قصص كثيرة قيلت عن المبنى الذي أقف على بابه الآن، بحذاء لامع من الجلد، ممسكا سيجارة بين اصبعين، كأنها قلم، وناظرا الى شرفته التي تطل منها امرأة غامضة. يخال كثيرون أنه مبنى عادي، وأن أخباره مجرد أقاويل مرسلة، أو أحلام يقظة. لكنني أعرف كل شيء عنه.
تسلقت السور اللبني الذي يلف المكان، وأنا في الثالثة عشرة من العمر، ثم هبطت في الجانب الآخر، ورأيت بعينيّ الحقيقة التي تحوم حولها الأوهام.
عندما أتذكر ظهيرة ذلك اليوم، أفضّل أن أقول إن سبب مغامرتي كان سقوط كرة في الجانب الآخر.
وأهمس لنفسي قائلا إن الله هو من ركلها في ذلك الاتجاه.
ما أن استقرت قدماي في مكانهما حتى وجدت نفسي ألتقط من الهواء مفردات لم أعرف قط أنها موجودة، وأمررها على لساني، للمرة الأولى، مستشعرا مذاقها الفريد. فوجئت بصور تتخلق في مخيلتي، وتتدفق خارجها، حالا، كأنني بكرة سينما صامتة. وهكذا استنتجت أن ما يهبه المكان لمرتاديه هو - تحديدا - القدرة على استدراج ألفاظ وصور لم يستخدمها أو يرها أحد قبلا، ونسج قصص حول أشياء لا يمكن التنبؤ بها.
لكن الإناء الذي كنت أغرف منه الألفاظ والصور، طوال السنوات الماضية، أعني المخيلة التي محضني أياها المكان، جفّ فجأة. ما يتراءى لي حين أغمس أصابعي في جوف الاناء، هذه الأيام، صور باهتة ومعان مبتذلة. مجرد ألفاظ شبيهة بالقشور المجوفة لبذور اليقطين، كأن داء متفشيا أصاب الكلمات فأجهضها.
لولا صورة الرجل الناضج التي أحملها عن نفسي، وتراجع ثقتي في قدرة جسمي على مسايرة رغباتي، لكررت محاولتي السابقة، فتسلقت السور، بالطريقة نفسها، وجنبت نفسي حرج الاتصال بالسيدة التي تقيم في المبنى.
نظرت الى ساعة يدي، ثم نزلت عما تبقى من السيجارة، وأزحت الباب الحديدي، وخطوت الى الداخل. توقفت في باحة واسعة، تشبه مشط اليد، وتتفرع منها خمسة ممرات عميقة، متجاورة.
إذا افترضنا أنها أصابع اليد -وهذا مثال على تردي مخيلتي - أكون الآن في طريقي نحو الإبهام.
صفقت، وسعلت، وأنا أتقدم إلى الأمام. وتلقفتني شابة في النصف الأول من عقدها الثاني، تقف قرب آلة طباعة صغيرة، ورجل يستعرض النسخ التي تقدمها له من فوق كتفه.
مدّ الرجل يده وهو جالس في مكانه، فصافحته. وقلت إن لديّ موعدا مع السيدة، وإنني آمل منه التفضل بإبلاغها بأنني حضرت حسب الموعد الذي حددته لي.
رحب بي، وطلب مني الجلوس، ثم استخرج أوراقا من درج مكتبه. وقال، بنبرة مهنية، وهو يستعرضها على عجل:
الاسم؟
ناولته عاملة الطباعة ورقة لفظتها الآلة للتو، فنظر إليها لبضع ثوان، وقال:
آآ، هنا.
لم أع ما يرمي إليه. لكنني أجبته بهزتين من رأسي، قوبلتا بنظرة باسمة من العاملة الشابة.
تخيلت نفسي منكبا على الكتابة، مجددا، بالحماسة المفقودة. ولاحت لي مفردات مشرقة تنهمر على أطراف آلة التأليف المعطلة، وتسيل منها، مثل لعاب براق.
لا سبيل لاحتمال المعاناة التي يسببها تصلب الأصابع للمؤلف.
قلت ذلك حرفيا للسيدة، خلال الاتصال الهاتفي، تعبيرا عن عدم القدرة على الكتابة. وقالت انها تتفهم معاناتي.
طلب مني الرجل الانتقال الى الممر المجاور. وقلت مازحا:
تعني السبابة؟
لكنه لم يلتقط النكتة.
واصلت السير داخل الممر الشبيه بنفق شاحب الإضاءة، إلى أن تلقفني صوت ذكوري، بالغ الخشونة، رافقته طبقات متعاقبة من الصدى.
اجلس.
أشار الى الكرسي الوحيد الموجود أمامي.
أنا هنا لرؤية السيدة. قلت.
ولحس محيط فمه بلسانه، كأنه أنهى للتو وجبة عشائه، ثم أعاد ضبط جلسته، وشرح لي أن مهمته هي محاسبة رواة القصص على ألفاظهم المسروقة. العبارات والمفردات التي التقطوها من أفواه الآخرين، وتظاهروا بأنهم مالكوها الفعليون.
ينبغي إعادتها إلى مكانها. هذا ما تمليه النزاهة علينا.
وصمت، ضاغطا شفتيه، فقلت، نافيا التهمة عن نفسي:
لكنني موجود هنا لهذا السبب. لماذا تظن أنني هاتفت السيدة؟
متجاهلا كلماتي، قال إن السجلات تظهر أشياء..
آآ، لعلك ترمي إلى حادثة تسللي إلى المكان. مر على ذلك وقت طويل. لو كانت قضية مسجلة ضدي لسقطت بالتقادم.
وسألني:
عن أي تسلل تتحدث؟
وأردف غير منتظر جوابا عن سؤاله، وهو يقلب صفحات سجل ضخم، لاحسا شفته العليا:
هناك ضبطيات.
تركني أنظر بنفسي إلى ما دون في السجل، محاطا بدوائر حمراء. وظهرت عاملة الطباعة الشابة، وهزت كتفيها قائلة إنها لم تجد الوثيقة.
"كانت هناك، على المكتب. استخرجتها بنفسي. ولا أعرف أين هي الآن".
كنت لأقول، مستعرضا مصطلحاتي القانونية، إن التهمة باطلة، أو كيدية. لكن وجود خطأ في الإجراءات أعفاني من بذل هذا الجهد.
أذن لي بالمغادرة، فاستدرت غاضبا، وسرت مبتعدا بخطوات صائتة. بدلا من الرغبة في الكتابة، دهمني الصمت، وغمرتني مشاعر التكدر مجددا. وعندما عاد إليّ صدى صوت نفسي مختلطا بترددات عميقة لضحكات ماجنة، استنتجت، وأنا أتذكر خصال الاصبع الوسطى، أن التصميم الذي أعطي للممرات لم يكن مجرد محاكاة خالية من المعنى.
تذكرت، وأنا أتنسم النفحات المعطرة، وجوه حبيباتي. جئن جميعهن إليّ، بأعين مبللة ووجوه ضاحكة. وقدمت إحداهن اعتذارا طويلا، تخللته كلمات وأحرف مقطعة.
قلت متظاهرا بالنسيان، من دون أن أحرك شفتيّ:
أنا لا أعرف حتى ما الذي تتحدثين عنه.
طبعت قبلة رطبة على شفتيها، وسألتها عما ينتظرني في نهاية الممر.
هنا. هذه هي نهاية الممر.
انتقلت الى الممر المجاور. وشعرت، وأنا أطأ أرضيته، بالقيمة المتدنية لعزوبيتي.
كنت أهوي بقدمي على طبقة من الزجاج. وشعرت بفقدان الوزن، فملت بكتفي على الجدار، إلا أنها غاصت فيه، كأنه مشيد بالكريما. لهذا، لم أتردد، عندما صادفت عاملة الطباعة قادمة من الجانب المقابل، في طلب يدها.
أنا عاجز عن التقدم الى الامام.
قلت.
وأردفت وأنا أستعيد توازني، كأنني أخاطب نفسي:
هل يمكنك معرفة مكان السيدة؟ لا أفهم لماذا يكون لقاؤها صعبا الى هذا الحد، علما بأننا على موعد.
انتظرت أن تشير إلى الاصبع الصغيرة، التي لا أعرف ما يمكن العثور عليه فيها. لكنها سحبت يدها من تحت إبطي، وقالت:
لم لا تنظر بنفسك؟
*
Tags
مكابدات