-->
تنويه
للمراسلة الرجاء استخدام الرابط الموجود أعلى يسار الموقع " أرسل مقالك للنشر "

شاعر الظل والخيانات وأغراض أخرى



خاص بالعهدة الثقافية
حاوره أحمد الشيخاوي:

هو اسم قد انتشلناه من قلاع الحرف البعيدة، يمكن القول إننا استدرجناه إلى دوائر الضوء، علنا نستطيع سرقة بعض التفاصيل من سرديات عزلته، وأسلوبه الحياتي الذي تمهره ثقافة الالتزام بالهامش والظل.
استقطبناه عنوة، لا كي نمنحه الاطراء، بل لنصغي إليه بعمق، ونتأكد من الكيفية التي صنع بها اسمه، على نحو من العصامية والمشاكسات الشخصية، في غمرة الغوغاء وزحمة أشباه المبدعين.
فهل يا ترى نكون قد أنصفناه، عبر استنطاق أقاصيه التي يسكنها الشعر ولا شيء سواه؟
إنه الشاعر المغربي لمنيصري العربي راعي المدى وعاشق المطر والقصيدة وعراب الحروف، أجرينا معه هذا الحوار، احتفاء بباكورته" عراب الحروف".
من يطالع له، يستشف زخم الجدلية المفتية بضرورة تخليق السياسي للثقافي والعكس بالعكس، علما أنه في الكثير من المحطات، ما ينّبه إلى اليأس من كهذه عملية، قد تك كاسحة للفضاء الشعري، بما يشوّه ملامحه الفنية، ويشوّش على أبعاد رسالته.
لقد تقلب شاعرنا ما بين المطولات كما الإبداع الشذري، انطلاقا من ذات الخلفية التي تترجم وعيه السياسي الكبير، فاستفز الفهم ودغدغ الذائقة، على حدّ سواء، تشهد له نصوصه المنشورة في بعض المنابر، وإن كانت قليلة جدا وتعدّ على رؤوس الأصابع.
هو المبدع الماهر إذ يناغي الذوق، بعمق الفلسفة الوجودية التي ما تنفك ترشق المتلقي بإغراءات ثورة الثقافي على السياسي، عند شاعر خبر القصيدة طويلا، ولو أن سؤال التفرغ لها، أدمى قلبه، طويلا، شأن كثيرين ممن يكتبون في الظل بدربة ومراس، ولكن سرعان ما يصطدمون برزمة من العوائق والمثبطات، لكن الأسرع أوبتهم إلى ذلكم الرّحاب الفوقي القاهر، رحاب الشعر، مدركين أنهم منه وإليه، مثلما هو منهم وإليه، كما الأسماك اختناقها خارج الماء.
هذا دأبه وقصته النموذجية مع نصوص الظل، في الجرأة والعمق اللذين ما يلبث يرسم بهما ملامح شعريته المنتصرة لألوان الحياة، على الرغم من واقع التشظيات والانكسارات والبكائيات المهزومة.
شاعر الخيانات الشعرية، في أبهى قوالب مشروعيتها، من وجهة نظر مبدع أريب، يفكّر بقلبه، مثلما يتذوق بوعيه.
بداية، هلاّ قرّبتنا من العربي لمنيصري، أكثر: ميلادك، مسقط رأسك، أشواط دراستك، ظروف تكوينك العاطفي والنفسي والثقافي والاجتماعي، باقتضاب، لو تكرمت..؟
شكرًا لكم وإنه لمن دواعي سروري واعتزازي أن أخصّ بهذا الحوار الذي آمله ممتعا ومفيدا للقارئ العربي.
ولدت في بداية شهر مارس من سنة 1972، بقرية العرجان، التابعة إداريًا لدائرة أوطاط الحاج، عمالة ميسور، إقليم بولمان، في بيئة فقيرة، وسط أسرة قروية وأميّة بالكامل.
تلقيت تعليمي الابتدائي في قريتي، بـمجموعة مدارس مولاي إدريس، ثم الإعدادي بـإعدادية ولي العهد آنذاك، والثانوي بـثانوية المرابطين بمركز أوطاط الحاج.
حصلت على شهادة الباكلوريا (شعبة العلوم التجريبية) سنة 1991، ثم انتقلت إلى مدينة فاس لمتابعة دراستي الجامعية.
لكن، لأسباب عدة، حالت الظروف دون إتمام مشواري الجامعي؛ منها سوء التوجيه، إذ كانت ميولاتي أدبية بينما كان مساري علميًا، إضافة إلى هشاشة الوضع المادي، فتوقفت عن الدراسة سنة 1994، لتبدأ مرحلة أخرى من حياتي.
أما عن طفولتي ومراهقتي، فقد كانت مثل سائر أقراني: ندرس، نلعب، ولا يشغلنا همّ. ثم كبرنا، وبدأ يسكننا الشعر... بالزمان، بالمكان، وبالإنسان.
عن وضعي الاجتماعي، فأنا متزوج، ولي ابن.
ما القصيدة إلا وعاء لتجاربنا الإنسانية، كيف كانت بداياتكم الإبداعية، وعلى أي من الخلفيات تأسست، وكيف تؤثر الحياة والمعيش في ما يمكن للإنسان أن يُبدعه، ككائن هش، في الأصل..؟
بدايات علاقتي بالقصيدة كانت منذ المرحلة الدراسية، إذ كان الشعر يعجبني كثيرًا، وكنت أتذوقه بعمق.
أذكر يومًا، في مرحلة الإعدادي، حين أتحفنا أستاذ اللغة العربية بقصيدة: "زهرة المدائن"، مغناة بالصوت الملائكي لفيروز، فتخشعت لسماعها وتأثرت بها كثيرًا، وما زالت تلك الأغنية تسكن وجداني إلى اليوم.
ومرورًا بدراسة المعلقات والشعر العربي عمومًا، تولّد لديّ حس شعري أتذوق به النصوص بوعي وجداني.
وبعد توقّف مسيرتي الدراسية، بدأ النبض الشعري يتقوّى من خلال قراءاتي المتكررة لجبران خليل جبران، ونزار قباني، ومحمود درويش، وغيرهم.
وفي أواخر التسعينيات، بدأتُ كتابة القصيدة على الشاكلة "النزارية" و"الدرويشية"، إلى حدود سنة 2004، حيث حدثت قطيعة مع الإبداع الشعري، بسبب انسداد الأفق الثقافي وغياب الدعم والتشجيع.
ثم عدت، في أواخر سنة 2024، إلى عالم الإبداع من جديد، فتفجرت ينابيع الشعر مرة أخرى، ليولد ديواني الباكورة: "عراب الحروف".
ورغم القطيعة، لم يتوقف تذوقي للشعر أبدًا، وظل جزءًا حيًا من وجداني منذ أيام الدراسة الإعدادية.
روح النص أو القصيدة الخالدة، إنما هي مجرد عصارة للمستلهم من المكان/ المدينة/ الوطن، كما الذاكرة/ الطفولة البعيدة جدا/ التراث، فضلا عن ما يمكن أن يُرجّ وتزلزل سكونيته في أعماق المبدع، ذلكم التقاطع في الحمولة الذي تتشاكل له دوال النفسي والوجداني والهوياتي، على أي حدّ يمكن ان تصطبغ التجارب الشعرية والابداعية عموما بسائر ما ذكرت لكم من معطيات..؟
الشعر، أو القصيدة، هو هوس وشغف وجداني؛ نافذة تُطل بها مشاعرنا على الآخر، في الزمكان، من منظور الوعي العميق للروح.
إنه إبرازٌ للذات في شكل جمالي، عاطفي، وأحيانًا متمرّد على الواقع.
الشعر مرآة الروح، بل هو أنفاس هذه الروح ونبضها، وهو الأمل الذي يعبر من خلاله الشاعر نحو التماس الجمال والكمال، وتعويض ما ينقصه في هذا العالم.
القصيدة الخالدة، هي التي تخاطب كل قارئ، وتكلمه؛ هي الدالّة بين الروح والواقع، تخرج نبضًا يشاكس أحلام الناس وهمومهم، وتكشف إحساسًا داخليًا يرسم، بلغة عميقة وبليغة، كل أنواع القيم الكونية.
الشعر هو ذلكم المعادل للحسّ الجمالي الذي يروي عطش المغبونين، ويُلبي شغف العاشقين.


إرسال تعليق

أحدث أقدم