طالما كان للمكانِ حُضورُهُ السِّحري في مخيِّلةِ وواقعِ الكتَّابِ والأُدباء منذُ أساطير الخَلْقِ الأولى وحتَّى الرواياتِ الحديثةِ التي لا تُسمِّي المكان وربَّما تكتفي بالإشارة إليه بشكلٍ رمزيٍّ أو ضمني، وعربيًّا جاء المكانُ منذُ الأساطير والحكايا الدِّينية والتَّفسيريَّة المؤسِّسةِ مرورًا بالمعلقاتِ الشِّعرية أو الشِّعر الجاهلي وحتَّى الأدبِ الحديث جليًّا حاضرًا وشريكا ومؤثِّرًا وحاملًا للسَّرديَّة الإبداعيَّة في الشِّعر والنَّثر، وقد تمكَّن الفيلسوف الكبير "غوستون باشلار" من التقاط الكثير من الأفكار والرؤى الفلسفيَّة المحيطةِ بالمكان في كتابه (جماليَّات المكان) والذي ترجمه إلى العربيَّة الرِّوائيُ (غالب هلسا)، وفرَّق فيه بين المكان في الواقعِ وفي الصُّورة الفنيَّة وركَّز على البِنى الجماليَّة التي يتشكَّلُ منها الفضاءُ المكانيُ بين الواقعِ والمخيِّلة.
ولعلَّ المكانَ كان وما يزالُ أحدَ أبرزِ المكوناتِ المؤثِّرة والمؤسِّسة للشَّخصيَّة الإبداعيَّة في مختلفِ الأعصُرِ والأزمنة، ولعلَّنا في هذا الملفِ المخصَّصِ من مجلَّة (صوت الجيل) الصَّادرةِ عن وزارة الثَّقافة الأردنية للآثارِ التي تركتها مدينةُ إربدَ على مبدعيها، نقفُ مع مجموعةٍ من المبدعينَ الأردنيين من إربدَ ضمنَ جيلٍ تشكَّلَ حضورهُ وإبداعهُ وكان لإربدَ أثرٌ كبيرٌ وواضحٌ في تكوينه ورسم معالمه الإبداعيَّة العامة.
وتبقى إربدُ كما هيَ ليس مجرَّد مدينةٍ يسكنها المرءُ أو يعبُرُها دونَ أنْ تتركَ بصمتَها عليه أو شيئا من عبق دحنونها وطيِّونها وسَروها وقمحها وطينها المعجون بالأصالة والخير، ويمكن من خلال هذا فهمُ قصْدِ شاعر الأردن "عرار" عندما اتَّهمه عُذاله أنَّه أصبح شاميًّا من أهل دمشقَ فقال:
قالوا تدمشَقَ، قولوا ما يزالُ على عِلاتهِ إربديَّ اللونِ حوراني
فلإربدَ صورتُها التي تنسربُ دون عناء أو تكلُّفٍ في ثنايا أدبِ الأدباء وأمزجةِ المثقَّفينَ ممن عاشوا فيها أو مرَّوا على مزاجها السَّهلي المعتدلِ وعُمقِها الحضاري الظَّاهر في جغرافيَّتها وتركيبةِ أهلها وثقافتهم الخاصَّة.
لم تكن إربدُ في طفولتي مدينةً معقَّدةً كبيرةً ولا أظنُّها الآن بعد أربعين عامًا من ذلك الزمن قد أصبحت كذلك، فهي ما تزالُ تلتزمُ بطابع البلدة الكبيرة التي يعرفُ سُكَّانُها بعضهم بعضًا لدرجةٍ ملفتةٍ وتُقفَلُ المتاجر فيها عند منتصف الليل، من ذلك مثلًا أنَّ صديقًا صوماليًّا حضرَ يومًا من عمَّان لزيارتي، وبعد أنْ نزلَ من الحافلة التي أقلَّته من عمَّانَ ركبَ سيَّارة التاكسي وأخبر السَّائق أنْ يُقلَّه إلى المنطقة التي أقطنُ فيها فما كان من سائق سيارة التاكسي إلَّا أنْ سألهُ عن الشَّخص الذي سيذهبُ إليه في ذلك الحي فأخبره الضَّيفُ باسمي فسكتَ السَّائقُ وأحضرهُ مباشرةً إلى باب منزلي ونزلَ وقرعَ الجرسَ وعندما خرجتُ وجدتُ أحدَ معارفي والذي يعمل على تاكسي يقول لي: هذا ضيفُكَ فاستلمه، ومضى رافضًا أنْ يأخذ الأُجرةَ فقال لي صديقي الصُّومالي "لم أكن أعرف أنكَ مشهورٌ في مدينتكَ إلى هذا الحد".
نشأتُ في ريف إربدَ في الشَّمال، الطَّبيعةُ هناكَ لها مميزاتٌ كثيرة وتأثيرٌ كبير على النَّفْس، يمكنكَ البقاءُ في السُّهولِ الفسيحة لساعاتٍ وأنتَ تتأملُ في تشكُّلاتِ الغمامِ وقطعان السُّحبِ وهي تعبرُ من أطراف الأُفقِ أو ترعى عند حوافِ التِّلال، يمكنُ في نهارٍ واحدٍ أنْ تزور أربعةَ ينابيعَ في تضاريسَ مختلفة، يمكن كذلك أنْ تشاركَ أهل ذلك الشَّمالَ أساطيرهم وحكاياتَهم حول بِرْكةٍ صغيرة تتفجَّرُ حولها الينابيعُ الحارَّة دفَّاقةً بالمياه الكبريتيَّة التي يقصدها السُّياحُ من كل صوب، يمكنكَ أنْ تتوحَّدَ مع الأشجارِ كتلكَ الطُّيور التي تظنُّها جزءاً من تكوين الشَّجرِ في الأحراج وثمره المتعدد، كذلك يمكنكَ أنْ تغفوَ ظُهْرًا تحتَ داليةٍ مُرصَّعةٍ بالقطوفِ كثُريَّاتٍ من الضَّوءِ الجامدِ أو في ظلِّ بلوطةٍ يشُقُّ جذعُها صخرةً تُرحِّبُ ولا تتألمُ وكم في غفوةٍ مثل هذه من لذَّةٍ وراحة.
اعتدالُ المناخِ وكثرة المحاصيلِ الحقليَّة المعتَمِدةِ على مياه الشِّتاء تمنحُ سهولَ إربدَ بين فصلَي الرَّبيع والصَّيف خريطةً لونيَّةً ومُتعةً بصريَّةً باذخة، تكون الحقول قطعًا متجاورةً من الخضرةِ المتباينة، ثمَّ تنتقلُ بمدَّةٍ قصيرةٍ تقاربُ الشَّهرَ إلى تَدرُّجاتِ اللون الأصفر الذي يُعطي الصَّيف هيبتَهُ ولمعانَه، وبين هذا وذاكَ تمرُّ طيورٌ مُهاجرةٌ وأُخرى مُقيمة، ويُزهِّرُ اللوزُ والمشمشُ ويستمتعُ النَّاسُ بقطفِ أنواعِ الأعشاب البريَّة الصَّالحة للأكلِ والثِّمار النَّاضجة من أوَّل اللوز الأخضر وحتَّى التِّين والعنب المتأخِّر.
في العام ألفين وسبعة من التَّقويم الميلادي حصَلَتْ إربدُ على منحةٍ ماليَّة كأوَّل مدينة للثَّقافة الأردنية وكانت باكورةَ هذا المشروعِ الرَّائد والمهم في تنمية القطاع الثَّقافي في الأردن، في هذا العام تعرَّفتُ إلى المجتمع الثَّقافي في إربد، تعرَّفت إلى مجموعةٍ من شُّعراء المدينة، منهم عارف الهلال، وأحمد الخطيب، ومحمد تركي حجازي، وعبد الكريم أبو الشِّيح، وعُبادة القيسي، ومحمد سالم العُمري ومحمود الشَّلبي ونايف أبو عبيد وحسن هزايمة، وشعراءُ وشواعرُ أُخرُ تعرَّفتُ إليهم فيما بعد، كما عرفتُ في هذا العام الرِّوائي (هاشم غرايبة) والذي كان له مكتبٌ خاصٌّ يلتقي فيه جميعُ الكُتَّاب والمبدعين في إربدَ مع بعضهم البعض من خلال زيارته، فيندرُ أنْ تزورَ ( هاشم غرايبة ) في مكتبه إلَّا وتلتقي بكاتبٍ أو أكثرَ، فنانٍ تشكيليٍّ أو موسيقيٍّ حاذقٍ أو صحفيٍّ يبحثُ عن لقاءٍ يُجريهِ مع مبدعٍ من مبدعي إربدَ الكثيرين، كما كان مكتبهُ صالونًا ثقافيَّا تتلاقى فيه الأفكارُ وتتشعَّبُ فيه الحواراتُ والمعتقداتُ وتُناقَشُ الكُتُبُ والقصائدُ واللوحاتُ الفنِّية، ولا أُبالغُ إذا قلتُ أنَّ مكتبَ الروائي (هاشم غرايبة) في إربد كانَ المحرِّكَ الأهمَ لإنتاج الفعلِ الثَّقافي في فترةٍ تُعَدُّ من أكثر الفترات نشاطًا وحيويَّةً في ذاكرة إربدَ الثقافيَّة.
صَّيفًا تُقامُ كثيرٌ من الفعاليات الثقافيَّة في (بيت عرار) وهو فيما مضى كان مسكنَ شاعر الأردن (مصطفى وهبي التَّل) المعروف بعرار ويحوي قبرَه ورُفاته، حيث قدَّم ذووه البيت لعهدة وزارة الثَّقافة الأردنية كمَعْلَمٍ فاعلٍ في الحركة الاجتماعيَّة في إربد، فقد اجتمعتُ من خلال الأمسيات الشِّعريَّة والأدبيَّة التي أُقيمت فيه مع عددٍ كبيرٍ من الشُّعراء والنُّقاد الأردنيين والعرب، فكان لهذا المكان وما زال عبقُهُ الخاصُّ الذي تشعُر به فورَ دخولك إليه، كما يُذكِّركَ كحالةٍ أساسيَّةٍ بعرار ذلك الشَّاعرُ الاستثنائيُ المتمرِّد الذي كتبَ أولى قصائد شِعر التَّفعيلةِ منذ العام ألف وتسعمائة واثنان وأربعون من الميلاد كما جاء في ديوانه، وكان في شِعره سابقًا إلى حداثةٍ تحملُ في خِفَّةِ أُسلوبها ولُطفهِ أصالةَ التُّراثِ الشِّعري وخصوصيَّةَ التَّجارب الكبيرة، فلغةُ عرار الشِّعريَّة لغةٌ اشتقَّها وركَّبَها بموهبته ولم يستَعرها من شاعرٍ أو مُبدعٍ آخر، كما أنَّ مضامينهُ الشِّعريَّة كانت سابقةً لعصره من حيث النَّظرة الاجتماعيَّة السَّائدة والمنتشرة حتَّى اليوم، وعرار من الرُّواد الذين أسهموا في تشكُّلِ القصيدة السِّياسيَّة الحديثة عربيًّا، وكان له فلسفةٌ حياتيَّةٌ لها خصوصيَّةٌ وفَرادَه، فليسَ عَجَبًا أنْ تضمَّ إربدُ عددًا كبيرًا من الشُّعراء المتميِّزين في تجاربهم وأصواتهم الشِّعريَّة فإربدُ تُنبِتُ الشُّعراءَ الأفذاذَ كما تُنبِتُ سُهولُها السَّنابل.
بساطةُ إربدَ ومعالمُها المتقاربةُ وشوارعُها الهادئةُ تبعثُ على السَّكينة عصرًا من شُرفةِ "مقهى الكمال" المُطلِّ على وسَط المدينة القديم، الخانُ القديم والمسجدُ الغربي ومدارسُ التَّلِ وبيتُ (علي خلقي الشرايري) وبيتُ (النَّابلسي) والسَّرايا ومخيَّمُ إربدَ الذي يُعقَدُ في ناديه (نادي الجليل) أمسياتٌ شعريَّةٌ وندوات فكريَّةٌ ومناسباتٌ وطنيَّةٌ ويحتضنُ بين جدران بيوته الدافئة بنبض ساكنيها العديدَ من الطَّاقاتِ الإبداعيَّة المتميِّزة، الأسواقُ القديمة في المدينة كسوق الحَبِّ وسوق الحدَّادين وسوق الرُّمَّان وسوق الخضار الممتد بجانب المسجد العثماني الكبير وغيرها من معالِم إربدَ كانت مسرحًا خَصبًا للكثير من المشاهدات والأجواء التي شاركتْ في تشكيلِ رؤية الشَّاعر والفنَّان والروائي والعازف والنَّحَّات.
في مساءات الصَّيف السَّاكنةِ يبقى لريفِ إربدَ وطبيعتُه الرَّائقة فضلٌ كبيرٌ على أهلها حيثُ يحلو السَّهرُ بين أشجارِ الأحراشِ على نغَماتِ العودِ أو النَّاي، أو الصَّمتُ والاستماعُ لأصواتِ الطَّبيعةِ والاستمتاعُ بمشاهدةِ النُّجومِ القريبةِ من رؤوسِ الأشجار، دخَلَتْ إربدُ (موسوعةَ غينيس للأرقام القياسيَّة) مرتين، الأولى كأكثر مدينة قي العالم يوجدُ حولَها قُرىً وبلداتٍ، والثَّانيةُ عندما سُجَّلَ في أحدِ شوارعِها أكبرُ تجمُّعٍ لمقاهي الإنترنت في العلَم حيثُ بلغَ الرقم مئةَ مقهىً للإنترنت في أقل من كيلومترٍ واحد.
غرَسَ وجودُ المدنِ الأثريَّةِ المحيطة بإربدَ من جميع جهاتِها في نفوس أبنائها حالةً من الإتِّصالِ والاندماجِ مع روحِ المدينة التي يعتبرُها أهلُها عروسًا لمدن الشَّمال الأردني كلِّها، فما أنْ يعودَ الفردُ من أهلُها إليها بعد غيابِ أيامٍ وربَّما ساعاتٍ قليلةٍ عنها حتَّى يشهَقَ ويزفرَ هواءها جالبًا السَّكينةَ كي تتسرَّبٌ من صدره إلى بقيَّة جسده، ولربَّما فعلَ هذا أيضًا كثيرونَ ممن أقاموا فيها مدَّةً جيدةً كطلابِ الجامعاتِ القادمينَ إليها من مدنٍ أُخرى أو من بلادٍ شقيقَة، فلإربدَ روحٌ أخضرُ يُلامسُ النُّفوسَ بعَطفٍ وحنان.
بلديَّةُ إربدَ، رابطةُ الكتَّاب الأردنيينَ، النَّقاباتُ المهنيَّةُ، النَّوادي الثقافيَّةُ، والمنتدياتُ، المهرجاناتُ الشِّعريَّةُ والنَّقديَّةُ ومعارضُ الفنِّ التَّشكيلي والتَّصويري المختلفةِ على قلَّتها كانتْ وما تزالُ تُرمِّمُ وجهَ المدينةِ التي بدأت مؤخَّرًا تلتهمُ سَهلَها الأخضرَ وتُغذّي الإسمنتَ الذي لا يشبع.
