اللافت في رواية
"قلادة ياسمين" إرجاعنا إلى القرن الماضي، وتحديدا إلى دور الإنجليز في
المأساة الفلسطينية، والمأساة هنا مأساة الشعب عامة، ومأساة ياسمين وزوجها، كما
أنها تتوقف عند جرائمهم قديما، قتل زوج ياسمين وسرقة قلادتها، وحديثا بقتل جورج،
وهذا يؤكد الصورة السلبية لهم ولدورهم في مآسي الشعوب عامة والشعب الفلسطيني خاصة.
إذن يمكننا القول
إن رواية "قلادة ياسمين" متعلقة بالإنجليز وأعمالهم القذرة في فلسطين،
فرغم أن "جورج" بطل الرواية إنجليزي، ويعمل جاهدا على إصلاح ما فعله جده
الذي قتل زوج "ياسمين" أمامها وسرق قلادتها النفيسة، إلا أن الصورة
العامة للإنجليز تبقى صورة قاتمة، لا يمكنها أن تكون جميلة وحتى مقبولة، من هنا
وجدنا الحكومة الإنجليزية تقوم بقتل "جورج" في سجنه، لتؤكد أنها دولة
ظالمة للآخرين، ظالمة لكل من يريد كشف حقيقتها ودورها في مآسي الشعوب.
طريقة عرض
الأحداث
نلاحظ أن أحداث
الرواية تسير في أكثر من تجاه، أحيانا نجدها تسير إلى الأمام/ المستقبل، ومرة تعود
إلى الماضي، وهذا التنقل في الزمن أخرج الرواية من رتابة السرد، فهي ليست سرد
تاريخي، وإنما عمل أدبي روائي، لهذا نجد رمزية العنوان، من خلال أثر القلادة على
عائلة جد جورج التي مات كلها منتحرة: "ربما لم تكن القلادة وحدها ما حمل
اللعنات لبيت جدك، ألم تقل لي أنه جمع الكثير من مقتنيات الشرق في بيته؟ لماذا لا
يكون بينها ما يحمل اللعنة؟... هل تظنين أن كل شيء جلبه ترتبط به جريمة؟ لم أقصد
هذا ولكن كل هذه الأشياء بالتأكيد كانت تعني الكثير لأصحابها" 196، هذا
الحوار الذي تم بين "جورج وباولا" يشير إلى أن هناك جرائم كثيرة فعلها
الإنجليز بحق الآخرين، وليست جريمة واحدة، يمكن تحديدها.
رمزية العنوان
"قلادة ياسمين"
وإذا ما توقفنا
عند "قلادة ياسمين" سيقودنا إلى المال المنهوب من فلسطين وفقدانه، فهناك
تقديرات تشير إلى وجود ملايين الجنيهات الفلسطينية كانت في البنك (المركزي)
الفلسطيني، وتم فقدانها بعد خروج الإنجليز من فلسطين، بمعنى أن الإنجليز اقترفوا
أكثر من جريمة بحق فلسطين، تسليمها للصهاينة الغرباء، وسرقة أموالها، وقتل شعبها،
وحرمان من بقي حيي من الحياة السوية/ العادية، مما يجعل عملية إصلاح ما فعله
الإنجليز عملية شبه مستحيلة، لهذا رغم كل ما فعله "جورج" الذي أعاد كل
مقتنيات جده المنهوبة إلى فلسطين، إلا أنه لم يصلح الماضي، فالجدة ياسمين التي قتل
زوجها أمامها لم تستطع الإنجاب بعد الحادثة، وبقيت تعاني نفسيا من هول الصدمة،
بمعنى أن هناك أشياء لا يمكن إصلاحها، أو إعادتها إلى ما كانت عليه، من هنا تردّ
الحفيدة "ياسمين" على جورج الذي عرض عليها التعويض عما بدر من جده من
جرائم مشينة: "ماذا يعني أن أتلقى التعويض عن موت جدي وحدي وأخوتي؟ هذا الوطن
وحدة واحدة نعمل على استعادة حقوقه ولا يملكون سبيلا ولم تساعدهم الظروف...إن
استشهاد جدي هو استشهاد كل فلسطيني منذ الاحتلال البريطاني إلى اليوم ثم إلى
التحرير، وحقي هو حقهم جميعا أن يعود بالتحرير والخلاص من الاحتلال، وعليهم
الاعتذار للشعب الفلسطيني كله على ما سببوه من معاناة وتشريد وضياع للوطن"
ص217، فالسارد هنا يؤكد أن المشكلة/ المأساة الفلسطينية ليست فردية/ شخصية، بل
مشكلة تطال كل الشعب الفلسطيني، وعلى من تسبب بها العمل إلى (إصلاح) ما يمكن
إصلاحه.
السرد
الرواية تم سردها
بواسطة السارد الخارجي/ العليم، لكن عندما تتحدث الشخصيات يجعلها تتحدث بصوتها، من
هنا نجد اللهجة المحكية حاضرة في كلام إحدى السيدات الفلسطينيات: "الله
ينكبهم الإنجليز رملوا أم إبراهيم وسرقوا كردانها" ص121، ومن جانب آخر يسمعنا
صوت جد جورج وكيف قتل زوج "ياسمين" واستيلائه على قلادتها: "عاد
الرجل يلف بذراعيه الفتاة، ما أن وصل حتى خرجت وأوقفته، اختبأت الفتاة خلفه، حاولت
إبعاده لتنكشف القلادة التي سحرتني لكنه كان مستعدا لأي شيء يحول دون مساسي بالفتاة،
العداء الشديد بعينيه، تملكني خوف من نظراته، كان كنمر مخيف، تلاقت عيوننا في موقف
تحدٍّ كبير، لم استطع مجاراة كل ذلك الجحيم الذي يخرج من عينيه، حتى قرر أن ينهي
ذلك التحدي، عندما قرر بسرعة مهاجمتي، حاولت أن أطلق النار، رفع البندقية وخرجت
الرصاصة في الهواء، عندها أطلق جندي آخر النار عليه فأرداه قتيلا، هكذا هي الأشياء
الثمينة، لقد استحقت القلادة المجازفة من طرفينا، لكننا نحن البريطانيين دائما
ننتصر" ص198و199، هذا ما وجده "جورج" مكتوبا في مذكرات جده التي
وجدها في الصندوق.
إذن ـ نسبيا ـ
هناك تعدد أصوات في الرواية، وما إسماعنا صوت الجد القاتل، إلا صورة عن العقلية
التي يفكر بها الإنجليزي، وإذا ما توقفنا عند "جورج" الذي وجدنا صوته
بكثرة، نصل إلى أن السارد حاول الخروج من هيمنة السارد الخارجي/ العلمي وإعطاء
الشخصيات مساحة للتحدث بصوتها وبحريتها.
المكان
اللافت في الرواية
توقفها عند أكثر من مكان، وإعطاء صورة عن التغييرات التي جرت فيه، إن كانت متعلقة
بطريقة استخدامه، أم تغييرات بالتسمية، يتحدث "جمال" ل"جورج"
عن قصر سليمان جاسر الذي شيده عام 1910، وما جرى فيه: "أضطر صاحب القصر إلى
بيعه في عام 1929 إثر انهيار البورصة عالميا... حولته حكومة الاحتلال البريطاني
إلى سجن، أرأيت التحول؟ سجن حتى أنتهى الاحتلال لتجعله الحكومة الأردنية مدرسة،
وبعد قدوم السلطة الفلسطينية ارتأت أن تحوله إلى فندق... لكن الاحتلال الإسرائيلي
احتله وحوله لثكنة عسكرية إبان الانتفاضة الثانية، ثم انسحبوا منه بعد ثماني
سنوات، ثم أغلقوه فترة بأمر عسكري" ص84، اللافت في التغييرات إنها إذا جاءت
من المحتل جعلته مكانا للقمع، سجن، ثكنة عسكرية، بينما التغييرات الوطنية إيجابية،
مدرسة، فندق، وهذا يشير إلى أن الاحتلال مهما كان جنسه فهو وجد للخراب ولتشويه ما
هو جميل، بينما الوطني يعمل على إعادة الرونق والبهاء للمكان.
كما يتوقف السارد
عند العديد من الأماكن، خاصة ممتلكات الإرساليات الدينية التي تملكها الدول
الأوروبية، روسيا، اليونان، النمسا، فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، إسبانا، فيتوقف عند
العديد منها، مثل المسكوبية، وكنيسة الثالوث المقدس، وكنسية نياحة العذراء، مما
يجعل الرواية مصدر من مصادر التعرف على الممتلكات الأوروبية في الأرض المقدسة،
وبمعنى أن فلسطين أرض/ مكان للسلام، مكان آمن وجامع لكل الأمم التي تريد أن تقيم
شعائرها الدينية.
والسارد لا يقدم
المكان على أنه مجرد أبنية حجرية ـ حتى لو كانت جميلة ـ لكنه يقدمه على أن له روح،
له أثر إيجابي على زائريه، ويمنحهم الهدوء والسكينة، يحدثنا عن أثر المسجد الأقصى
على جورج بقوله: "هذا المكان بما يحمله من كرامات وتقدير يفرضها على
زائريه...فصاحب المكان هو من يحترم مكانته لا من يدنسها...يخرج جورج...ما زال يحمل
لحظات السكون والهدوء النفسي الذي أهدته إياه ملائكة المكان" ص164، من خلال
هذا المقطع يمكننا الوصول إلى أكثر من مسألة، القدسية الدينية تتجاوز الدين، فكل
من يدخل المكان يشعر بالرحة والسكينة، حتى لو كان من ديانة أخرى، الاحتلال يدنس المكان،
بمعنى أن المكان غريب على الاحتلال، والاحتلال غريب على المكان، ولا يمكنهما
التلاقي/ الانسجام/ التوافق، فكما أن هناك عداء بشري/ إنساني/ وقومي/ وطني، هناك
عداء المكان/ الجغرافيا/ الأرض مع الدخلاء عليها.
شخصيات
حقيقية
يتوقف السارد عند
شخصيات حقيقية كما هو الحال عندما تحدث عن قصر سيلمان جاسر، كما يتوقف عند قادة
عرب كانوا مثلا لتضحية والتمسك بالحقوق الوطنية والقومية: "هذا المكان المقدس
هو في الأصل مسجد بلال بن رباح، تم تزوير تاريخيه كغيره وأطلقوا عليه اسم قبة
راحيل، وهناك عند الحاجز توجد مقبرة للشهداء، يقف فيها شامخا نصب تذاكري للبطل
المصري أحمد عبد العزيز، في حرب العام 1948 تقدم أحمد عبد العزيز بالتنسيق مع
القائد الأردني عبد الله التل بعيد عن التنسيق مع قيادتهم" ص45، وهذه الفتة
مهمة لأنها تبين الهوة التي تفصل الجندي العربي عن قيادته السياسية، فالعسكري
معطاء، يعمل بعقيدة وعقلية منتمية للوطن، بينما السياسي يعمل عكسه تماما.
كما يتوقف عند
شخصية معاصر "فؤاد نقارة" رئيس نادي حيفا الثقافي، ودوره في المحافظة
على الثقافة الوطنية الفلسطينية: "أسست نادي جيفا الثقافي في عام 2011 لهذا
الغرض، وليكون امتدادا لحركة ثقافية وأدبية ميزت هذه المدينة عبر العصور"
ص189.
نلاحظ أن السارد
يربط بين الشخصيات الحقيقية والمكان، وهو بهذا يؤكد الترابط بين الإنسان والمكان،
وأن هناك عورة وثقى بينهما، فهما الجسد والروح، لا يوجد لأحدهما دون الآخر.
وهذا ما يجعلنا
نقول إن رواية "قلادة ياسمين" تمثل قلادة/ ثروة/ أموال فلسطين المنهوبة،
وتمثل جغرافيا فلسطين التي تم سلبها من الاحتلال بعد أن تم قتل أصحابها تشريدهم في
بقاع الأرض، ويمكن للقارئ معرفة حقيقة ودور الإنجليز في المأساة الفلسطينية،
والتأكيد من أن جريمتهم ما زالت موجودة من خلال وجود دولة الاحتلال التي تمارس
دورها الإجرامي والإرهابي بحق كل من هو فلسطيني، وما هو فلسطيني.
الرواية من
منشورات الاتحاد العالم للكتاب والأدباء الفلسطينيين، رام الله، فلسطين، الطبعة
الأولى2024.

إرسال تعليق