تتمتع
هذه الرواية المكتوبة بعد مرور أربع سنوات من الصراع الداخلي السوري بقدرة على
الاستحواذ على القارئ وإدهاشِه منذ بدايتها.
حدثٌ
غريبٌ صاعق في مستهلها هو نهوضُ عدد من الموتى من أضرحتهم في مقبرة بالشام أيامَ
التطاحن الداخلي.
تتطاير
الأسئلة من لسان القارئ، وتُشكِّل سربَ عصافير يحومُ حولَ رأسه، ويستمرُّ السربُ
في تحليقه حتى انتهائنا من الصفحة الأخيرة رقم 230.
من
الأسئلة المحلِّقة: هل هذا معقول؟ كيف؟ ما
الذي أيقظهم من رقادهم؟ وأيَّ أمرٍ سيفعلون؟
تتخذ
الروايةُ أسرةَ منذر أبو حسام، وزوجته غالية أم حسام قاعدةَ انطلاق لنهر حوادثها
وتياراته، ونرى النهرَ يصير أحياناً بحراً زاخراً بموج الوقائع التي تصل إلى حدّ
الوحشية، فقد مارسَ النظام السوري عنفاً غيرَ مسبوق أكثرَ من الأطراف الأخرى،
وكأنه يسعى لتسجيل رقم مبهر في مجموعة غانس للأرقام القياسية!
ومن
أول ما يُلاحَظ أنَّ كاتب الرواية يتسمُ بموضوعية غيرِ خافية في تقديم مسروداته،
فهو أستاذ فلسفة، ويروي المجريات دون زيادة أو بهارات، فهي- بطبيعتها- من نوع
سوبر، ولا مزيدَ عليها، وهكذا.. فالرواية تقرأ الواقع بأمانة، تقرؤنا مثلما
نقرؤها، وكأنَّ تبادلَ أدوار يجري بيننا،
وبينها.
النصُّ
كلُّهُ- كما بدا لي- يكاد يكون سيرةً
ذاتية لحال الكاتب وأسرته أثناءَ الجحيم السوري، وحاله كما يلي: يظهر الكاتب في
الرواية باسم منذر- ولهذا الاسم دلالته البنيوية والسيميائية- هو متقدم في العمر
يعيش مع زوجته، وعندهما مجموعة من الأبناء والبنات، والأصهار، بعض أبنائهما موجود
في الشام، وبعضهم مسافر، وله ولزوجته أقارب آخرون.
تدور
طاحونةُ الأحداث، وتتوالى بلونها الرمادي والأسود، فيتعرَّض للخطف بعضهم أو للقتل
والإبادة كأهل الزوجة غالية، وتنزلق البلاد في مهاوي العنف المتبادل، والانتقام،
ووجبات الرعب، والقتل اليومي، فنسمع ملاحظة تشير إلى هدف خطير يُؤوِّل ما يجري على لسان هاشم أحد الناهضين من
القبور ص 214: (غاياتهم- كما يقول- أبعد من إماتة الحاضر. ألم تتحسسوا نواياهم في
قتل الماضي بعد قتلهم الحاضر، بلى وإنِ استمرَّ الوضع على هذه الصورة فقد نصبح من
غير هوية!) يالها من ملاحظة تنبَّه إليها أستاذ الفلسفة كاتب الرواية وساقها على
لسان هاشم، فثمة غاية أبعد من الفتك بالحارات وسكانها، والمدن والقرى هي الفتك
بالهوية، وقد تمَّ بالفعل تدميرُ الكثير من الرموز الثقافية والآثار التاريخية،
وفي هذا خدمة للجار الأزرق الذي يجلسُ وراءَ الستار، ويسهمُ في تحريك خيوط اللعبة!
أمَّا
مسألةُ البعث من القبور الفانتازية الموظَّفة جيداً، فذكَّرتني بقول شائع تُعقِّب
به الأوساط الشعبية على الأحداث المذهلة بأنها توقظ الموتى من قبورهم أو مضاجعهم،
وهذا الاستيقاظ هو كناية في لغة المجاز وفي مصطلحات النقد الحديثة علامة
أبستيمولوجية كبرى، وقد تكلم هاشم أحدهم موضحاً سبب انبعاثهم بنفسه ص214: (الأزمة
التي تعيشها بلدنا أمر أقضَّ مضجعنا، أردنا استكشافَ الأمر، والمساعدة في إيجاد حل
للأزمة، بعدما استعصت على الأحياء!)، لكنَّ الموتى المبعوثين في رحلةِ إسراءٍ إلى
المخاض السوري يعودون بأذيالٍ طويلةٍ من الخيبة! والمخاض يزداد عسراً، والضحية
سوريا تعاني آلامَ أيوب مع نفاد صبر.
أمتعتنا
الروايةُ إلى جانب السَّرد الجميل الصادق بألوان من المعرفة جاءت مندمجةً في
سياقات التذكُّر العادي أو عَبْرَ ما وُصِفَ بأنه ذاكرة سمعية بصرية بين منذز
وأستاذه..
من
النوع الأول ص 93 ما تذكَّرتْهُ غيداء ابنة منذر من حديث أبيها عن نظرية الفيض عند
ابن سينا والفارابي، النظرية التي تفلسف
خلقَ الكون، حدَّثَها عنها حين
كشفتْ له عن تساؤلات تشغلها مَنِ الأسبق في الوجود البشر أم الكون؟
ومن
النوع الثاني استرجاع منذر كشريط تلفزيوني صوت وصورة لمحاورةٍ مع أستاذه حول الموت
ص 178، وكان مفتاح الذكرى أن مات محمود أخو منذر قهراً بعد نهب ثروته الكبيرة،
وإفلاسِه لحد الجوع:
(منذر:
أفهمُ من هذا أن حياتنا الدنيا مجموعة لحظات عابرة، لكنها دار بلية وتجربة.
الأستاذ:
أصبتَ، فالحياة مجرد لحظات انتظار نقضيها ريثما يأتي القطار لينقلنا نحن وأعمالنا
إلى موطننا الأخير).
قبلَ
نقطة الختام في هذا المقال أؤكد أنَّ رواية: وتنفّست الأموات قرأتِ الواقع السوري
خلالَ سنواتٍ أربع من الحرب قراءةً محايدة بعدم اصطفافها هنا أو هناك، كانت منضمةً
بقوة إلى الشعب، متضامنةً معه تُصوِّر خسائره الفظيعة، وعذاباتِه، وهرسَ آماله
بأحذية البطش وعسكرِ النظام، وقد برع الكاتب في تصويرِ مشاهدَ التقطها من الخارج
والداخل، فبينما يرسم بريشة حروفه مشاهدَ القصف عياناً، ينقل الريشة إلى عوالم
القلوب المذبوحة بالخوف ليصف ما يغتلي فيها.
وتنفَّست
الأموات- رواية 230 صفحة
صادرة
عن دار جفرا ناشرون وموزعون
عمان-
الأردن
الطبعة
الأولى سنة 2023
