لا يوجد مشهد يعبر عن العلاقة بين المجتمع وأبنائه بوضوح مثل مشهد الجنازة، ففي الساعات القليلة التي تَفصلُ بين المنزل والمقبرة، لا يمضي الإنسان بمفرده، حيث ترافقه مكانته في الذاكرة العامة، كما توزن قيمته في ضمير المجتمع، وكأن على المجتمع أن يصدر حكمه النهائي على حياة قد انقضت، غير أنَّ هذا الحكم ليس عادلاً كما ينبغي أن يكون، وكثيرًا ما تكون الجنازة مرآة مخيبةً لعظمة صاحبها، وقد سجل التاريخ جنازات مهيبة لم يبق من أصحابها سوى أسماء باهتة ، مثلما دوَّنَ جنازات متواضعة أو حتى شبه متواضعة لمبدعين وعلماء ومفكرين تحولوا بعد رحيلهم إلى منارات تهتدي بها الإنسانية. وربما تدفعنا هذه المفارقة للتساؤل: هل تقاس عظمة الشخص بعدد من حضروا جنازته، أم بما خلّفَ من أثر في العقول والقلوب؟ فالجنازة في جوهرها تتجاوز كونها مجرد طقس ديني أو اجتماعي فهي أيضًا حدث ثقافي وسياسي، حيث تقوم مؤسسات الدولة بمرافقة السياسي في وداعه ، والجيوش تتكفل بتوديع الجنود بعد استشهادهم، بينما لا يرافق الفنان سوى صدى شهرته، أما الأديب فقلَّما يجد نفسه محاطًا بقرائه الذين لا يجتمعون دائمًا في موكب واحد، فهم يواصلون وداعه بصمت كلما فتحوا كتابًا أو استعانوا ببيت من شعره، ما جعل الأدباء على مر العصور، من أكثر الفئات تعرضًا للظلم عند وداعهم، لأن قيمة الأدب لا تقاس بضجيج اللحظة، بل بقوته على الاستمرار في مواجهة الزمن، فقد توفي الشاعر العراقي بدر شاكر السياب بعد فترة طويلة من المرض والمعاناة المادية، ورغم تأثيره الكبير في تطوير الشعر العربي الحديث، إلا أن مراسم جنازته لم تعكس حجم التغيير الذي أحدثته أعماله، فيما نجد أن من النادر أن تخلو دراسة في الحداثة الشعرية من ذكر اسمه، في حين تلاشى ذكر آخرين كانوا ذات يوم أكثر بروزاً منه عند رحيله، كذلك فإن الشاعر أمل دنقل عاش ردحاً من حياته في مقاومة المرض بالشعر، حتى اللحظات الأخيرة من حياته، ومع ذلك، لم يُحدث وداعه ضجة كبرى على الساحة العربية، رغم أن قصيدته "لا تصالح " شكلت جزءاً لا يتجزأ من الوعي السياسي والثقافي العربي، مثلما توفي الروائي عبد الرحمن منيف، الذي يعد من بين أعظم الكتاب العرب، بعيداً عن موطنه بعد حياة طويلة، وكان رحيله هادئاً بشكل لا يتناسب مع الضجة الفكرية التي أحدثتها رواياته، وينطبق ذلك على شخصيات أدبية مثل محمد الماغوط، وسركون بولص، وجبرا إبراهيم جبرا، والطيب صالح وغيرهم ممن خلفوا إرثاً ثقافياً غنياً دون أن تترافق وفاتهم بمراسم حافلة.
غير أن العالم العربي لا يخلو من جنازات استثنائية لمبدعين تحولوا إلى رموز وطنية أو إنسانية، فقد توافدت الجماهير لوداع محمود درويش، واعتُبر صوتاً للقضية الفلسطينية وليس كشاعر بارز فحسب، كما أقيمت مراسم جنائزية مهيبة لنجيب محفوظ، الذي عزز مكانة الأدب العربي بحصوله على جائزة نوبل، وعلى نحو مماثل، أظهرت جنازة أحمد خالد توفيق مدى التأثير الذي تركه في نفوس جمهوره بالعصر الرقمي، حيثُ خرج آلاف القراء لتوديعه بعد أن كان جزءاً من أحلامهم في سنوات شبابهم.
ولا تختلف صورة العالم كثيرًا عن هذه الواقعة، إذ رحل فرانز كافكا قبل أن تدركه الشهرة ولم يكن يعرفه عند رحيله، إلا قلة من الناس، حتى إنه طلب من صديقه ماكس برود أن يقوم بحرق مخطوطاته، ولو أنَّ ماكس أذعن لطلب كافكا ونفذ وصيته، لخسر الأدب العالمي أحد أبرز الأسماء المؤثرة في القرن العشرين، كما توفي هرمان ملفيل، صاحب رواية "موبي ديك"، منسيًا تقريبًا قبل أن يتم الاعتراف بروايته كواحدة من أعظم الروايات في الأدب العالمي، أما إدغار آلان بو، الذي أرسى أسس القصة البوليسية الحديثة، فقد توفي فقيرًا ولم يحضر جنازته إلا عدد قليل، بينما تُقرأ أعماله اليوم بلغات مختلفة حول العالم، والأمر ذاته ينطبق على فرناندو بيسوا، الذي عاش حياة شبه مجهولة، ولم يتم إدراك عبقريته إلا بعد وفاته، عندما اكتُشفت آلاف الصفحات التي تركها في صندوق خشبي صغير، فأدرك العالم عظمة شاعر استثنائيٍّ ،بينما تبرز سيرة الرسام الهولندي فنسنت فان غوخ ن كواحدةٍ من أكثر القصص المؤلمة ، حيث عاش فقيرًا معذبًا، فلم لم يُبَع في حياته سوى عدد محدود من اللوحات، ولم يحضر جنازته سوى نفر قليل من أقاربه وأصدقائه، ومع ذلك، أصبحت أعماله اليوم من أبرز الأعمال الفنية في العالم. وكذلك نيكولا تسلا، الذي أحدث ثورة في الحضارة الحديثة باختراعاته، لكنه مات وحيدًا في غرفة متواضعة بأحد فنادق نيويورك، قبل أن يتحول اسمه إلى رمز للعبقرية العلمية. أما آلان تورينغ، الذي ساهم في تأسيس علوم الحاسوب الحديثة، فقد انتهت حياته نهاية مأساوية بسبب اضطهاد قانوني واجتماعي، ثم جاء الاعتذار الرسمي بعد عقود دون أن يمكن رد شيء إليه.
على الجانب الآخر من المشهد، تتميز جنازات السياسيين بطابع مختلف، فهي لا تعكس دومًا مشاعر الحب الشعبي بقدر ما تبرز هيبة الدولة ورمزيتها، فشهد العالم جنازات ضخمة لزعماء مثل جمال عبد الناصر والملك الحسين بن طلال ونيلسون مانديلا ووينستون تشرشل والملكة إليزابيث الثانية، حيث شاركت الدول في مراسم الوداع بمؤسساتها وجيوشها وقادتها، وعلى الرغم من أن هذه الجنازات مهيبة، إلا أنها لا تصلح كمعيار وحيد للعظمة، إذ بإمكان الدولة تنظيم أكبر المراسم، لكنها لا تستطيع منح الخلود لمن لم يترك أثراً حقيقياً. ومن الملاحظ أيضاً أن الفنانين يحظون عادة بجنازات أكبر من الكتاب. فقد خرجت الملايين لوداع أم كلثوم، وشهدت جنازات عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وصباح ووديع الصافي ونور الشريف وأحمد زكي حضورًا شعبيًا واسعًا، وذلك عائدٌ إلى أن الصورة والصوت يخلقان علاقة مباشرة مع الجمهور، بينما يبقى الكاتب مختبئاً خلف أعماله، حيث يعرف الناس كلماته أكثر مما يعرفون ملامحه.
ويبقى الزمن، هو القاضي الأكثر موضوعية، فهو لا يحكم بناءً على الجنازات، وإنما بناءً على الأثر الذي يتركه الإنسان، فهناك من شُيِّعت جنازاتهم بحشود كبيرة، ثم اختفى ذكرهم بعد سنوات قليلة، ومن الشعراء أو العلماء من ودعهم قلة قليلة ولكنهم ظلوا أحياء في الكتب والعقول بعد عقود طويلة. إن التاريخ لا يحتفظ بتعداد السيارات في الموكب أو بأسماء حاملي النعش، بل يحتفظ بالقصيدة التي أثرت في وجدان الأمة، والرواية التي أعادت تشكيل الوعي، واللوحة التي أعادت تعريف الجمال، والنظرية العلمية التي غيّرت حياة البشر، غير أن ما يثير الأسى هو تذكر المجتمعات لمبدعيها غالباً بعد وفاتهم، حيث تبدأ بإطلاق أسمائهم على الشوارع، وإنشاء المتاحف، وتأسيس الجوائز، وجمع الأعمال الكاملة، وعقد المؤتمرات، وكأنها تقدم اعتذارًا متأخرًا لا يصل إلى أسماء صاحبه، وقد يعكس هذا الاعتراف المتأخر أن المجتمعات، مهما قصرت تجاه المبدعين، تعود إليهم في النهاية، إنّه نوع من الندم الذي يجعل الأمم تدرك أن العالم لا يُبنى بالسلطة فثط، وإنما بما يخلقه المبدعون من جمال ومعرفة ومعنى.
