-->
تنويه
للمراسلة الرجاء استخدام الرابط الموجود أعلى يمين الموقع " أرسل مقالك للنشر "

قراءة في تحولات النقد الحداثي : النقد الأدبي من الانطباعية إلى العلمية : د.مصطفى عطية جمعة



تمثّل التحول النقدي المحوري في دراسة التعبير الأدبي أي المتن النصي، والنظر في اللغة ووظائفها فيه، أي الانطلاق من النص نفسه، ودراسته على أسس أدبية خالصة، من خلال فحص المسببات التي جعلت النص متميزا أدبيا، على قاعدة من التحليل الهيكلي واللغوي، وليس على قواعد مستقاة من علوم أخرى. فما يهم بنية النص وجمالياته ومضمونه وعلاماته. وهو اتجاه قاده الشكلانيون الروس، وتلاقى معه المنهج البنيوي والأسلوبي والسيميائي وغيره من المناهج التي تنظر إلى النص الأدبي ضمن منهجية علمية، تنطلق من لغة النص، وإن كانت تولدت اتجاهات كثيرة تعارض هذه المنهجيات وتنتصر لغيرها، ولكن الثابت أن أهم ما في هذا التوجه هو الانكفاء على النص، وعدم الانشغال بما هو خارجه، والنظر في أهمية تسلح الناقد والقارئ على السواء بآليات وأدوات موضوعية: لغوية وفكرية وتحليلية وتقييمية لتقديم قراءة عميقة للنص، بدلا من القراءات النقدية السابقة، التي سالت فيها أنهار من الأحبار، دون إثراء للنص أو إضاءة ما به من جمال ورؤية.
فقد كان النقد يحوم حول النص بالنظر إلى أفكاره، دون التعرض لجمالياته، أو ينظر إلى الجانب الأسلوبي فقط كما نرى في النقد الجزئي، الغارق في الجزئيات اللغوية والبلاغية، والتي قد تفسد الرؤية الكلية للنص، وتضخم الجزء على حساب الكل، مثلما نرى في نقد البلاغيين، واللغويين، أو في نقد الأدباء أنفسهم، عندما يتعرضون إلى نصوص أدبية، فينقدون في ضوء خبراتهم في الكتابة، أو ما قرأوه من روايات أُعجِبوا بها؛ والمحصلة شذرات، وليست رؤى وتقييمات.
ونفس الأمر مع النقد الانطباعي، الغارق في القراءة الذاتية للنص الأدبي، فيسترسل الناقد الانطباعي في كتابته، مرة يحوم حول النص، ومرة يلتقط منه نثيرات، ومرة ثالثة ينظر إلى شخصية المبدع، مسقطا قناعاته الخاصة. فتكون النتيجة؛ قراءة نقدية تأخذ القارئ بعيدا عن النص، لا تقاربه ولا تناقشه، بل يكون الناقد أشبه بالطائر، يطير حول النص، وقد ينزل يلتقط منه عبارة أو كلمة أو فكرة، ثم يعاود الطيران.
وهناك الاتجاه الخارجي في دراسة الأدب، ويهتم بما يحيط بالأدب من عوالم اجتماعية، أو بالنظر إلى شخصية الأديب مبدع النص؛ فهو يدرس النص في ضوء سياقاته الخارجية: المجتمع، الثقافة، التاريخ، سيرة الكاتب ونفسيته، وعلاقته بتاريخ الأفكار والفلسفة والدين بقية الفنون، مما يؤدي إلى وجود شروحات وتفسيرات للنص، قد تبالغ في تقدير قيمته الفنية، أو تحمّله أكثر مما يحتمل، خاصة من قِبل دعاة السببية الاجتماعية، الناظرين إلى أثر المجتمع في الأدب والأديب وفي إنتاج النص، كما لا يستطيع هذا الاتجاه التخلص من المشكلات الحرجة في تحليل النص وتقييمه، لأنهم ينحرفون ببوصلتهم إلى شرح العمل الفني بحدود البيئة المنتجة والمؤثرة فيه. فهذا الاتجاه لا يضع النص نصب عينيه، وإنما ينظر في كل العوامل المحيطة والمسببة والمنتجة للنص، وهي بلاشك ضرورية، ومعينة على الفهم، ولا يمكن الاكتفاء بالنص فقط من أجل الفهم المتكامل، ولكن من الدوران حول النصوص؛ في مسارات التفافية، تحذر مقاربة النص، ليست خشية منه، وإنما لافتقادها منهجيات علمية واضحة في قراءة النص والغوص فيه.
مما استدعى ظهور المنهج الثاني وهو دراسة الأدب من الداخل، متخذا من العلوم (التقليدية) البلاغية والنظرية الشعرية والعروض مرتكزا، ليعاد إنتاجها وتقريرها في مصطلحات حديثة، وتدمج ضمن منهجيات جديدة، تنكب على النص الأدبي؛ مما أدى إلى ظهور آليات جديدة، مستفيدة من التطورات الكبرى في اللسانيات والنظرية البنيوية، ومدارسها المتعددة، مقترحةً طرائق وآليات علمية الرؤية والمنحى والطابع، لتحليل النص الأدبي، والوقوف على أبعاده الجمالية وعوامل أدبيته وتميزه، والعكوف على لغة النص: متنا وبناء وتكوينا، ودراسة رؤاه وقضاياه؛ ضمن استراتيجيات تحليل الخطاب النصي، التي تدرس ما يبوح به النص ظاهرا أو مستترا.
فالخطاب وإن كان لغة، إلا أنه يتجاوز اللغة، أثناء تحليله، ومحاولة الوقوف على طرق إنتاج الدلالة فيه؛ بمراعاة أطراف غير لغوية معلنة، على خلاف النظرة التي ترى النص بنية مغلقة. فالخطاب شبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية، التي أعيد إدماجها في عمليات تحليل الخطاب من المتكلم، الذي يحمل بعدا سلطويا من المتكلم (المبدع)، بقصد التأثير في المتلقي، مستغلا في ذلك كل الظروف المحيطة بالنص والمتلقي.
فمفهوم الخطاب النصي يجعل الفكر النقدي يتحول إلى دوائر جديدة، متصلة ومتداخلة، دوائر داخلية وتتعلق ببنية النص اللغوية، وما فيها من إشارات وتراكيب وسيمياء، بجانب البنية الفنية، التي تعنى ببناء النص كليا، وما يتشابك معها من دوائر خارجية، تمتد إلى ثقافة المجتمع، والقارئ، وما هو سياسي واجتماعي وتاريخي وديني. وعندما نقول "دوائر النص"، فإن هذا مصطلح أنسب، لأنه يجعل النص محورا ومنطلقا، لا أن يأتي الناقد بفكر وقناعات ما، يريد الانتصار لها، وقد لا يحملها النص، أو لا يتحملها. ففكرة دوائر النص، تأخذ في حسبانها قراءة النص وفهم معطياته ودلالاته وطروحاته، ثم النظر مدّ البصر إلى ما هو خارجه، على صعيد رسالة النص، وما يرومه من تنوير وكشف وإضاءة، وما يحمله من أفكار وقضايا، بعضها جليٌ في متن النص، وبعضها الآخر مستتر هامشي.
وهنا نستحضر مقولة تزيفيتان تودوروف بأن القضية لم تعد السؤال عن وجود الأدب ذاته، وإنما عن الخطاب الذي يسعى للكلام عنه، فالفارق يكمن في المسار، وليس في الهدف النهائي.
___
القبس

إرسال تعليق

أحدث أقدم