كان لثلة من جيل السبعينيات الشعري العراقي وعي ناضج ورؤية عميقة وثقافة مركزة وشخصيّة مميزة، من الممكن -لو استمرت بتلك القوة والحماسة والعنفوان، أن تعطي ثماراً مهمة على صعيد المفهوم الجديد لقصيدة النثر العراقيّة، لكن عقدها انفرط بعد أن غادر الجميع العراق تقريباً، وتفرقوا في البلدان ولم يتواصلوا -فيما يبدو- لا مع بعضهم ولا مع الشعر إلا في حدود ضيقة، وانقطعت أخبار بعضهم وضاعت فرصة ثمينة لقصيدة النثر العراقية لو أنهم استثمروها على النحو المطلوب. إذ تحقّقت لهم هيمنة واضحة على المشهد وحظوا بدعم أكثر من جهة أدبيّة وثقافيّة بتوجّهات خاصّة خارج دائرة المؤسسّة الرسميّة، وكانوا يصولون ويجولون في الفضاء الشعريّ العراقيّ من دون أن يتعرّض لهم أحد، على الرغم من أنّ عملهم بشكل عام لم يكن في خدمة ثقافة السلطة آنذاك؛ إن لم تكن بالضدّ منها على نحو أو آخر، غير أنّ ظروفاً قد تبدو أحياناً ليست مفهومة تماماً سهّلت لهم فرض نموذجهم.
جماعة الشعراء السبعينيين اشتغلوا في بداية الأمر على فكرة التأسيس بقوّة وعزيمة وحققوا منجزات مهمة؛ لكنّهم تفرّقوا في نهاية المطاف فلم يواصل بعضهم هذا السبيل بالحماسة والاندفاع المطوب، وبقي بعضهم الآخر يواصل بإصرار إبداعيّ أصيل على طول الخطّ، وهكذا تفرّقت بهم السبل حتّى صار ما يفرّقهم أقوى وأمضى ممّا يجمعهم؛ لتنتهي هذه البؤرة الأرجوانيّة الفريدة إلى تشتّت وضياع ونهاية مؤسفة.
ويمكن ذكر أبرز هؤلاء الشعراء الذين مثّلوا هذه الموجة ممّن كانوا داخل العراق قبل أن تتفرّق بهم السبل؛ وهم: زاهر الجيزاني وخزعل الماجدي وسلام كاظم ورعد عبد القادر وعبد الزهرة زكي وكمال سبتي وعادل عبد الله ورعد فاضل وطالب عبد العزيز وشاكر مجيد سيفو ونامق سلطان وحكمت الحاج، وربّما ثمّة أسماء أخرى مهمّة لم أطّلع على تجاربها جيّداً؛ مع أنّ التجربة على مستوى الشعراء المقيمين في العراق ذلك الزمن بالذات؛ ارتبطت بهذه الأسماء في أوسع نطاق ممكن أو محتمَل أو متداوَل.
نشأ جيل شعريّ آخر من شعراء قصيدة النثر العراقيّة مع الحرب العراقية الإيرانية أعقب جيل السبعينيّات، إذ كانت (قصيدة النثر) في وقتها تُهمةً تطال صاحبها لمجرّد كتابتها، لأنّ الحرب كانت بحاجة إلى قعقعة "قصيدة الوزن" التي ينبغي أن ترفد المعركة بنار الكلام الموقّع المثير التعبويّ، وكانت قصيدة النثر أشبه بلافتةِ معارضةٍ مُضمَرة ضدّ الحرب وويلاتها وانتكاساتها الإنسانيّة، وعلى الرغم من أنّ النماذج الجيّدة فيها كانت قليلة -فنيّاً وجماليّاً-؛ لكنّها استطاعت أن تشكّل تيّاراً شعريّاً يمتلك بعداً ثقافيّاً أصيلاً؛ قد يتجاوز -على نحو ما- متطلّبات الفنّ والجمال والنموذجيّة الشعريّة بالصورة النقديّة الضاغطة.
تلوّنت قصيدة النثر الجيّدة في هذه المرحلة بألوان الزهد والاقتصاد والتمركز الشديد حول ذاتها الكتابيّة والإنسانيّة بعيداً عن كلّ شيء، إذ نشأ نسق شعريّ يحتجّ فيه شعراء قصيدة النثر على المحيط الثقافيّ والسياسيّ والسلطويّ بكتابة هذا النوع الشعريّ، فكانت قصيدة النثر على وفق منظور "شعر الحرب" تهمة ذات طبقة جوانيّة "مراوِغة"؛ لا يمكن اعتمادها جرماً للحكم عليها وعلى صاحبها من جهة لعدم توفّر عناصر الاتّهام على نحو واضح، ولا يمكن الاطمئنان على سلامتها الفكريّة في معيار المؤسّسة من جهة أخرى.
بقيت هذه القصيدة تتحرّك هكذا على نحو شبه خفيّ تحت البساط على حافّته وبين جوانبه؛ تتقلّب ذات اليمين وذات الشمال من دون أن يلتفت لها أحد مستثمرة انشغال الآخرين بما هو أهمّ، وتستبطن داخل أعماقها معارضة ناعمة من نوع خاصّ بمعرفة الجميع تقريباً، لكن لا وجود لعلامةِ جُرمٍ واضحة بحقّها يمكن أن تدينها بقوّة؛ حيث لعبت على هذا الوتر الحرج وظلّت نتوءاً خادشاً بوجه الحرب، تتحرّك بليونة حرباويّة تكاد لا تبين؛ وتلعب على براعة اللغة لتمثيل أداء شعريّ شديد الخصوصيّة، ينشر ضوءه الهامس على الوجه الآخر للزجاج، تُرى ولا تُرى في آنٍ، وتظهر وتختفي وكأنّها غير موجودة أصلاً.
تشكّلَ تقريباً جيل آخر لاحق لجيل شعراء الحرب في قصيدة النثر العراقيّة؛ تمثّل بجيل لا يخلو من الاندفاع والحماسة ضمّ شعراء مرحلة الحصار، إذ كانت ظروف الحياة أقسى من ظروف الحرب إذ صار كلّ شيء أبعد من قدرة الإنسان للحصول عليه من متطلّبات الحياة البسيطة؛ وأبعد وأعقد من أن يتمكّن هؤلاء الشعراء إنجاز حلم التأسيس لمشروعهم، على حافّة ظلّ قاتم وظلّل بيأس وخراب وموت بطيء يكاد يطال الحياة بصورها كافّة، وظلّوا أسرى الجهود الفردية التي لم تُسفر عن نتائج مهمة كثيرة، غير أنّ الإصرار على مواصلة الطريق الشعريّة على هذا النحو منحهم قوّة الحضور الثقافيّ هنا أو هناك.
ظلّ طريق قصيدة النثر العراقية مُعبّداً بالخوف والقهر والخيبة والخذلان والتراجع؛ بلا سند ولا أرض ثابتة يمكن أن يتحرّك عليها سربهم الملوّن بألوان الطيف الشمسيّ، الذي يطير عادةً بلا أجنحة، ويجتهد في أن يتنفّس هواءً مُلبّداً بأبخرة أقلّ ما يقال عنها إنّها قاتلة، وكادت هذه القصيدة لولا بعض الشعراء الأصيلين على ندرتهم؛ ظلّوا يحفرون الدرب بأصابعهم النحيفة بحثاً عن جواهر ثمينة غاطسة بأعماق ترابهم الذهبيّ ولا يراها سواهم.
____
الصباح