في زمن يبحث فيه الجميع عن "وصفة سريعة للشفاء" و"كتيب إرشادات للسعادة"، يطل علينا الكاتب صهيب العتال بعمل يحمل عنوانًا صادمًا وعميقًا في آن واحد: "حين يفكر الوجع". هذا العمل، الذي تتجلى نبرته التأملية في فقراته الافتتاحية، ليس مجرد إضافة جديدة إلى رفوف كتب التنمية الذاتية، بل هو دعوة فلسفية جريئة للتوقف عن الهرب من الألم، وبدء "الحوار" معه.
إن الفرضية المركزية التي ينطلق منها العتال تتجاوز المنظور التقليدي للألم كـ"عدو" يجب التخلص منه. فبدلاً من رؤية الوجع كـ"صرخة تُولد ثم ترحل تاركة الذكرى"، يقترح تحويله إلى "فكرة"؛ كيان واعٍ يمتلك القدرة على "أن يفكر... وأن يتأملنا كما نتأمله". هذا التحول الإدراكي يمثل نقطة انعطاف حقيقية في علاقتنا بالتجربة الإنسانية الأشد قسوة.
يؤكد صهيب العتال أن كتابه الصادر عن دار الجنان للنشر والتوزيع في عمان، ليس "وصفة للتصالح" أو "كتابًا للشفاء"، وهو اعتراف صادق يحرره من فخ الوعود الزائفة. فهدف "حين يفكر الوجع" هو أعمق وأكثر جوهرية: محاولة لفهم الجانب الصامت من التجربة. هذا الجانب هو ما "لا يُقال في لحظات الانهيار، بل يُدرك بعد أن نصمت طويلًا".
لذلك، فإن قراءة هذا الكتاب ليست بحثًا عن "عزاء"، بل عن "معنى". إنه يطرح الوجع كـ**"دليل"** يكشف لنا عن "ما كنا نجهله عن أنفسنا"، محولاً كل "لحظة صعبة" إلى "حكمة". هذه الحكمة لا يمكن أن تُدرك إلا عبر طريق واحد: "الفكر" بدلًا من الهروب أو الاكتفاء بـ"الشعور".
إن ما يميز هذا العمل من العتال هو إصراره على منح "كل وجع صوتًا، وكل جرح سؤالًا". هذا التفاعل التأملي يحث القارئ على خوض رحلة "نحو ألم أكثر وعيًا"، مما يضفي على الحياة "صدقًا" ربما لم نكن لنجده في رحلة الهروب المستمرة من مصاعبها.
"حين يفكر الوجع" يبدو كعمل ضروري في وقتنا الحالي. يضع صهيب العتال مرآة أمام الروح ليرى القارئ ألمه ليس كوصمة عار أو ضعف، بل كمعطى خام ثمين، كاشفًا أن أصدق الدروس الإنسانية تتولد من رحم التفكير العميق في الأزمة، لا في محاولة تجميلها أو نسيانها. هو كتاب يُقرأ لا لـ"تنسى وجعك"، بل لـ"تراه من زاوية أخرى: زاوية الفكر، لا فقط الشعور".

إرسال تعليق