمكنها إنجاز التحرر الوطني لو لا تدخل الحكام العرب الذين (أقنعوا) قيادة الثورة بأن هناك وعد من بريطانيا بحل المسألة الفلسطينية حلا عادل: "انتهت بمداخلة ملوك العرب وإصدار النداء المعروف المشترك الموقع من ملوك العرب والأمير عبدالله، وتطمين العرب بإنصافهم عن طريق اللجنة الملكية التي قررت حكومة بريطانيا إيفادها إلى فلسطين، ولتقرير حقيقة تاريخية، يمكنني أن أوكد لك بأن بريطانيا التي حشدت يومئذ في فلسطين نحو 20 ألف جندي بمعداتها الحربية عجزت عن قمع الثورة بالقوة، فعمدت إلى هذه الطريقة التي تمكنت بواسطتها من حمل العرب على إلغاء الإضراب والعودة إلى فتح حوانيتهم ومتاجرهم، وترك السلاح" ص16، نلاحظ أن الكاتب يذكرنا بأطول إضراب قام به الفلسطيني، والذي يعد أطول إضراب في تاريخ البشرية، منذ آدم وحتى اليوم، وهو إضراب اال36، وهذا يشير إلى حجم التضحية التي قدمها الفلسطيني لتحقيق الاستقلال، لكن دهاء الإنجليز، وتخاذل الأنظمة الرسمية العربية وتدخلها لتهدئة وإخماد نيران الثورة حال دون ذلك، وهذا ما أكده الكاتب في أكثر من موضع في كتابه.
مفتي فلسطين محمد أمين الحسين
كان مفتي فلسطين يمثل القائد الأعلى لفلسطين، وكان يلتف حوله غالبية الشعب الفلسطيني، فهو يمثل الناحية الدينية والوطنية معا: " كان سلطان تركيا في الماضي يصدر أوامره من استانبول، فتنفذ في جميع أنحاء الإمبراطورية العثمانية، واليوم يصدر مفتي فلسطين الأكبر أوامره من لبنان، فتنفذ في جميع مناطق النفوذ البريطاني" ص53و54، وهذا يؤكد التفاف الشعب وراء القيادة الدينية والوطنية الفلسطينية، بمعنى أن الحسيني جمع بين ما هو ديني وما هو وطني.
الإنجليز
الإنجليز مارسوا أشد أنواع القمع والبطش بحق الفلسطينيين، من هنا وجدنا الأحكام العرفية كانت تنفذ في فلسطين بطريقة أشد بطشا من بقية المناطق التي احتلها الإنجليز: "وفي عمليات التفتيش هذه كانت الحلى والنقود التي يعثر عليها في خزائن النساء العربيات، غرضة للسلب، ولم ينج السكان من الاضطهاد والتعذيب، فقد ضرب الجند الرجال بالسياط واكعاب البنادق، وروعت النساء والأطفال وكان منظرهم في صراخهم وبكائهم يفتت الأكباد" ص57، هذا عدا الإعدام الذي لاحقا كان من قاوم الاحتلال الإنجليزي.
وهناك طرق إذلال أخرى مارسها الإنجليز: "وأخيرا شلح قسم كبير من الرجال من ملابسهم أمام النساء والأطفال، وأدير الزيت على أجسامهم، ثم دفنوا بين التبن، ثم وضعوا على آلات الحراثة بدلا من البقر والدواب وأخذوا بضربهم ليعملوا على حراثة وقلب الأرضي باعتبارهم حيوانات" ص70، من هنا كان لا بد من مواجهة هذا الظلم والعدوان بطريقة الثورة المسلحة، فكانت شراسة الفلسطيني واستبساله في المقاومة تعبيرا عن حجم الظلم والاضطهاد الذي تعرض له.
المقاومة والثورة
اللافت في ثورة ال36 أنها كانت أشرس ثورة واجهت الوجود البريطاني في المنطقة العربية، فرغم تواضع سلاح الثورة، إلا أنها استطاعت إسقاط ست طائرات إنجليزية، هذا عدا خوضها معارك شرسة استطاع فيها الثوار هزيمة عدوهم وإيقاع الخسائر بجنود الإنجليز ومعداته.
ولم تقتصر إنجازات الثورة على تحقيق النصر العسكري، بل تعداه إلى تطوير خطابها السياسي، مبينة للجنود الإنجليز أنهم ضحية لحكومة بريطانيا التي تعمل لصالح اليهود وليس لصالح بريطانيا، وأن الخطر الصهيوني يتجاوز فلسطين إلى بقية المنطقة العربية: "أجل أن البريطانيين يخسرون صداقة العالمين الإسلامي والعربي من اجل اليهود لا من أجل بريطانيا... أن كل فرد منا يعتقد أن الصهيونية لغم خطر يضعه الإنكليز في فلسطين، وسينفجر في الوقت المناسب، فيقضي على عرب فلسطين اجمع ويجعل كل أمل بتحقيق الإمبراطورية العربية مستحيلا" ص78و80، نلاحظ عمق الرؤية السياسية التي استنتجتها الثورة، فهي تجاوزت الواقع الرسمي العربي في ذلك الزمن، وكان يمكن لها أن تكون بداية التحرر العربي، لو وجدت من يقف معها ويسندها من الأنظمة القائمة في ذلك الزمن، لكن حال تلك الأنظمة كان الأنظمة اليوم، فغالبية الأنظمة العربية ما هي إلا "خشب مسندة" لا يستطيعون فعل شيء، وحتى قول شيء يعارض المشروع الاستعماري الغربي الذي يأتمرون بأوامره وما يصدره لهم من تعليمات.
يعرفنا الكاتب على الثورة وكيف أن عز الدين القسام يعد مشعلها، وأيضا يعرفنا على دور الشباب فيها، فيحدثنا عن جمعية فتيان الجزيرة التي أسسها "رشيد الأسعد": يعود الفضل بتأسيس هذه الجمعية إلى فتى عربي فقير المادة غني القلب اسمه (رشيد الأسعد) قضى شهيد الواجب قبل أن يتجاوز من العمر 18 ربيعا" ص110و111، أعتقد أن هذه المعلومة يجهلها العديد منا، وتذكيرنا بدور الشباب في الثورة يقودنا إلى عنفوانها وحيويتها، وإلى أنها كانت ثورة كل الشعب الفلسطيني، حيث النساء شاركن فيه إلى جانب الرجال.
الكتاب صدر عام 1938 في طبعته الأولى، وأعاد اتحاد الكتاب الفلسطينيين إعادة طباعته عام 2001.
Tags
مناطق شائكة