يوسف الشايب:
شهد المتحف الفلسطيني في بيرزيت، بالشراكة مع جامعة دار الكلمة في بيت لحم، مساء التاسع من شباط (فبراير) 2026، إطلاق كتاب ومعرض "زنبقات غزة"، الذي يوثق التجربة الإبداعية والإنسانية لفنانات تشكيليات في ومن قطاع غزة تحت وطأة حرب الإبادة المستمرة.
جاء هذا الحدث ثمرة جهود بحثية وفنية ممتدة قادتها مديرة حاضنة رامي زاهي خوري لريادة الأعمال د. إيناس ديب، والفنانة رنا بطراوي، بدعم من الحاضنة، بحيث تحولت قاعة المتحف إلى مساحة التحام بصري ووجداني مع غزة.
تحدثت ديب عن التحديات اللوجستية والنفسية التي واجهت إعداد الكتاب في ظل انقطاع الاتصالات المستمر، معتبرةً أن كل صفحة في الكتاب تمثل "انتصاراً للجمال على القبح"، حيث كان جمع الأعمال والمواد أشبه "بمعركة لاسترداد الذاكرة"، موضحةً أن المشروع يهدف إلى إيصال صوت الفنانة الغزية التي فقدت مرسمها وأدواتها لكنها لم تفقد رؤيتها الفنية، لافتةً إلى أن الكتاب خرج باللغتين العربية والإنكليزية، وأنه يجري العمل على إعداد نسخ إلكترونية لنشره بشكل أكبر عالمياً.
من جانبه، أكد وزير الثقافة الأسبق د. إيهاب بسيسو خلال مداخلته، أن هذا الكتاب ليس مجرد رصد فني، بل هو "فعل مقاومة ثقافية ووثيقة تاريخية تحفظ الرواية الفلسطينية من المحو"، مشيراً إلى أن اختيار "الزنبق" كرمز يحمل دلالات الانبعاث والجمهور الذي يخرج من بين الأنقاض، موضحاً أن المشروع يسعى لمد جسور التواصل مع الفنانات اللواتي تم عزل جثامينهن أو أعمالهن خلف جدران الحصار.
وساهمت الفنانة فيرا تماري بتقديم رؤية حول الجماليات البصرية التي تضمنها الكتاب، مشيدةً بقدرة الفنانات على الحفاظ على الهوية البصرية الفلسطينية وتطويرها حتى في أقسى الظروف، وبالتنوع الأسلوبي للفنانات المشاركات، لافتة إلى أن "زنبقات غزة" يعكس نضج التجربة التشكيلية الفلسطينية، وقدرتها على التكيف مع الظروف القاسية.
مديرة معهد دراسات المرأة في جامعة بيرزيت د. رانيا جواد، ركزت في مداخلتها على دور المؤسسات التعليمية والثقافية في احتضان هذا النتاج، معتبرةً أن الشراكة بين جامعة دار الكلمة والمتحف الفلسطيني "ترجمة حقيقية لوحدة المصير الثقافي"، لافتةً إلى أن الفن الفلسطيني اليوم هو أداة قانونية وأخلاقية تخاطب العالم بلغة الجمال لمواجهة لغة القتل.
بدورها، تحدثت الفنانة رنا بطراوي عن رحلتها مع الطين والرماد، مشيرةً إلى أن الفن في غزة تحول من حالة ترفيهية أو تعبيرية عادية إلى "ضرورة وجودية"، مؤكدةً أن كتاب زنبقات غزة يحفظ للأجيال القادمة ملامح الجمال التي حاول الاحتلال طمسها تحت الأنقاض.
أما الفنان شريف سرحان، فأكد في كلمته أن الفنانات في غزة يعتبرن هذا الكتاب "منصة اعتراف" عالمية بوجودهم وبقوة تأثيرهم، رغم محاولات التغييب، مشدداً على أن كل لوحة وردت في الكتاب هي "رسالة حياة" موجهة من قلب الحصار إلى عمق الضفة الغربية والعالم.
محررة الكتاب هداية شمعون، تحدثت عن "أنسنة" تجربة الفنانة في غزة، مشيرةً إلى أن الفنانات لم يكنّ يرسمن فقط، بل كُنّ يوثقن تفاصيل البقاء اليومي، مشددة على كون الكتاب يمثل "فعل استمرارية" وليس مجرد رصد للحرب، حيث تظهر فيه الفنانة كمنتجة للأمل رغم الدمار.
ومن داخل القطاع وصفت الفنانة فاطمة أبو عودة كيف أصبح الرسم هو وسيلتها الوحيدة للنجاة النفسية وسط أصوات الانفجارات، موضحةً أن مشاركتها في الكتاب هي رسالة للعالَم بأن "الفنانة الفلسطينية لا تموت، بل تولد من جديد مع كل لوحة ترسمها وسط الخراب"، فيما ركزت الفنانة جهاد جربوع على أهمية الفن كأداة لتوثيق الجغرافيا المتغيرة بفعل الدمار، لافتةً إلى أن أعمالها في الكتاب تعكس الارتباط الوثيق بالأرض، وأن كل خط ترسمه هو تأكيد على أحقية البقاء في هذه الأرض التي تنجب الزنبق رغم الموت.
ومن حيث تتواصل الإبادة، قدمت الفنانة تهاني سكيك شهادةً مؤثرة حول فقدان المراسم والأدوات الفنية، معتبرةً أن "الزنبقات" اللواتي يتحدث عنهن الكتاب هن فنانات صنعن من اللاشيء عالَماً من الأمل، مشددةً على أن الكتاب يمثل انتصاراً للمرأة الغزيّة المبدعة التي ترفض أن تكون مجرد رقم في سجلات الضحايا.
Tags
محترف الفنون



