ابداع بالقلم ولوحة تشكيلية فسيفساء من السيرة الذاتية والرواية وأدب الرحلةوالذاكرة
- قراءة تحليلية ثقافية في رواية " الزنجي " للكاتب المغربي العربي الحميدي .
☆ بقلم د /محمد الغياط
من خلال اطلاعي على العمل الأدبي الجديد للفنان التشكيلي والشاعر الاستاذ العربي الحميدي الذي تربطني به صداقة اخوية واهتمام مشترك بالابداع والثقافة اكتشفت ان الامر يتعلق برواية وسيرة ذاتية اختار لها عنوان "الزنجي" عمل أدبي يركز على السيرة الذاتية، باسلوب روائي حيث يعرض الكاتب تجربة شخصية يونس المواطن الذي يعاني من ألم نفسي كثمه منذ الطفولة ،و ظل راسخا في الذاكرة من جراء التنمر الذي عانى منه من طرف الرفاق جعله يشعر أحيانًا بقلق داخلي أو اضطراب نفسي نتيجة ضغوطات اجتماعية .
- 1- الجسد والهوية :
يبرز في رواية الزنجي شخص خجول تتاح له الفرصة للبوح بألم وجرح قديم وقد اعتمد الكاتب العربي الحميدي على تقنية الفلاش باك (الاسترجاع الزمني) بوصفها أداة فنية أساسية في بناء احداث الرواية. حيث يعيش البطل الحاضر وهو مثقل بذاكرة الماضي، لذلك تتداخل الذكريات مع الوقائع الآنية في شكل تداعيات نفسية تكشف عن جراح الهوية والإحساس بالقلق والاغترابعبر مسارات الحياة
- 2- تكسير التسلسل الزمني :
هذا التكسير الزمني يجعل القارئ يشارك الشخصية حالة التوتر الداخلي، ويمنح الرواية إيقاعًا متحركًا بعيدًا عن السرد التقليدي.
ومن الناحية البنيوية، فإن تقنية الاسترجاع لا تُستعمل فقط لاستعادة الأحداث، بل لتفسير الحاضر وفهم دوافع الشخصية.
فكل عودة إلى الماضي تكشف جانبًا من تكوين البطل النفسي والاجتماعي، وتوضح أسباب شعوره بالاختناق داخل واقعه.
- 3- تداخل الواقعي بالمتخيل :
الكاتب يسرد سيرته الذاتية من خلال استعارة اسم رمزي لبطل الرواية " يونس " وهو اختيار فني رمزي يضفي على الشخصية بعدًا إنسانيًا عامًا، بحيث لا يعود البطل مجرد فرد محدد، بل يصبح نموذجًا للمواطن الذي يعاني التهميش والبحث عن الاعتراف داخل وطنه. فالاسم المستعار يحمل وظيفة رمزية، ويمنح النص بعدًا دلاليًا يتجاوز حدود السيرة الذاتية المباشرة.
وتزداد أهمية البعد التاريخي في الرواية من خلال الإشارة إلى أن والد البطل كان مقاومًا خلال فترة الحماية الفرنسية على المغرب. وهذه الإحالة التاريخية تمنح الرواية عمقًا وطنيًا، إذ تربط بين جيل المقاومة الذي ناضل من أجل الحرية والاستقلال، وجيل لاحق يعيش نوعًا من القلق الاجتماعي والنفسي رغم انتهاء الاستعمار. وكأن الرواية تطرح سؤالًا ضمنيًا: هل تحققت كرامة المواطن كاملة بعد الاستقلال؟ وهل استطاع الوطن أن يمنح أسر المقاومين شعورًا حقيقيًا بالإنصاف والانتماء؟
ومن منظور النقد الاجتماعي، تكشف هذه المفارقة عن انتقال المعاناة من مقاومة المستعمر الخارجي إلى مواجهة أشكال جديدة من التهميش الداخلي. فالبطل يحمل إرثًا وطنيًا مشرّفًا من خلال والده المقاوم، لكنه يجد نفسه في واقع اجتماعي لا يحقق له الاعتراف الرمزي والمعنوي الذي ينتظره.
- 4- تداخل الأجناس الأدبية
أما من الناحية الفنية، فقد نجح الكاتب في توظيف الذاكرة بوصفها محركًا للسرد، وجعل من الانتقال بين الأزمنة وسيلة للكشف التدريجي عن الشخصية والأحداث. وهو أسلوب يقرّب الرواية من تيار الرواية النفسية الحديثة التي تهتم بالعالم الداخلي للشخصيات لكن الكاتب جعلها أكثر من اهتمامها بتسلسل الأحداث الخارجية ايضا وكأنه يعمل على تحقيق التوازن بين ماهو نفسي داخلي والواقع الاجتماعي
وبذلك، تبدو الرواية نصًا يجمع بين السيرة الذاتية، والبعد الوطني، والتحليل النفسي والاجتماعي، في إطار سردي يعتمد على الكسر الزمني ووتوظيف الرمزية الفنية لبناء تجربة إنسانية عميقة. كما لاننسى ايمان الكاتب بمبدأ التعايش والتسامح والتساكن بين الشعوب في بعد إنساني كوني .
وهنا لابد ان نتساءل هل المنتوج يصنف في جنس الرواية ؟
ام ضمن جنس السيرة الذاتية ؟
اعتقد ان الكاتب حاول المزج بين أسلوب السرد الروائي والسرد في السيرة الذاتية وادب الرحلة ومن مطالعتي فالمرور كان سهلا وباسلوب يجلب الانتباه ويجعل القارى شغوفا باحداث الرواية دون إعطاء أهمية للتمييز بين الاسلوبين
وفي رأيي فقد تفوق الكاتب في هذه المغامرة للمزج ساعدته تقنية فلاش باك على ذلك وكان الأمر يتعلق بسيناريو لفيلم سينمائي وفعلا موضوع الرواية مؤهل ليكون شريطا سينما ئيا .
-5-توظيف الرمز والحكاية:
وقد أثار انتباهي اختيار
" اسم يونس " بطل رواية" الزنجي " وجدته توظيفا رمزيا بأبعاد نفسية، وبدلالات دينية ومن المحتمل أن يكون اختيار الكاتب العربي الحميدي لهذا الاسم إحالةً غير مباشرة إلى النبي يونس، لما يحمله هذا الاسم من دلالات مرتبطة بالمعاناة والاختبار ثم الخلاص.
ففي التراث الديني، عاش النبي يونس عزلةً قاسية داخل بطن الحوت، في ظلمة البحر والوحدة والخوف، قبل أن تأتي لحظة النجاة والانبعاث من جديد. وهذه الصورة الرمزية يمكن إسقاطها على بطل الرواية الذي يعيش بدوره نوعًا من “الاختناق الوجودي” داخل المجتمع، وكأنه محاصر نفسيًا واجتماعيًا، يبحث عن الخلاص والاعتراف والطمأنينة.
ومن منظور النقد الرمزي، يصبح “الحوت” في الرواية استعارةً للواقع الاجتماعي الضاغط، بما يحمله من تهميش وقلق وشعور بالغربة داخل الوطن. أما شخصية يونس فتمثل الإنسان الذي يحاول مقاومة العزلة وعدم الاستسلام، منتظرًا لحظة الخروج من الظلمة إلى النور.
كما أن هذه الإحالة تضيف للرواية بعدًا روحانيًا؛ إذ تتحول معاناة البطل من مجرد أزمة اجتماعية إلى تجربة إنسانية عميقة تتقاطع مع الصبر والأمل والتطهر الداخلي. وهنا يبرز التوازي بين رحلة النبي يونس من المحنة إلى النجاة، ورحلة البطل من الألم النفسي إلى البحث عن معنى الوجود والانتماء.
غير أن الجزء الاول من الرواية لا يصرح بذلك بشكل مباشر، وإنما يترك المجال للقارئ للتأويل، وهو ما يمنح النص غنى دلاليًا ويجعل الاسم عنصرًا رمزيًا مفتوحًا على أكثر من قراءة نقدية وفكرية.ربما تتطور الأمور في الزي الثاني !!!
فمن خلال قراءة رواية الزنجي الجزء الأول في انتظار الثاني والثالث كما أخبرني الكاتب العربي الحميدي
-6-الاهتمام بالذات والهوية:
اثناء القراءة وجدت نفسي في لحظات اعيش حنينا مشتركا مع الكاتب نوسطالجيا لمرحلة الطفولة التي قضيتها في حي تواركة المشور السعيد بالرباط في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي في نفس البيئة التي عاش فيها الكاتب في مرحلة الدراسة الإبتدائية هي نفسها
واما لقب "الزنجي" و "عزي" و"الضراوي" فقد عانيت انا ايضا من تداعيات هذه الالقاب في صغري ولكنني تغلبت على ذلك التنمر بالثقة في النفس وباللامبالاة وبالتعالي وبالتنفيس عن طريق فعل الكتابة والسخرية وممارسة الرياضة والتمثيل المسرحي
ورغم ذلك فلا اعتقد ان مسألة التنمر هي الموضوع الرئيسي للرواية ، نظرا لتوالي احداث وقائع تجعلنا أمام مراحل عاشها المغاربة وخاصة من فترة الحماية إلى مابعد الاستقلال .
وكذلك انتقال الكاتب من مرحلة في الماضي والانتقال إلى الحاضر فالسرد كان مهما مقابل ضعف في الوصف الدقيق للأماكن والشخصيات والأحداث وكان الكاتب يكتفي بالاشارات ربما ليترك فسحة للقاريء من جيله واقاربه لاستعادة الذاكرة بمتعة وشغف كبير ...
-7- هاجس التشكيل بالكتابة
فنيا ظل الهاجس التشكيلي لصيقا بالكاتب تشعر وكأنه يعيد تشكيل الأحداث بقلم مبدع له حمولة تشكيلة فنية ولغة شعرية ورؤية خاصة للواقع
جمع بين الرواية والسيرة الذاتية وادب الرحلة وتقنيات سيناريو الشريط السينمائي .
-8- في انتظار الجزء الثاني :
يبقى علينا الا ن انتظار صدور أجزاء الرواية لتكتمل اللوحة وندرك الصورة للقيام بالتحليل الشامل لابداع اجتماعي متميز
من السرد التقليدي إلى رهانات التجريب بتشكيل متأثر بما بعد الحداثة ...وهي سمات الرواية العربية المعاصرة ...
☆باحث في مهن الإعلام والصناعة الثقافية
في سلا 17\5\2026
Tags
مناطق شائكة