تمرّ اليوم الذكرى الثالثة لرحيل الفنان التشكيلي التونسي الكبير نصر الدين العسالي، ذلك المبدع الذي ترك بصمته الخاصة في مسار الفن التشكيلي التونسي والعربي، ورحل تاركًا وراءه فراغًا صعبًا في ذاكرة أصدقائه ومحبيه وكل من تعرّف إلى عوالمه التشكيلية المضيئة. منذ رحيله في مثل هذا اليوم، بدا المشهد الفني التونسي وكأنه فقد أحد صوته المميّزة؛ صوتًا لم يكن يتعالى بالخطابة ولا بالصخب، بل كان يتجلى في هدوء اللوحة وعمق الألوان ورمزية التكوين. لقد عاش العسالي صادقًا مع فنه، مؤمنًا أن اللوحة ليست مجرد مساحة جمالية، بل فعل مقاومة للرداءة ونافذة مشرعة على الحلم والروح. في هذه المناسبة الأليمة، نستعيد حضوره الإنساني والفني، لا من باب الرثاء فقط، بل من باب الوفاء لما مثّله من قيمة أصيلة، وما تركه من إرث تشكيلي يظل مفتوحًا على قراءات جديدة.
الروح التي ترسم
كان نصر الدين العسالي قبل أن يكون رسامًا موهوبًا، إنسانًا حقيقيًا يعيش الفن بكل أبعاده، حاملاً روحًا صافية متعطشة للجمال والبحث عن المعنى في أبسط تفاصيل الحياة اليومية. فلوحاته ليست مجرد ألوان على قماش، بل امتداد مباشر لروحه، انعكاس لإحساسه العميق بالعالم من حوله، وبالأحلام والخيبات الإنسانية التي تصنع واقعنا. لحظة الوقوف أمام إحدى لوحاته، سواء في معرضه برواق علي القرماسي أو في أي فضاء آخر احتضن أعماله، يشعر المتلقي وكأنه يدخل إلى فضاء حي، تتحرك فيه الكائنات، وتنبض الألوان كما لو كانت جزءًا من نبضه الخاص.
لم يدرس العسالي الفنون التشكيلية في معاهد عليا، ومع ذلك استطاع أن يطوّر أسلوبه الخاص، ويحقق توازنًا بين التقنية العالية والإبداع الحر. هذه القدرة على المزج بين الصنعة والخيال جعلت أعماله تتجاوز حدود الرسم التقليدي، لتصبح مساحة للتأمل العميق والحلم، كما لو كان الرسام يحاور المتلقي مباشرة، دون الحاجة إلى كلمات أو شروح مطولة. كان يصرّ على أن اللوحة ليست مجرد صورة، بل حوار صامت مع الروح الإنسانية، حوار يتوقف عنده المتلقي ويعيد التفكير في ذاته وفي العالم من حوله.
وقد لاحظ متابعو أعماله أن العسالي كان يبحث دائمًا عن اللحظة التي تتلاقى فيها التقنية مع الإحساس، حيث تصبح اللوحة متكاملة، لا تختزل الواقع في ما هو ظاهر فقط، بل تتجاوز ذلك لتكشف عن أعماق النفس البشرية. من هنا، يمكن القول إن تجربته الفنية قائمة على دمج العاطفة بالمهارة، والخيال بالواقع، مما جعل كل لوحة تحفة فريدة تستدعي الانتباه والتأمل
بين القصيدة واللوحة
لوحات نصر الدين العسالي تحمل في طياتها حسًا شعريًا رقيقًا، وكأن كل لون وكل خط ينطق بمعنى لا يمكن اختزاله بالكلمات. كان العسالي عاشقًا للشعر، وكان ينهل من عالمه الرمزي والخيالي على نحو يجعل اللوحة تشبه القصيدة في أسلوبها وترميزها، دون أن يفرض على المتلقي تفسيرًا جاهزًا أو مغلقًا. هذا الانفتاح على التأويل منح أعماله عمقًا وحرية، فكل مشاهد يمكنه أن يرى في اللوحة ما يتوافق مع تجربته الإنسانية وثقافته الداخلية، كما يفعل القارئ مع نص شعري متقن.
تتجلى هذه العلاقة بوضوح في لوحاته التي تناولت موضوعات مثل فلسطين أو المهاجرون، حيث الرمزية تتصدر المشهد، فتجد في اللوحة أكثر من معنى وأكثر من إحساس، يتجاوز العنوان الظاهر. كان العسالي يدرك أن قوة الفن لا تكمن فقط في جمالياته، بل في قدرته على إحداث صدى داخلي لدى من يراه، تمامًا كما يفعل الشعر في قلب المتلقي. لقد نجح العسالي في المزج بين التجربة الإنسانية المعاشة والخيال الرمزي، ليخلق مساحة فنية حية تتفاعل مع المتلقي وتتجاوب مع عاطفته وإدراكه.
كان لهذا التزاوج بين اللوحة والشعر أثر كبير على اللغة البصرية التي طورها، حيث نجد الرموز والألوان والخطوط تعمل معًا لتشكل لغة فنية خاصة، لغة تحمل انطباعات داخلية وتدعونا إلى التأمل، وتفتح لنا أبواب الحلم والدهشة، بعيدًا عن التفسير الأحادي أو المباشر. بهذا المعنى، يصبح العسالي شاعرًا بالفرشاة، يكتب اللوحة كما يكتب الشاعر أبياته، ويترك للآخر حرية اكتشاف المعنى والتأمل في أبعاده المتعددة.


