"الأرض الحمراء" مجموعة الشاعر المغربي مخلص الصغير:
من جاذبية العنوان إلى المشروع الشعري
في اختيار الشاعر عنوان إحدى قصائد مجموعته الشعرية عنواناً لها، كما يفعل الكثير من الشعراء وفق ما يُلاحظ، دون تقريرٍ بوجود نمط ما تشكّله الحيرة؛ لا يكتفي النقاد والقراء بالتسليم أن هذا العنوان أوحى للشاعر بأنه الأكثر جاذبيةً في أسر لبّ القارئ ودفْع يده إلى رفع المجموعة من رفّ المكتبة إلى أحد رفوف القلب، إن وَجَد خلال تقليبها ما يشير إلى أكثر من مجرّد جاذبية العنوان. فخلف تفاصيل الجاذبية تكمن شياطينُ اختيارات واختلافات الشعراء في مقاصدهم، التي لا يغيب عنها بالطبع واقع أن هذا العنوان اختير كذلك لأنه يعكس ويمثّلُ مجمل قصائد المجموعة إن لم يكن كاملَها، ويصلُ إلى حدود أن يكون ثيمتَها على يد الشعراء الخبراء.
في شيطان مجموعة الشاعر المغربي مخلص الصغير: "الأرض الحمراء"، والشيطان في الشعر كما الجنون، مجال للاحتفاء، حيث التمرّد مجدُ الشعر، تعيد كلمةُ الأرض في هذا العنوان القارئَ إلى مجموعة الشاعر التي سبقتْها: "الأرض الموبوءة"، وتدفعه للهجْس من دون كبير جهدٍ بوجود جسرٍ بين المجموعتين، منسوجٍ بشرايين كلمة الأرض، قبل أن يكتشف خلال القراءة أن الشاعرَ نفسُه يوجّه القارئ إلى هذا الجسر في الإشارة التفسيرية التي تضمنتْها قصيدته "ما الذي يفعل البشر في الأرض؟"، المروية بلسان طائرٍ يشكو من ألغام البشر التي لم توفّر تفجيره أيضاً، حيث: "في ديوان "الأرض الموبوءة"، الصادر قبل سنتين، كنتُ رسمتُ ما يقتربُ من هذه الصّورة: "هذه الأرضُ/ تصرخُ في وجهنا... سئمتْ حَمْلنا/ واعتراها التّعبْ/ لَمْ تَعُدْ تتنفّسُ غير الوباءِ/ وغير الدّمارِ/ وغير اللهبْ/ أيّها الباحثون/ عن الأمل المستحيل/ دنا حتفُنا واقتربْ/ كُلّنا جمرةٌ في الجحيمِ/ ونحن الّذين احترقنا/ ونحنُ الْحَطَبْ".
والحقيقة أنّ مقصد الإشارة إلى أفعال البشر، التي ترهق أمهم الأرض، ببعضهم، (في المجموعة الأولى بوباء كوفيد الذي كانوا السبب المباشر فيه، والثانية بالحروب التي لا يكفّون عن إشعالها ويتوِّجها ما يرتكبه الاحتلال الإسرائيلي من إبادة جماعية لأهل غزة)، يُفصح عن محاولةِ بلورة اتجاهٍ للشاعر، يتمحور حول الأرض وتنبيه الإنسان إلى خطورة ما يفعله بها جنسُه، وضرورة أن ينتبه إلى أنّه يدمّر بهذا نفسَه، ولا يُستغرَب، بتوقَّعٍ توحي به المجموعتان، أنْ يُكمِل الشاعر هذا بتخصيص ثالثةٍ تتضمّن حماية البيئة والمحيطات والجمال، لشَدِّ جهود الخيّرين من البشر في حماية أرضهم، ومحاربةِ الشرّ الكامن أولاً داخل جنس البشر من قبل أنفسهم، طالما نحن في الشعر.
أبعاد الشعر في حماية الأرض:
ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة، فيما يلاحَظ، أنْ يَطرقَ الشِّعر بابَ حماية الأرض بأسلحة الجمال، في المضامين التي تتنوَّع بتناولها للأوبئة المُخلَّقة وآخرها "الذكاء الاصطناعي" الذي يعتبره البعض مثل مخلص الصغير كذلك، وللحروب وللصيد الجائر، والصناعات المدمِّرة، والمطامح الشرّيرة داخل الإنسان أولاً، كما في الأشكال التي ترتبط بعلاقةٍ جدليّة مع المضامين التي لا تتفعّل إلا بالجديد المبتكَر، إذ يقتلُها التقليد.
على هذا الصعيد، يكرّر مخلص الصغير محاولتَه التي بدأها بمحاربة الوباء داخل البشر كشرّ، قبلَ دواخل الفيروسات التي تتفعّل بتصرّف الشرّ كمضيف أرعن لا يميّز أفعال شهواته.
في أرضه الحمراء، يكوّن الصغير كما فعل قبلها في الموبوءة، وبما يوحي بوجود مشروعٍ، بنيةَ مجموعتِه من عشرينَ قصيدةً تفتتح أولاها الأرض كموطن للبشر، بمعانيها وبكل ما فيها، وتنسحب للحديث عن مدنٍ وأمكنةٍ تمرّ بها المآسي والثقافةُ والحبّ، وتمرّ بها الحربُ/ الأهمّ بين موضوعات القصائد التي تمنح واحدةٌ منها العنوان للمجموعة. ويشهد القارئ في هذا تفاعل الشاعر مع: بغداد وشارع "المتنبي" الشهير فيها، والقيروان حيث العشق غالبٌ مع ابنة الأغالبة، والإسكندرية التاريخ والثقافة، وطبريّا القهرُ والاحتلال والتغييب، وسبتة ومليلية الأرض المسروقة، وأفريقيا المستعمَرة الأولى وذهب الصحراء، والأندلسُ التي تُشكّل فردوس العالم المفقود، بتداخل الصغير مع مخطوط أنطونيو غالا القرمزي، ومجنون إلزا أراغون في تعاطفهما مع أبي عبد الله الصغير الذي فقد غرناطة.
وفي قصائده العشرين هذه يقدم الصغير جزأَه الثاني من مشروع تفاعله مع الأرض، بمحاولة التجديد عبر موسيقى القصيدة، بتغليب أسلوب التفعيلة الذي يكون سلساً عندما يحافظ على التفعيل كما في القصيدة الأولى التي يفتتح بها المجموعة تحت عنوان "هذه الأرض"، والمكوّنة من تسعة مقاطع تجري بسلاسة على وزن تفعيلة فاعلن بجواز تفعيلة فعلِن التي تنتظم خاتمة المقاطع بنفس إيقاع القافية، مع غلبة السطر القصير بكلمةٍ وكلمتين؛ ومعاني أن الأرض مسرحُ جرائم البشر الذين حوّلوها إلى مقصلةٍ لكائناتها ولبعضهم، والتساؤل عن الإنسان إن لم يكن محضَ تجربة، مع استقلال كل مقطع رغم قصره بمعناه، وتكثيفه وفق مبدأ النفّري بـ: "كلما ضاقت العبارة اتسعت الرؤيا"، عاكساً بذلك أسلوب قصيدة الهايكو القصيرة، الذي تسير وفقه مقاطع الكثير من القصائد، ويبلغ أوجه في قصيدة "الفلسطينية" المكونة من عشرة ألواح، حيث:
"مَنْ أَنَا/ أيّها الطّينُ/ يا أَبَتِ؟/ مَنْ أَنَا/ غَيْرُ شَكّي/ وأسئلتي؟/ إنّما الأرضُ/ قبرٌ لنا/ وأنا/ مَيّتٌ عابرٌ/ فوقَ مَقبرتي/ هذهِ الأرضُ/ حَتْماً تَدور لِتَطْحَنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَةِ/ تَنْزِفُ الأرضُ/ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ/ بلا لُغَةِ/ هذه الأرضُ/ مسرحُ كلِّ جرائمِنا/ شَكْلُهَا/ شَكْلُ مِقْصَلةِ.".
غير أن السلاسة تقع في الارتباك، الذي يتطلّب المزيد من دراسة الإيقاع فيما إذا كان مقصوداً أم لا، عند مزج التفعيل بالنثر، أو استخدام تفعيلات مختلفة في نفس المقطع، كما ينهج الصغير في أسلوب تجديده الملاحَظ لإيقاع قصيدته، مغامراً باحتمالات الوقوع في التعثر، وباستخدام حرف قد الذي قد يثير حساسيات الاتكاء. وفي كل هذا يحافظ الصغير على نهجه الذي اتبعه في مجموعة الأرض الموبوءة، ربّما للحفاظ على طبيعة المشروع، في السير بخطى البساطة المريحة للقارئ، مضحّياً بتراكب الجمل الذي أتاحته الكتابة الآلية السوريالية، وابتكارات شعر ما بعد الحداثة.
ومثلما يفعل في تداخلات قصائده السابقة، يطوّر الصغير ويُغْني قصائدَه بالتفاعل مع التراث العربي والأمازيغي والعالمي، من خلال التداخل، كأمثلةٍ، مع بيت الشاعر المخضرم تميم بن مقبل، الشهير الذي تفاعل معه شعراءٌ يأتي على رأسهم المعلّم محمود درويش: "ما أطيبَ العيشَ لو أنّ الفتى حجرٌ ... تنبو الحوادثُ عنهُ وهو ملْمومُ". مع استخدام الصغير في تعبيرات هذا البيت التي تعكس تمنّي تجنّب الألم، والرغبة العميقة في التمرّد على الوعي إلى حدّ العدم وفقدان الشعور، لمعاني أخرى تتماشى مع موضوعه في إدانة الحرب بخصوصية التفجير والإبادة الجماعية، حيث يتزاوج الدمع بالدم: "الشِّعْرُ يَبكي/ وهذا الدَّمْ... عُ يَنْحَتُنا/ ليتَ الفتى حجرٌ/ لم يدرِ ما نقشا"... "هذا الفتى/ يا إلهي/ لا لسانَ لَهُ/ لا وجهَ/ لا طَرْفَ في الأحداق/ قَدْ رَمَشَا".
مع التداخل كذلك باستخدام أمثولة يوسف في غدر إخوة الفتى به. وأمثولة فتيان الكهف، بما يستحضر صور الأطفال المخذولين والمدفونين تحت الأنقاض والمتناثرين قِطَعاً بالتفجير.
وفي تفاعلاته كذلك يُغْني الصغير قصائدَه بالتداخل مع بيت المتنبي الذي استخدمه محمود درويش قبله: "على قلقٍ كأنّ الريح تحتي... أوجّهها جنوباً أو شمالا"، مع إدخاله لشذراتٍ من قصائد المتنبي وعلاقته بسيف الدولة، بقصيدته "في شارع المتنبي" حيث: "سِرْتُ فِي قَلَقِ/ وَسَيْفُ دَوْلَتِنَا/ يَدْنُو مِنَ الْعُنُقِ / لَا الرِّيحُ تَسْبِقُنِي/ لَا اللَّيْلُ يَعْرِفُنِي/ أَمْشِي وَمِنْ عَجَبٍ/ أَمْشِي بِلَا طُرُقِ/ يَا شَاغِلَ النَّاسِ/ أَمْرُ النّاسِ يَشْغَلُنِي/ فَكُلُّهُمْ يا رَفيقي/ بالحياةِ شَقِي.".
وكذلك بالتداخل مع الأسطورة، بقصيدته "في مَغارة هِرَقْل"، التي يتعرض فيها لتجديد الفن من خلال أسطورة هرَقْل وأنتيّوس الأمازيغي الطَّنجَويّ/ ابن بوسيدون إله البحر وغايا آلهة الأرض، وجعْلِه رمزاً لمقاومة الحصار في تصدّيه لجبروت هرَقْل في طنجة، مع تقديمه لما يساعد القارئ من معلومات عنه في هامش التفسير، حيث: " هنا تَكْتبُ الآثارُ/ ألفَ حكايةٍ/ ويختلفُ الكُتَّابُ حولَ العبارهْ"... "سَيَخْلَعُ أَسْرَى الْبَحْرِ/ كُلَّ قُيُودِهِمْ/ كَمَا يَكْسِرُ الْفَنُّ الْجَدِيدُ إطارَهْ.".
ويوصِل الصغير تفاعلَه مع التاريخ، بعد معالجةٍ طريفةٍ لجنون العشق تستحضر شيطان الشعر بالتداخل مع مجنون ليلى، إلى الحاضر، حيث يوصل الإنسانُ الذكاءَ الاصطناعي إلى مخاطر تبادل الأدوار والفعل، بانتظار ما سوف يوصل الذكاءُ الاصطناعيُّ الإنسانَ إليه، في إشارةٍ واضحةٍ منه إلى خطورةِ عدم وجود المشاعر الإنسانية والروادع لدى الذكاء الاصطناعي، وإلى ما سوف يحدث في العالم من كوارثِ العطالة بحلوله مكان وظائف البشر، وما يحدث من إشاعةِ للخديعة بحلوله مكان إنتاج الإبداع، والأخطر، إلى ما سوف يحدث للبشرية من استطاعته قتل البشر.
مخلص الصغير: "الأرض الحمراء"
المؤسسة العربية للدراسات والنشر: بيروت 2026
القدس العربي
