googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5799732929758736'/>

الشاعر مجذوب عرباوي يكتب: نقطة نظام

هل ما زلنا في زمنٍ تتسارع فيه المعارف وتتداخل فيه العلوم والفلسفات أسرى سؤالٍ قديمٍ من قبيل: «من أشعر ممن؟». إنّ هذا السؤال على ما يبدو من بساطته ليس بريئاً في جذوره ولا في امتداداته، بل هو أثرٌ باقٍ من سياقٍ تاريخيٍّ مخصوص نشأ في بيئاتٍ كانت المفاخرة فيها جزءاً من البنية الاجتماعية والثقافية، حيث كانت القبيلة تُعلي من شأن شاعرها بوصفه لسانها والمدافع عن مجدها.
لقد كان لذلك السؤال ما يبرّره في زمنه، حين كان الشعر أداةً للصراع الرمزي بين الجماعات، وحين كان المدح والهجاء والفخر من أبرز أغراضه. غير أنّ استدعاء هذا المنطق اليوم، وإعادة تداوله في الخطاب الثقافي المعاصر لا يكشف عن حيوية نقدية، بقدر ما يكشف عن عجزٍ عن تجاوز أنماطٍ فكريةٍ استهلكها الزمن.
فالنقد الأدبي الحديث لم يعد معنيّاً بتوزيع الألقاب ولا بإقامة مباريات وهمية بين الشعراء، بل بات منصرفاً إلى قراءة النصوص في فرادتها، وإلى مساءلة ما تضيفه من رؤى جمالية ومعرفية.
إنّ الإلحاح على سؤال «من أشعر ممن؟» لا يخدم الشعر بقدر ما يُفرغه من جوهره، ويعيده إلى منطقٍ تنافسيٍّ ضيّق، كان مرتبطاً بثقافة البلاط أحياناً، وبالرغبة في التكسب والتقرّب إلى الملوك والأمراء أحياناً أخرى. ففي تلك البيئات، كانت المفاضلة بين الشعراء وسيلةً للظفر بالمكانة والعطاء، لا بحثاً حقيقياً عن القيمة الفنية أو الرؤية الإنسانية. ومن ثمّ، فإنّ استمرار هذا الخطاب اليوم ليس إلا إعادة إنتاجٍ لآلياتٍ قديمةٍ فقدت شروطها وسياقها.
في المقابل، يفرض علينا واقع الإنسان المعاصر أسئلةً مغايرة، ويضع الشعر أمام تحدياتٍ جديدة. فالعالم لم يعد ذلك الفضاء البسيط الذي تُختزل قضاياه في الفخر والهجاء، بل صار عالماً مركّباً، تتقاطع فيه الفلسفة مع العلم، والذات مع الوجود، واللغة مع القلق الإنساني العميق. ومن هنا، فإنّ القصيدة المعاصرة مطالَبة بأن تنفتح على هذه الأسئلة الكبرى، وأن تستوعب ما راكمته الإنسانية من معارف، لا أن تنغلق في استعادة رؤى عصورٍ ماضية وكأنها ما تزال تعبّر عن حاضرنا.
إنّ كتابة قصيدةٍ اليوم بروحٍ تستنسخ وعياً قديماً، دون أن تُحاوره أو تتجاوزه، لا تضيف شيئاً يُذكر إلى التجربة الشعرية، مهما بلغت من إتقانٍ شكلي. فالقيمة الحقيقية للشعر لا تكمن في محاكاة أنماطٍ موروثة، بل في القدرة على إنتاج رؤيةٍ جديدة، تُضيء جانباً من الوجود، أو تفتح أفقاً في الوعي، أو تُعيد صياغة علاقتنا باللغة والعالم.
وليس معنى ذلك القطيعة مع التراث أو إنكار قيمته، بل يعني التعامل معه بوصفه مادةً للحوار والتجاوز، لا نموذجاً يُستنسخ. فكل عصرٍ يملك أسئلته، وكل تجربةٍ إنسانيةٍ تفرض لغتها الخاصة، والشاعر الحقيقي هو من يمتلك الجرأة على أن يكون ابن زمنه، لا ظلّاً لزمنٍ آخر.
إنّ الشعر، في أفقه الأرحب، ليس ساحةً لإعلان الغلبة، ولا سلّماً للصعود على حساب الآخرين، بل هو فعلُ كشفٍ وجمال، ومسعىً دائمٌ نحو تعميق التجربة الإنسانية. لذلك، فإنّ السؤال الأجدر اليوم ليس: «من أشعر ممن؟»، بل: أيّ نصٍّ يضيف إلى الإنسان وعياً؟ وأيّ قصيدةٍ تمنح اللغة أفقاً أرحب؟ وأيّ شاعرٍ يملك القدرة على تحويل معارف عصره وأسئلته إلى تجربةٍ جماليةٍ حيّة؟
هنا فقط يبدأ النقد الحقيقي، وهنا فقط يبدأ الشعر الذي يليق بعصرنا.
___
عن صفحة الشاعر في الفيسبوك

إرسال تعليق

أحدث أقدم