-->
 العهدة الثقافية
  • الرئيسية
  • مكابدات
  • مناطق شائكة
  • مائدة حوارية
  • محترف الفنون
  • مقالات
  • آداب عالمية
الصفحة الرئيسيةمناطق شائكة

محمد صابر عبيد يكتب: النصّ الموازي وجمهوريّة العتبات

الاثنين, مارس 16, 2026
عدد المشاهدات: 0
0

جيرار جينيت
محمد عبيد

محمد صابر عبيد

ناقد وشاعر وأكاديمي عراقي

 

لم يكن "جيرار جينيت" حتماً هو أول من تحدث عن العتبات النصية في الأعمال الإبداعية، ولاسيّما عتبة العنوان بوصفها العتبة الأهم والأكثر تمظهراً على مستوى التشكيل النصيّ، إذ انتبه النقاد العرب القدامى أكثر من انتباهة طريفة إلى أهمية هذه العتبة وقيمتها -لكن في مجال الكتابة النثريّة حصراً- على وجه الخصوص، حيث كانت القصيدة العربيّة التقليدية -حتى وقت قريب- بلا عنوان دائماً، وأحسب أن ذلك مما يحتاج إلى مراجعة وتفكير ورصد وبحث وتأمل وتدبر ودراسة.
فهل كان النثر عندهم أكثر حاجة لنصّ موازٍ في مجال الفكر العتباتيّ من الشعر؟ وهل كانوا يعتقدون أيضاً أنّ القصيدة مكتفية بذاتها وممتلئة بكينونتها التشكيلية "المتنيّة", فلا تحتاج إلى ما يوازيها نصيّاً ليضيف إليها ويكشف عن جوهر وجودها؟ وثمة أسئلة أخرى كثيرة يمكن إنتاجها في هذا السبيل، وهي تتعلّق بأهمية كلّ من الشعر والنثر أو تفضيل أحدهما على الآخر.
غير أنّه بعد صرخة "جينيت" العتباتية في كتابه "عتبات" وكتبه الأخرى ذات الصلة بهذه القضية، بدأت تتعالى الأصوات المتّجهة صوب هذا الميدان البحثيّ الخصب وكأنّ هذه الأصوات العالية كانت غافلة عنه حتى نبّهها جينيت، فانتشرت وتسرّبت وتكاثفت وتعاظمت وتكاثرت؛ ولم يعد ثمة ما يوقفها , يصدّها أو يقلّل من تدفّقها، حتى أنّ الكتب والبحوث والدراسات التي طالت هذه المنطقة البحثية المثيرة بدت وكأنها أكثر مما يجب، إذ غطّت أصداءُ الصوت العتباتي الجينيتي الأجواءَ والفضاءات والعقولَ والرغبات كلّها على نحو بالغ التأثير والإغراء والتمثّل والصيرورة والأداء، فازدحمت بها المقالات والدراسات والأبحاث والكتب بصورة شديدة الإثارة.
"عتبة العنوان" هي دائماً تاج عتبات الكتابة، إنّها من دون أدنى شكّ العتبة الأظهر والأقوى والأكثر استفزازاً لمحرّكات القراءة وميكانيزماتها، ونالت النصيب الأوفر من الاهتمام والرصد والقراءة والتأليف إلى درجة الحديث عن "نظرية العنوان"، بكلّ ما تتكشّف عنه جمهورية النظرية من طبقات وحدود وإمكانات وقضايا وإشكالات ورؤيات ومنجزات، حتى ارتفعت هذه العتبة كثيراً أمام شهوة القراءة؛ ولم يعد من السهل والميسور اجتيازها لكلّ عابر قرائيّ لا ينتمي إلى هذا الفضاء بقوّة، لا بل يضطر الناقد في كثير من معالجاته النقديّة أن يعرّج على عتبة العنوان، وذلك من أجل فحصها وقياس مستوى تأثيرها على طبقات النصّ الأخرى، لما احتلّته من قوّة حضور وضوء لا يمكن تجاهله أو إهماله.
ظلّت الكتب التي تشتغل على عتبة العنوان تترى وتتناسل وتشتهر وتتكاثر، بعضها يكرَّر، وبعضها يضيف، وبعضها بين بين، حالها حال الكتب الأخرى في شتى صنوف المعرفة ومجالات العلم، لكنّها على أيّة حال ضرورية في الأحوال كلّها، إذ إنّ التراكم المعرفيّ لأيّ علم هو الذي يؤسس لجمهوريته؛ التي ترفع به علمها وتقدّم سلامها الجمهوريّ الخاصّ بها، وتكتسب من ثمّ أحقية وجودها تحت شمس المعرفة المترامية الأطراف بكلّ شرعيّة واعتراف وحريّة ورحابة، متجاوزة خوفها من أيّ ضعفٍ أو وَهَنٍ يمكن أن يودي بها كي يسحب الاعتراف بها ويُفقِدها شرعيتها، وكلّما كانت هذه المعرفة على قدر من الأهميّة في مجتمع القراءة والتلقّي؛ فهي تكتسب قوّة وجودها وتداولها وتأثيرها كي تؤلّف نموذجها وتفرضه على فضاء المعرفة.
إنّ هذه الجمهورية العتباتيّة التي بدأت تحتلّ مساحات كثيرة وواسعة من العقل النقديّ الحديث؛ ركّزت الاهتمام على وجود العتبات تركيزاً بالغاً، لا بل قاد بعض النقّاد إلى التوسّع في ابتكار مجالات نقديّة جديدة للعتبات على مستوى التعدّد والتنوّع، حتى أنّ القارئ ليشعر أحياناً أنّ النص الموازي "العتباتي" أكثر أهمية من المتن النصي الأصل، وذلك في سياق استحواذ الهامش على المتن؛ ضمن صياغة ثقافة هذا العقل في إعادة ترتيب أولوياته الرؤيوية والمنهجية.
إذ أُبعد المتن قليلاً عن مجال الاهتمام وسخّر كل شيء في خدمة الهامش وقد احتلّ الأرض والسماء معاً، على النحو الذي بدا فيه المتنُ مستعمرةً قديمةً بإزاء الجمهورية الجديدة، من لا يعترف بخصوصيّة هذه الجمهورية يعدّ قديماً ينتمي إلى ثقافة المستعمرات بروحيتها التقليدية ورؤيتها القديمة، وهي رؤية ذات طبيعة فلسفيّة وثقافيّة عامّة ألقت بظلالها على حركيّة العقل العربيّ المعاصر، وانتقلت نحو التفاصيل المعرفيّة كلّها لتفعل فعلها على صعيد القراءة والتحليل والتأويل.
وإذاً فـ "المتن النصّي" هو الأصل الكتابيّ المعوّل عليه -أولاً- في القراءة والمقاربة والمعاينة والفحص والتداول، وحين يأتي الاهتمام الضروريّ بالنص الموازي/ العتباتي فإنّه يأتي تعزيزاً له؛ وتمكيناً لقيمته في احتواء التجربة والتعبير عنها وتشكيلها، كما أنّه يأتي في سياق حرارة الجذوة المتألقة بينهما، وهي تتمخّض عن قدرٍ عالٍ من التوازي والتوازن والتماثل والتفاعل والتداخل، داخل فضاء خطاب نصّي لا يكتفي بذاته مهما بلغ من الخصب والثراء والعمق والغنى، بل ينفتح بطبقاته كلّها بين يدي القراءة؛ كي تتوفّر له شروط الحياة والديمومة والفعل والتأثير والإدهاش.
ما زالت جمهورية العتبات تهيمن وتفرض نموذجها على الدراسات النقديّة والأكاديميّة على نحو تجاوز كثيراً حدود الحاجة، وكثير من هذه الدراسات تقع أغلب الأحيان في دائرة التكرار والاستنساخ والإعادة العمياء، بما يتوجّب على من يتناول هذا الموضوع نقديّاً الانتباه إلى الجدّة والحداثة والطرافة التي يمكن أن تتميّز بها كلّ عتبة، وهو ما ينعكس على وعي الأديب في التعامل مع عتبات نصّه؛ على النحو الذي يحرّض القارئ والناقد للمضي قُدُماً نحو تعميق القراءة والبحث للكشف عن تميّز هذه العتبات وقدرتها على الإضافة الجماليّة والنصيّة.
___
جريدة الصباح/





Tags مناطق شائكة
  • Facebook
  • Twitter

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

أحدث أقدم

إعلانات المواضيع

تنسيق

قسم مكابدات

جاري التحميل...

قسم صحة

جاري التحميل...
الكاتب

تابعنا

المواضيع الشائعة

إصدارات

جديد القواسمة رواية "إلى الهاوية "

الأربعاء, مارس 11, 2026

الوحدات يضبط إيقاع الحسين بثلاثة أهداف مقابل هدف

الأحد, مارس 15, 2026

مسلسل 'صحاب الأرض' دراما الصمود / الناقد زياد أبو لبن

السبت, مارس 14, 2026

تجارة الأحذية أكثر ربحاً من رسائل الحب

الجمعة, مارس 13, 2026

أحدث المنشورات

آخر المشاركات

منشورات أخرى

Responsive Advertisement

التصنيفات

  • آداب عالمية
  • إصدارات
  • إعلانات مجانية
  • بورتريه
  • تحقيقات
  • ترجمة
  • تكنولوجيا
  • جامعات
  • جوائز
  • صحة
  • طقس
  • فيديو
  • فيسبوك
  • قاعة الندوات
  • كاريكاتير
  • مائدة حوارية
  • محترف الفنون
  • مرصد
  • مقالات
  • مكابدات
  • مكتبة العهدة الثقافية
  • ملاعب
  • مناطق شائكة
  • منوعات

جامعات

منوعات

تكنولوجيا

جميع الحقوق محفوظة © العهدة الثقافية
  • الرئيسية
  • من نحن
  • اتصل بنا
  • سياسة الخصوصية
  • شروط النشر

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط Cookies لتحسين تجربتك. إقرأ المزيد

حسنًا