-->

باتريس بافيس(1) – مفكر وناقد مسرحي فرنسي

 

ترجمة: يوسف أمفزع – باحث ومترجم مغربي

يمكن أن يسهم المسرح في تعزيز التفاعل والتواصل بين الفنان والجمهور. ويمكن للقارئ المسرحي أن يخلق تجربة مشتركة مع الحضور، مما يثير الاندماج الجماعي والتفاعل الحيوي مع النص. كما يمكن للقراءة المسرحية، أن تثري الفهم والتأويل الأفضل للنص الأدبي، حيث يمكن للجمهور تجريب النص بطرق جديدة ومميزة، ومتجددة، ومتفردة تتجاوز القراءة العادية.
وهكذا، يمكن أن يسهم تحويل القراءة إلى عرض مسرحي، في إبراز الأبعاد الجمالية، والانفعالية، والفلسفية للنصوص الأدبية بطريقة تفاعلية. فالممثل الذي يؤدي القراءة، يعطي للنص حياة جديدة من خلال التركيز على التعبير الصوتي والجسدي. وقد تطورت طرائق الإخراج المسرحي في أوروبا، وبخاصة بعد الحرب الكونية الثانية التي مكنت العالم من الاستفادة من الإرث المسرحي الروسي الذي كان أكثر استشرافا للمستقبل الأدائي.
يسعى الناقد الفرنسي باتريس بافيس Patrice Pavis إلى إبراز حدود الإخراج المسرحي في مرحلة معاصرة تعرف إغراقا مشهديا متعدد الجوانب، وصراعا بين الفنون جعل فعل القراءة ينهار أمام تهافت الوسائط. وتحاول هذه الورقة البحثية، إبراز الإمكانيات الإخراجية «للدرجة الصفر من الإخراج المسرحي»، وما يمكن أن تنتج من عروض توثق الصلة بين المتفرج/ المشاهد والكتّاب من جهة، وما أفرزته النظرية المسرحية «ما بعد الطليعية» من تحول نحو الأدائية التي وسعت من آليات استجابة المسرح للدينامية الجديدة من جهة أخرى. وبعامة، يراكم بافيس الجهود النقدية والفلسفية التي تسارع إلى إعادة القارئ/ المتفرج/ المشاهد إلى بؤرة الاهتمامات الجمالية والمعرفية لأنها تعتمد في تحصيلها على الحواس والثقافة والتأمل والخيال… مما يثري رأس المال الثقافي للإنسان المعاصر(2).
(المترجم)

إشكاليات دينامية التجريب
بعد تجريب ما يقارب جميع الإمكانيات المحتملة على خشبات المسارح، يمكن القول إن المسرح يود في بعض الأحيان العودة إلى أشكال أقرب إلى القراءة، أكثر من العرض المسرحي، لأجل إعادة اكتشاف بساطة القراءة، الأمر الذي يبدو ضروريًا للمسرح. لكن هل هذه الإمكانية متاحة؟ أليست كل قراءة على خشبة المسرح بالفعل عرضًا لفعل القراءة نفسه، أو عرضًا مسرحيًّا كامل الأركان، ولو كان في أبسط صوره؟
وهكذا، سنحاول أن ننظر في ثلاث تجارب تشتغل ضمن حدود الإخراج المسرحي، رغم أنها تحاول أن تنكر ذاتها، سواء أكان ذلك في القراءة المسرحية، أو اللا-تمثيل، أو الإخراج المسرحي الارتجالي la mise en scène improvisée.
القراءة المشهدية
فُعّلت هذه التجربة استنادا إلى قارئ يحمل كتيبا، بمشاركة قارئ آخر أو أكثر، سواء أكانوا متطابقين مع شخصيات العمل الدرامي أم لا. ولكن غالبًا ما تتعلق هذه التجربة بالأعمال الشعرية أو الروائية التي يقرأها ممثل واحد.
قد تكون هذه القراءة مسرحية بالمعنى الحرفي للكلمة، ووسيلة لتعريف الجمهور على نص غير منشور ولم يُنشر بعد، أو لإعطاء فرصة للجمهور لسماع نص غير «مخطط» له أن يعيش على الخشبة. وفي الآونة الأخيرة، تتم دعوة الممثلين في كثير من الأحيان لقراءة الأشعار، حيث أصبحت القصائد الشعرية تحفل بالفعاليات الثقافية، وهي نوع من العروض الذي كان لفترة طويلة يُنظر إليه على أنه وسيلة غير فعالة لتعريف الجمهور بالشعر، ولكنه الآن ينتشر كثيرا على الساحات والأماكن غير المسرحية.
يمثل العديد من أنواع القراءة، من خلال الأداء المسرحي تمرينا ممتعا للممثل، حيث يتعين عليه العثور على النوع الذي يناسب النص المراد قراءته بشكل أفضل. ومن ثمة، فإن القراءة الفردية والصامتة اختراع حديث، إذ حتى نهاية العصور الوسطى، كانت القراءة بصوت عالٍ. ولذلك، فالقراءة الصامتة ظاهرة أنتجها اختراع الطباعة، «فعندما ملأت مجموعة مطابع غوتنبرغ العالم، أغلقت الصوت البشري. وبدأ الناس في القراءة بوصفهم مستهلكين»(3).
ومع هذا التحول، فإن القراءة للنفس فحسب، بالتحدث تحت اللسان، أي تحريك الشفاه ونطق بعض الكلمات، تمثل خطوة ثانية نحو القراءة بصوت متوسط لشخص بجانب الممثل، ثم القراءة بصوت مرتفع أمام مجموعة كاملة، وأخيرًا أمام الجمهور بأكمله. ويتعين تحديد النقطة التي تصبح فيها القراءة حقا عامة، وذلك بتوجيهها لجمهور خارجي عن الكون التخييلي.
بمجرد أن تُقدم القراءة لجمهور، يتحول القارئ بسرعة إلى ممثل، حيث يمكن قراءة ردود فعله على الكلمة، أو حتى تخيلها، ودوره في التخييل الذي يتجسد. ونشير إلى أن أنطوان فيتيز Antoine Vitez أحد أوائل من بدأ القراءة التزامنية، بين قراءة عالية صوتية لرواية «نواقيس بال Les Cloches de Bâle»، ولعب شخصيات متعددة، تتحدث بالنص لشخصيات كتبها أراغون Aragon. ومن هنا تتشكل حدود بين القراءة والعرض، وبين المؤدي والشخصية، إلا أنه لا يمكن تحديدها بشكل حتمي، مما يجعل من كل قراءة مسرحية، وجهة نظرة معينة للمتحدثين؛ وبالتالي فهي بالفعل مسرحية.
ومع ذلك، وعلى الرغم من أن الصوت يضع النص بشكل طبيعي على المسرح، حيث يمنحه بالضرورة حالة معينة من التلفظ، يمكن للقارئ أن يقلل من الآثار البصرية إلى أقصى حد ممكن، ويخفي الخيارات الدراماتورجية، ويخفف من النص الضمني، ويقترح فقط بدايات محتملة للإخراج(4).
ومع ذلك، يجب على الصوت مراقبة نفسه بدقة، وأن يقتصر على تحقيق معالم العالم من خلال الكلام، بدلًا من التسجيل فيه، والمشاركة ضمنه. وعبر قراءة النص، يقوم القارئ المسرحي بتمثيله في الفضاء، ويخلق في نفسه وفي ذهن المشاهد كونا تخييليا، يبدو وكأنه ينبع مباشرة من الكلمات، ويمتزج بما يظهر على المسرح، حيث إن القارئ هنا مثله مثل المشاهد، يقلع، وينطلق دون أن يشعر، فيبدأ باللعب وتخيل الفعل، سواء أكان حقيقيًا أو تخيليا بحتا.
وبالطبع، نكتشف كل أنواع القراءات الممكنة، من الأكثر حميمية إلى الأكثر تمثيلية. وليست القراءة بالضرورة تتبعًا للأداء، حيث يمكن أن يكون الأداء حياديا للغاية، بينما قد تكون القراءة في بعض الأحيان متبجحة(5). كما لو كان القارئ في الغالب، يحاول تعويض غياب الحركة، واللعب الدرامي، بالتنغيم الصوتي. وإذا كان الأمر يتعلق بالشعر الذي كتب ليتم قراءته ذهنيا أكثر من أن يُلقى مسرحيًا(6)، ليكتمل في ذاته، ذلك أن أي مبالغة صوتية، وحركية ستبدو زائدة وغير ملائمة. وفي المقابل، يظل النص المسرحي المقروء، غير مكتمل في انتظار الممثل، وسيكون التهويل في قراءته أفضل من الشعر.
تقتصر معظم القراءات على مسارح النوادي، أو في أي نوع من الأماكن اليوم بالشعر، وغالبًا ما يقوم بها ممثلون مشهورون، يجذبون جمهورا متزايد العدد. فلماذا تُعرض القراءة بهذا الشكل؟ وما علاقتها بالمسرح؟ ولينتبه القارئ إلى أننا نعيد هذا السؤال على مسامعه قصدًا!
تجدر الإشارة، وبشكل مثير للدهشة، إلى أن قليلا من الدراسات أنجزت حول هذا النوع من القراءة العلنية للنصوص الشعرية أو الدرامية، كما لو كان هذا النوع من التواصل الأدبي، ما قبل الجمالي أو التمهيدي لا يستحق الاهتمام. ولكن الملف المفتوح الحالي، يظهر بوضوح أن الممثلين والشعراء الذين تُقرأ أعمالهم كثيرا لَـيعلموننا هذا التواصل مع العمل الفني الذي يندرج تحت عنوان التعرف العام للجمهور. أليس هنا يظهر المعنى، ويرسم الصوت الشعري مسارا مسرحيا؟
لا يرتبط رهان قراءة القصائد في العلن فحسب، ضمن سياق إبراز بعض الشعراء المغمورين، بل في جعل أصواتهم مسموعة أحيانًا بالمعنى الحرفي، وعندما يُدعى ممثل لإلقاء قصائدهم، في كثير من الأحيان بالمعنى المجازي، من خلال كشف عدة طرق لقراءتها وفهمها، حيث يجبر السياق الاستعراضي أمام الجمهور الممثل على اختيار طريقة للتحدث، إذ يُحسم معنى محتمل؛ فالكاتب يدرك لأول مرة أن نصه ينتمي إلى الآخرين، وأنه يجب أن يتحرر منه ليصير موجودا بالفعل وليس بالقوة.
ولذلك، فإن الأداء، أو الفرجة (الترجمة المغربية لـ: Performance)، تتجلى في قيام الممثل بالتخلي عن النص، بالمعنى العملي للسانيات، ولعب موقع تلفظ معين وفهمه، وهو ما يجعل الشعر، أو أي نص معين، نصًا دراميًا في انتظار تحويله إلى عرض مسرحي. وينطبق الأمر نفسه على الجمهور، إذ يطالب الاستماع بطريقة مختلفة إلى ما هو مألوف للغاية، أو غير مسموع له من قبل.
ومنذ علماء الشعر الروس، علمنا جيدًا أن النص الشعري يبدو دائما غريبا، وغير متوقع، ويثير الانبهار كأنه شيء عجيب موضوع أمامنا، أو كائن خارجي يمكن ملاحظته من كل الزوايا. لذا، فليس الأمر بعد الآن مجرد تفسير النص، أو تقليصه إلى معنى واحد، ولكن هو أن نراه ككائن نسبي، تماما كما رآه كانتور Kantor على الخشبة بجانب الممثلين، حيث رأى المسرح بوصفه إخراجا، أو كائنا يجب تشكيله، أو نمذجته بعد ذلك. وهذه واحدة من الأسباب التي تجعل من «القصيدة كائنا يحوم بين الممثل والجمهور، ويظهر في عدة مرايا في الوقت نفسه»(7).

بين الإخراج واللا-إخراج
تقودنا هذه النسبية الضمنية في المسرح إلى نسبية التمثيل، وإلى الفكرة القائلة بأنه من الأفضل تقليص التمثيل إلى الحد الأدنى، لإتاحة سماع النص، حيث يعتمد بعض الفنانين مثل كلود ريجي Claude Régy على مبدأ اللا-تمثيل، «كأن يكون الأمر، بدلًا من ذلك، نوعًا من العمل في التوليد، وترك المجال للمرور، وفتح الحواجز لتدفق ما سيأتي من بعيد في اللاوعي الباطني للكاتب، ولا وعي الممثلين. وبهذه الطريقة، وبدون حواجز يصل النص إلى لا وعي المشاهدين، وينفذ إلى أفهامهم بسهولة مثيرة»(8).
ولهذا، تكمن مهمة المخرج في البقاء معلقًا ضمن عالم الكتابة، و«الاستماع للكتابة»(9). ولتحقيق هذا الهدف، من الضروري تعطيل الجانب العرضي من التمثيل، والعثور على مكامن الصمت، والسكينة اللازمة لتركيز الممثل، والمتفرج على حد سواء. ويمكن لريجي أن يتفق في هذه الملاحظة مع كوبو Copeau، ذلك أن «الممثل ينجز الكثير من الإيماءات، ولكن أغلبها غير مقصود، ولكنه تحقق تحت ذريعة الطبيعة المتحكمة في الجسد، ودائمًا ما تتضح الكثير من الأشياء في تعابير الوجه، إذ إننا في حاجة إلى الحصول على الصمت وهدوء الذات»(10).
يجب أن يُقرأ المسرح وفقًا لريجي استنادا إلى النص، وهذا لا يعني أنه يجب العودة إلى الأدب المسرحي بشكل حرفي، ولكن يجب أن تكون استراتيجيات الإخراج المسرحي، أقل وضوحا قدر الإمكان لإدخال النص: كما تقول سارا كين Sarah Kane: «لا شيء على الصفحة إلا كلمة، وهي كذلك في المسرح»، بشرط ألا ندفنه تحت الإخراج المسرحي، فالكتابة تشكل عنصرا دراميا في حد ذاتها، أي إنها تنقل الإحساسات وتخلق الصور، وعندما يستمع الشخص إلى النص، يثير العقل تدفقات من الصور. ومن ثمة، يجب أن يظل الإخراج المسرحي في حده الأدنى لكي لا يشوه رؤية المشاهد، ويمنع التطور الحر لخيالهم استنادًا إلى ما يسمعون ويراهنون عليه»(11).
وبشكل عملي في هذه الحالة، يميل المشاهد إلى الاستماع، تقريبا كما في الراديو، حيث يعتمد على صوت الممثلين، فظلام المسرح وبطء الأداء التمثيلي، بعيد عن مسببات الملل والنعاس، ومن المفترض أن يحفز حواس وتركيز المشاهد.
عمل كلود ريجي في مسرحياته على نصوص لدوراس Duras، وفوس Fosse، وماترلينك Maeterlinck، حيث طبق هذا البرنامج سالف الذكر عن طريق التباطؤ والتقديم في إيقاع الكلام والحركات، والإيماءات، وترك المسرح في إظلام جزئي، مما يجبر المشاهد على التركيز، وعيش تجربة مختلفة الزمن. ذلك، أنه ينضم إلى برنامج الكاتب الذي يخدمه بشكل أفضل، مثل مارغريت دوراس Marguerite Duras، ومسرحها الصوتي الذي يعتمد على التوقفات والإعادات المتكررة(12).
ومع ذلك، فإن هذا اللا-إخراج ما هو إلا إخراج آخر بالطبع، حيث يفخم أي تغيير في الإضاءة أو يقلص الإيقاع، أو أي حركة دقيقة لإصبع، أو تغيير في النبرة الصوتية، لتصبح ذات أبعاد هائلة. وإنما الأمر، مناط بتغيير في مقاييس الرؤية.
في تصور إخراجي مسرحي ومبسط من هذا النوع، مثل إخراج فيليب زاريلي(13) Zarrilli Phillip لمسرحية أوتا شوغو Ota Shogo «محطة المياه Water Station»، تظهر الشخصيات وهي تقترب من صنبور يسيل منه الماء بصوت عال طوال العرض، إذ يشرب الممثلون الماء، أو يستخدمونه بطرق مختلفة. ويصبح أدنى تغيير في الإيقاع، سواء أكان بإرادة أو دونها، تأثيرا فعليا في الإخراج، والمشاهد الذي يكون مركزا وصبورا، بل ويبني قصة محتملة، دون الحاجة إلى دعم معين من قصة محددة، أو ضمنية.
وعندما يصاحب هذا النوع من العمل المسرحي البسيط، كما في أعمال ريجي، نص مقترن به كشريط صوتي يتحرك ببطء، فإن الكلمة تكتسب بالطبع بعدا لا مألوفا، وغير متوقع، حيث إن الكلمات التي تنطق، يُسلَّط الضوء عليها على نحو فردي، والمستمع لا ينفلت من التوجيه، وهذا واحد من المهام التقليدية للإخراج المسرحي. ويمكن للمتفرج أن يشعر بكل شيء يأتي من النص، ولكن هذا ليس صحيحًا تمامًا، فالممثل الذي يُوجَّه بدوره من قبل المخرج، هو من يقرر تسليط الضوء على النص، وهذه هي خيارات الإخراج المتعددة.
يعتبر اللا-إخراج في كثير من الأحيان، الاستراتيجية المختارة للنصوص غير المسرحية التي عادة ما تكون موجهة للقراءة، ولا تتوقع الدعم أو التكملة من إخراج مسرحي محتمل. ويظهر هذا النوع من العمل الفني بشكل شبه قسري، حيث إن هذه النصوص غنية بلا حدود، وتحتاج إلى أقصى تركيز، وفي كل معنى ممكن للكلمة.
هذا هو الحال مع جملة مثل: «إنني إذن أدفع الزمن بكتفي» Je poussais donc le temps avec l›épaule، وهي مونتاج لمجموعة من نصوص لمارسيل بروست Proust، قالها سيرج ماجياني Serge Maggiani، وأخرجها تشارلز تورجمان(14) Charles Tordjman. وهكذا، لا يتعلق الأمر بالقراءة المسرحية الإيطالية بالمعنى الدقيق، حيث ينطق الممثل هذه الجمل دون قراءتها، بل بنبرة السرد الذي يظهره كما لو كان يقرأ بصعوبة، مثل طفل يقرأ نصًا متعجبًا فيما يكتشفه. وغالبًا ما يكون من الصعب معرفة -هنا أو في مكان آخر- ما إذا كان الممثل يعيش النص، ويتحدث بطلاقة، أم إذا كان يقرأ ويقلب السطور.
وحتى إذا كان يلعب دورا واضح المعالم، مثل دور بروست، فإنه يتحدث بطريقة غير طبيعية تماما، ويبدو أنه أكثر قلقًا بشأن دقة الإيقاع من أهمية كلماته. ومن هنا، تأتي هذه الانطباعات من القراءة على الرغم من الحفظ عن ظهر قلب. وبوصفه راويا ساردا، تُمثَّل شخصية بروست، ولكن كقارئ، يبدو وكأنه هذا الطفل الذي يكتشف العالم، ويتحدث لنا عنه، أو بوصفه طفلا ساذجا يتعرف عليه المستمع.
ونؤكد مرة أخرى، أن «اللا-إخراج» وفقًا للمعايير الكمية والملموسة، ليس بالضرورة كذلك، بل إنه على العكس تمامًا، إذ يعتمد بالفعل كليا، وتقريبا بالمعنى الحرفي على الممثل. وبعيدًا عن تصوير عالم بروست، أو تجسيد أعماله الروائية، يختار سيرج ماجياني أن يقدم النص بموقف جسدي يقترح خفة للقارئ أمام الكتلة الهائلة من الأعمال البروستية.
يتصف عنوان: «إنني إذن أدفع الزمن بكتفي» بغرابة مثيرة، إلا أنها يجب أن تفهم حرفيًا. ذلك أن الممثل، يكون من خلال موقفه، وصوته، وتعبيره، علاقة جسدية جديدة مع النص الروائي. ولا يتعلق الأمر بتاتا بتجسيد بروست أو شخصياته بشكل مباشر، بل بالعمل على البحث عن جسد وموقف وصوت لـ «دفع الزمن بالكتف». وبالتحديد في كلمات بروست بصوت يُسمع في الفضاء، كما لو كان بدافع غير مرئي.
يصبح هذا الدفع بالكتف ضد الزمن، وهذا الجهد لـ«التعبير» عن الجملة البروستية، محسوسين جسديا من خلال القسوة المعتمدة للجسد. أما الإطار المشهدي فيتشكل من صندوق أبيض مع خلفية متغيرة الألوان، ويتخلى الممثل عن الدور بحصر المعنى، ويُضمَّن في الفضاء والزمن، حيث يجعلان الضغط والانقباض الجسديين محسوسين، بقدر ما يفضيان إلى تعقيد الجملة الجسدية المضطربة، في سلسلة محسوسة أيضًا. إذ إن تقلص الكتف، والرقبة، والأصابع يعبرون جسديا عن قلق الطفل «ربما قد تأتي الأم» ويتمثل عمل ماجياني في تحضير جلسة استماع للجملة البروستية، وتوصيل للجهد الجسدي نحو الذكريات من خلال القسوة والنظرة الوجيهة.
يوضح هذا المثال، على حد سواء، عمليات الإخراج التي تشتغل على حدود النصوص غير الدرامية، ودور الجسد المتكلم، سواء في القراءة كما في الكلام المسرحي، حيث يدفع الجسد النص، ويعرضه لنا بمعنى معين. ويتبقى توضيح هذا المعنى من خلال اللعب أو الصوت، إذ ليس إخراج النص، تحديدًا لأجل وضع النص في سياق جسدي، بل لوضع الجسد في خدمة النص.
وعلى هذا الأساس، لا يسعى الممثل كثيرا لتمييز الشخصية، بقدر ما يسعى للاندماج في النص ليشعر جسديًا بسيره ومساره؛ ويتوجب عليه أن يجرب مقاومة المادة النصية لضغط الجسد، ويقف الممثل صفًا في وجه الجماهير التي تبحث فيه عن ممثل وفاعل مطلق في العالم الخيالي؛ إنه يدفع جسده جانبيا في الزمان الكلامي للجملة. وبالتالي، تحل الجانبية الكلامية محل المباشرة الخطابية، حيث تسعى طريقتنا أكثر لمتابعة حركة الجملة من أجل تصوير عالم ضائع. بيد أن الجسد يستعيد، بمفرده، الذاكرة، ويختبر الكلمات من خلال وضعها في مواجهة نظرة الآخر.

سيرورة الإخراج والارتجال
إذا كانت غيابية التنظيم المسرحي في الواقع عملا متطورا للغاية، ومراقبا عن كثب من قبل المخرج بقدر ما هو مهمة موكلة للممثل، فمن المرجح أن هذه المسرحية المبتكرة تتكون أطوارها كذلك بشكل جزئي. ومع ذلك، يجب أخذ إرادة رجل مسرح مثل كريستيان ريست(15) Christian Rist بجدية بالغة في تقديم أداء (المصطلح المؤقت!) لإضاءات ريمبو Rimbaud الذي لا يكون محددًا مسبقًا، مثل تلك القصائد التي تُتلى من قبل ثلاثة ممثلين مسرحيين.
وفي الواقع، لا شيء نمطي محدد من ليلة إلى أخرى، ولا اختيار تقليدي للنصوص، ولا ترتيبها، ولا هوية الممثلين الذين سيؤدونها، ولا حتى المعنى الذي من المفترض أن تضفيه التفسيرات، بل يُحدد نظام الإضاءة عشوائيًا، وتتغير مدة العرض حسب الممثلين.
ويبقى أن البيانات الثابتة الوحيدة، تكمن في الوفاء بالنصوص الشعرية، والمسرحية المحددة بعناية، والترتيب المسرحي الذي بُنيَ خصيصًا لهذا العرض الذي قدم على مدرج خشبي منفتح حول مساحة مركزية مغطاة بسطح يعكس الضوء. وترى الجمهور قريبا جدا من الممثلين الذين يتحركون على السلالم العلوية، وفي المساحة المستطيلة، حيث وُضعت أعمال ريمبو بشكل غير منتظم في افتراضات غير محتملة.
لا يقتصر الارتجال بشكل متأن بالنصوص على التنغيم، أو أي تقلبات غير مفهومة. إنه يتعلق باتخاذ قرار متى يجب التحدث، وبأي قصائد وقبل كل شيء بأي دافع، مقارنة مع النص المقروء المحفوظ في الذاكرة المتاحة بشكل جسدي، ويمكن الاستعانة بها في أي وقت. شريطة أن تعرف اللحظة المناسبة، وأن يكون المتحدث مستمعًا للشريكين الآخرين، وأن يسمح لنفسه بأن يستلهم من العلاقة المكانية والجسدية التي تنشأ بين الفاعلين.
قد تكون كلمة، أو موضوع قصيدة، بمثابة الدافع القوي في بعض الأحيان لتشغيل الحافز، وتحفيز الحركة، وتشجيع رجع الصدى، لكن هذه اللقاءات عادة ما تكون عرضية، إذ إنها تعيد فقط إطلاق التفاعلات بشكل نموذجي. وتجري معالجة النصوص بطريقة تشبه قراءات ريمبو: حرفيًا وفي كل الاتجاهات. وعلى عكس التسلسل الزمني، فإنها تجعلنا نسمع ونرى شبكة من القصائد التي قد تلتقي أصواتها، أو مواضيعها عرضيا، مما يشي أن لها تأثيرا ملحوظا.
تراكمت العديد من التحولات في المجال البحثي للإخراج المسرحي، منذ أكثر من قرن وفي أكثر من تجربة. ومع ذلك، فإن هذا الإشباع الملحوظ للدراسات لم يكن هادفا، مما أحدث تخمة، جعلت الرمزيين الروس يشككون في الإخراج نفسه بالفعل، منذ سنة 1890! وهو ما كان جديدا في فرنسا ستينيات القرن الماضي عبر مفهوم «الأداء Performance» الذي صار جزءا من تقاليد ثقافية أخرى، مثل التقاليد الجديدة للدول الناطقة بالإنجليزية التي أنتجت تيار الأدائية la performativité المعاصر.
أما التقاليد الفرنسية والقارية عموما، فإنها تفهم الممارسة المسرحية، بوصفها تمثلا يرتبط بالعرض، وبمفهوم التمسرح la théâtralité، وهو مصطلح استخدمه الشكلانيون الروس، وقد وجدناه معادلا موضوعيا للأدبية littérarité. واعتمده كذلك، كثير من المخرجين بداية القرن العشرين، وفي مقدمتهم المسرح مايرهولد Meyerhold الذي رسم الخطوط العريضة لمجموعة من الثوابت التي تبناها المسرح المعاصر.
على النقيض من ذلك، فإن تقاليد الدول الناطقة بالإنجليزية تعرف فقط مصطلح «الأداء performance» الذي يستخدم لكل من التمثيل المسرحي، ولأي نوع من أنواع «الفرجات الثقافية». ولكن لأي نشاط ينفذه إنسان داخل مساحة فرجوية، مثل الشعائر، والطقوس، والمراسم، والألعاب… ويمثل وصول فن الأداء إلى فرنسا في ستينيات القرن الماضي، بداية هذه الرؤية الأدائية للمسرح، ويفتتح تضمين المسرح في الإطار الأوسع للأداء بجميع أنواعه. ومن الممكن، أن نرى تسليم هذه القضية من فكرة الرغبة في الوصول للتمثيل المميز إلى واقع الأداء المبهر الذي أسهم في حد ذاته في إطالة أمد الدراما. ومن ثمة، فإن الأداء والتمثيل لا يمكن فصلهما في الدراما الغربية، وهما أيضًا ما يسمحان بالمقارنة والمواجهة بين الأشكال المسرحية الأوروبية، والأداء الفرجوي الثقافي، و/أو العروض الفنية الأخرى في جميع أنحاء العالم.

تركيب
تثبت هذه الحالات الثلاث التي تتواجد قرب حدود التمثيل، مثل القراءة، والتمثيل الإلغائي، والتحسين النسبي للأداء، فاعلية هذا التشخيص الذي يقول إن التمثيل المسرحي اليوناني القديم، على الرغم من إدانتها لكونها استحالت رمادا مبجلا، فإنها تحاول بشكل يائس أن تقلل من نفسها إلى الحد الأدنى، للبقاء على قيد الحياة، ولكنها أيضًا تسعى لتوحيد قواها مع الخطاب القديم والدرامية الأرسطية التي تناضل لإثبات الذات. وبطبيعة الحال فإن، التمثيل المسرحي والأداء الفرجوي لا يمكن فصلهما عن بعض، ولكن الجرعة الزائدة فقط هي التي اختلفت، في تحديد أولوية، وأهمية ابتكار مفهوم الأداء Performance.
يلاحظ لودوفيك جانفيي Ludovic Janvier، ذلك بشكل دقيق، حيث أكد أن «القصيدة، والمسرح، والنثر (…) تتجه نحو الصوتية، والإيقاعية»، وهذا التوجه -ويمكننا القول تقريبًا إنَّ هذا التحول- يعيد توزيع الأوراق، لكنه لا يعيد ابتكارها، فليست القراءة ممكنة، إلا إذا كان القارئ أيضًا بعض الشيء مشاهدًا للأفعال التي يتخيلها. وعلى النحو، فإن التمثيل، حتى وهو يسعى بتواضع إلى أن يُنسى، ما زال معتمدا على العمل الفني الأدائي.
أما التمثيل المسرحي، في شكله القانوني الأكثر حداثة، وهو ما يعرف بالمسرح تحديدا، فلم يعد تجميعًا للعلامات فحسب، بل يسعى إلى تحقيق «البوليفونية المعلوماتية» على حد تعبير بارث، ولكن هذا الفعل البسيط يؤدي إلى التعامل مع مختلف أنواع الأداء، مثل تلك الأصول اللغوية التي يتحدث عنها جانفيي، وتلك التي تظهر في أمثلتنا التحليلية: أي النص المقروء على الخشبة، والنص المستمع إليه من قبل المشاهدين، والقصيدة التي يحييها الفنان بدفعة مفاجئة ومبتكرة.


الهوامش

باتريس بافيس، ناقد، ودراماتورج، ومفكر فرنسي من مواليد 1947. اشتغل أستاذًا للدراسات المسرحية في جامعة كانتربري بإنجلترا، إضافة إلى عدد من الجامعات المرموقة التي عمل بها أستاذا زائرا. ويعتبر بافيس، من أكثر النقاد تأثيرا في سيرورة المسرح المعاصر، حيث كتب بشكل مكثف عن المسرح والفرجات والأداء، وركز دراسته وأبحاثه على السيميائيات المسرحية، والتعددية الثقافية في المسرح. وحاز جائزة جورج جاماتي سنة 1986.
أضفنا التوطئة لوضع المتلقي العربي في عمق الاهتمامات المسرحية المتعددة للناقد باتريس بافيس، لأن حدود الإخراج المسرحي، كما يتمثلها، شاسعة للغاية، مما يخول الإخراج إمكانيات أكبر مما نتوقع.
Marshall McLuhan, The Gutenberg Galaxy, Routledge, London, 1962, p250.
انظر دنيس بوداليديس Denis Podalydès.
انظر جاك بونافيه Jacques Bonnaffé.
يرجى التأكيد على أن ما قيل عن الشعر الحديث خصوصا، يختلف كثيرا عن الشعر العربي الذي تحتفي بنيته بالبيت الشعري بدلا من المقطع. أضف إلى ذلك، أن بنية القصيدة الشعرية أو عمود الشعر العربي، وتقاليد القول الشعري التليد في الثقافة العربية، يجعل للإلقاء الشعري تفردا ظاهرا (المترجم).
انظر دينيس بوداليديس.
L›Art du théâtre, n° 6, 1986-1987, p62.
Claude Régy, Théâtre, n° 5, Oct.- Nov., 2002, p47.
Jacques Copeau, Registres, Gallimard, Paris, vol. I, p. 59.
Théâtres, n° 5, p. 23.
Marguerite Duras, L›Arc, n° 98, 1985, p. 665. Cité in Joseph Danan, Le Théâtre de la pensée, Rouen, Éditions Médianes, 1985, p 300.
Mise en scène de la pièce de Ota Shogo: Water Station par Phillip Zarrilli à Singapore, été 2004. Il en existe un DVD.
Festival d›Avignon,2001.
Christian Rist, Rimbaud/Illuminations, fragments scéniques improvisés, Théâtre d›Antony, 2005.

 

المصادر والمراجع

أصل المقال بمجلة أدب
Patrice  Pavis : Aux frontières de la mise en scène, In: Littérature, Théâtre : le retour du texte ? n°138, 2005.

 

إرسال تعليق

أحدث أقدم